أحدث الأخبار
الأربعاء 18 أيلول/سبتمبر 2019
عرب الجهالين ،تغريبة أخرى!!
بقلم : زهير ابن عياد ... 16.02.2012

لم يدر في خلد ابن خلدون حينما سطر تغريبة بني هلال وسليم المشهورة وما قدموه من ملاحم اسطورية أخصبت الوجود العروبي في المغرب العربي ، بأنها لن تكن تغريبة العرب الأخيرة ، فيبدو ان قبيلة الجهالين البدوية العربية تسطر بدورها ملحمة في الصمود والاباء والثبات ، فتأبى هذه القبيلة العريقة إلا ان تؤصل لمعاني الواقع الحي ، وترسخ الوجود الازلي ، وتثبت نفسها في الارض مرة إثر اخرى ، تعددت مواقع الترحيل والتهجير والاقتلاع ، والأهداف سيان ، نشب مخالب الاسطورة الصهيونية الموغلة في الأرض .
ما شدني لكتابة هذا المداخلة هي قناعتي بأن عرب الجهالين ما هم واقعا وصدقا الا امتداد تاريخي عرقي لبدو النقب ، وبأن ارومتهم تنتمي لبئر السبع ، علاوة على الحقيقة التاريخية التي تؤشر لتبعيتهم لقبائل بئر السبع لما لهم من واجهة ثقافية اجتماعية وعشائرية هي أقرب لبئر السبع وبدو النقب ، حاصلة المعنى بأننا بدو النقب نتشارك وإياهم ذات المعاناة والاجحاف ، واعيننا واحدة للنقب كموطن أصيل واخرى لعرب الجهالين اسوة بالقبائل البدوية في الشتات ، ونرفض جذريا كل ما يتعرضوا له من تهميش وتفتيت وتهجير ، ونعد ذلك انتهاكا لانسانيتنا جميعا ...
بنفس الترياق ، يتكرر المشهد النقباوي بتفاصيله جلها ، في الاونة الاخيرة ، تجاه الاف العائلات البدوية التي تقطن وتنتشر داخل تجمعات بدوية غالبها شرقي القدس على طريق الخان الاحمر - اريحا ، ضمنهم ما يقارب 7500 نفر من عرب الجهالين ، يتوزعون على تلال القدس الشمالية الشرقية والغربية ...
عرب الجهالين اساسا مجتمع قبلي رعوي ، الراجح ان مردهم لقبيلة الحويطات ، ما يهمنا ان منبت جذورهم واصولهم مذ مئات السنين كان في بلدة عراد شمال شرق بئر السبع وبالاحرى في تل عراد التي يعتبرها البعض نقطة الفصل بين برية الخليل وبرية بئر السبع ، ومن هنا تنبع أهمية البعد الاستراتيجي للمنطقة - جدير بالملاحظة انه ضمن المخططات المستقبلية للحكومة الاسرائيلية ستقام مدينة كسيف على انقاض واطلال تل عراد - ،يذكر ان بعض الجهالين ما زال يملك وثائق عثمانية تثبت ملكيتهم للارض ... تاريخا اكثر ، ذكرهم لترسترام في كتابة "بلاد مؤاب" بحديثه انه اتفق مع شيخ الجهالين ان يتولوا خدمته وحراسته من واجهة البحر الميت الغربية حتى الكرك ...
من تل عراد تبدأ الحكاية ، تهجير تلو التهجير ، في عام 1948 طردوا بالقوة وقسرا من منطقتهم الاصلية - آنذاك بلغ تعدادهم حسب بعض الروايات 16000 نسمة - قسم فر للاردن ، واخرين أموا الركاب نحو الخان الأحمر ، وبعد هنيهة تحديدا عام 1967 هجر بعضهم لشرقي القدس ، لتتوالى النكبات والاستهداف والاستنزاف ففي عام 1997 هجر اخرين لشرقي ابو ديس وشمال وغرب القدس ...
وبنفس تجربة بادية النقب ، وبالحجج ذاتها ، تجاهد الدولة لإستئصالهم من شتى مناطق وجودهم ، ولم تسعف عرب الجهالين المحكمة العليا عندما لجأوا من جور السلطات اليها اذ أقرت اوامر الهدم في ديارهم بحجة البناء غير المرخص ، ولم تسلم حتى مدرسة الصفيح التي بنيت بجهود منظمة فينتو دي تيرا الايطالية غير الحكومية إذ اقرت المحكمة العليا هدمها ايضا ...
بداية الصراع وموأله كان عندما اعتبرت الاراضي التي يقيم عليها الجهالين اراضي دولة ، وبأن من يقوم عليها يشكلون خطرا امنيا على المنطقة ، ولعلمكم هذه المنطقة مصنفة ضمن مناطق c بما معناه سيطرة الحكومة الاسرائيلية على 60% منها ، فبيتت على قدر النوايا لترحيل مئات العائلات البدوية من عرب الجهالين ، الذين كانوا اصحاب الاراضي قبل ان تتمدد مستوطنة معاليه أدوميم لتقذفهم خارج دائرة المكان بل والزمان ايضا ، ومن مضاربهم المعتمدة على بيوت الشعر وبراكيات الصفيح بل والكهوف تسلب لبك تلك المباني الجديدة التي تحيط مضاربهم الوعرة التي تزدان رؤوسها بشبكة شوارع احتكرت للمستوطنين ...
فبدأ مشوار المعاناة ، تسلم إنذارات الهدم اليومية وهي انذارات ابرتهايدية بمعنى الكلمة تهدف للقضاء والتطهير العرقي ، ودثر وجود مجتمع بدوي رعوي كامل ... في رابعة النهار تم وضع الجهالين في وضع شاذ يكرس عزلتهم عن العالم الخارجي حتى غدو ممن يطلق عليهم - البدو المنسيون - هؤلاء الذين كانوا يوما حراس بوابة القدس الشرقية ، تم تمزيقهم بحملات هوجاء هادفة لتفتيت وتشتيت ما تبقى من كل ما هو اصلاني في هذه البلاد ، فعرب الجهالين البدو واجهوا وما زالوا سلسلة من الطرق الاستعمارية الجديدة من انتهاكات ومداهمات وتخريب وهدم وحصار وترويع وتضييق المراعي واستهداف الثروة الحيوانية وملاحقات في كل شيء لم يسلم من ذلك بشر ولا شجر ولا حجر ايضا ، كل ذلك لاجل ترحيلهم لأنشاء مشروع القدس الكبرى ، فكانت لهذه النوايا والتكتيكات الخبيثة اسقاطات وخيمة على هؤلاء المساكين ، التي اختيرت تجاههم بعناية فائقة سياسة تهدف لتهميشهم وابقاءهم كشراذم تقارع تحديات العصر ومعول الفقر ، مقابل مستوطنات جانبية ارغدت لها لذة العيش وسبل الحياة العصرية ، على مرآى من مضارب لم تأخذ بأسباب التحضر بعد بفعل فاعل ، فغدت محرومة حتى من اسم يشار اليها به ، تفتقر لأبسط عناصر الحياة الاساسية والانشطة الحضارية ، إفتقار جعلهم يغرقون بدرجة ما في حياة بدائية اقل ما يقال عنها متواضعة ...
لم يسعفهم ولحد ما ، الدعم الشحيح التي تقدمه على استحياء وكالات الامم المتحدة والمنظمات غير الحكومية ، وتجهد نفسها دائرة المساعدات الانسانية التابعة للمفوضية الاوربية في سيرورة توزيع المواد الغذائية عليهم ، وكذلك الامر بالنسبة لليونسكو والانروا واليونسف والهلال الاحمر وغيرهم مما لا يدع مجالا للشك والريبة انهم يعملون في مناطق منكوبة بإمتياز...
الامم المتحدة اتهمت الحكومة الاسرائيلية بالتهجير القسري للبدو لصالح توسيع المستوطنات ، وحذرت كذلك من مخاطر التهجير القسري لافتة الى تبعات سلبية تتضمن تدهور ظروفهم المعيشية وفقدان تواصلهم القبلي وتقويض نمط حياتهم ، وفي معرض هذا الحديث نشير الى ان القانون الدولي ينص على حظر الترحيل القسري للمدنيين بصرف النظر عن الدافع او الوسيلة والغاية ، كما يحظر التدمير المتعمد للممتلكات المدنية الخاصة ..
ما بين ماضي مرير ومستقبل مجهول ضجوا وضجروا عرب الجهالين من هذه الاوطار والارهاصات الهادفة لخلخلة كيانهم وتقويض وجودهم ، لتستمر معهم في ذات السياق معاناة كل الاصلانيين التي يود ديدن الاطماع الاستعماري ان يلتهم ارضهم وثرواتهم وتراثهم ...
ختاما نؤكد على ان عرب الجهالين جزءا لا ينفصم من عرب وبدو النقب ، ويشتركون معنا في تعزيز رواية الصمود البدوية في تثبيت الارض وحفظ التوازن الديموغرافي هنا ، ومن سقطات الزمن وسهوه ان ينسى بدو الجهالين ولا يولون بأي بال ومبالاه ، هؤلاء الذين لم ينضب عطاءهم للوطن ابدا ، بثباتهم وصمودهم المشرف ... ننوه ختاما شاكرين الى جهود دوف حنين النائب في الكنيست والتي أدت الى تجميد ولو مؤقتا قرار نقل عرب الجهالين بالقرب من مكب النفايات الصناعي جوار ابو ديس!!

1