أحدث الأخبار
السبت 22 أيلول/سبتمبر 2018
أسرى النقب المحررون بين انتقام السلطات وإهمال المجتمع!!
بقلم : رأفت أبو عايش ... 15.02.2018

يعاني الأسرى المحررون في منطقة النقب، جنوبي البلاد، من أوضاع اقتصادية سيئة، في حين تلاحقهم السلطات ويتنكر لهم المجتمع.ولم يحظ الأسرى المحررون بالنقب بأي وقفة جدية، بعد أن دفعوا أثمانا باهظة.
وقال أحد الأسرى المحررين إن "مجموعة من المسؤولين وحملة الملفات في السلطة الفلسطينية بينهم محمد المدني، اجتمعوا مع ما يقارب 26 أسيرا نقباويا محررا في العام 2014 في قرية صواوين غير المعترف بها، بهدف التعارف بين أسرى النقب الأمنيين والتعرف على قضاياهم ومعاناتهم".
وأكد أن "وزارة الأسرى الفلسطينية تعتمد على معطيات مصلحة السجون وتصنيفها للأسرى كمرجع والتي غالبا ما تصنف أسرى النقب على أنهم أسرى جنائيين وذلك للحيلولة دون التواصل بين الأسرى، الأمر الذي دفع العديد من أسرى النقب للتخلي عن استحقاقاتهم المالية، وذلك لعدم التعرض للبيروقراطية المرتبطة بتحصيلها. وطرح أيضا عدم وجود عنوان جدي يهتم بشؤونهم، واستثناء روابط الأسرى في الضفة الغربية وأراضي 48 لهم في العديد من المناسبات، بعد سنوات من اتخاذ قرارات لم ينفذ معظمها".
وقال الأسير المحرر، ناصر أبو هدوبة، لـ"عرب 48" إن "الأعوام العشرة التي قضيتها داخل السجن لم تسلب مني الابتسامة. لا يمكن الحديث عن قضية أسرى النقب دون المرور بأسماء مثل سلامة البطيحات وجبر أبو هدوبة ممن عاشوا تجربة الأسر قبلنا"، يتوقف قليلا عن الحديث ثم يُكمل أن "أهم مشكلة يواجهها الأسرى المحررون، حسب رأيي، عدم وجود رابطة أو هيئة تمثلهم وترعى حقوقهم". ويواصل أبو هدوبة حديثه وتعلو صوته نبرة من المرارة، قائلا إن "العديد ممن يحسبون على الخط الوطني وأصحاب المناصب بالضفة الغربية وأراضي 48 تنكروا لنا، والقلة ساندتنا حين غاب الآخرون".
بدت نظرة فخر على وجه أبو هدوبة حين بدأ حديثه عن تاريخ النقب النضالي، "التاريخ كتب للنقب حضورا وطنيا على الكثير من الجبهات رغم كل ما مورس عليه من قبل السلطة وخلال الحكم العسكري الذي كان مشروعا لمحو الهوية الوطنية عن النقب وزرع الخوف في النفوس من فكرة مقارعة السلطة، لكن رغم حالة الانعزال الجبرية، دائما ما كانت الفطرة العربية لدى أبائنا تقول إن „البدلة سيئة“ وهويتنا واضحة. العديد من الأحداث الوطنية كانت مهمة لصياغة الوعي العربي في النقب منها استشهاد أبو عمار واجتياح مخيم جنين والعدوان على غزة".
وعن حيثيات تجربته الشخصية قال المحرر أبو هدوبة إنه "في العام 2004 تم اعتقالنا وفرض الحكم علينا بأحكام طويلة لعشرات السنوات. أذكر أنه عند اعتقالي والحكم علي تم اعتقال 15 عربيا من النقب والحكم عليهم بأحكام مشابهة. حاولت مصلحة السجون بشكل مستمر التخفيف من التقائنا مع الأسرى الأمنيين عبر دمجنا مع الجنائيين، لكن دون أعطائنا أي حق من حقوق الجنائيين. منعونا من الزيارة والحديث عبر الهاتف والقراءة وحرمونا أحيانا الخروج إلى الساحة. وحين اعتراضنا على هذا الوضع تم عزلنا معا وفتح لنا قسم وحدنا، كان الوضع سيئا ومكتظا جداً"
وختم أبو هدوبة بالقول إنه "على الأسرى المحررين في النقب تشكيل هيئة تمثلهم وترعاهم، ونحن نطمح لتلقي اهتمام أكبر من المؤسسات المسؤولة. علينا تترتب مسؤولية لعب دور تثقيفي وتوعوي أكبر في مجتمعنا، وعلى مجتمعنا معرفة أن هناك من أبنائه من قدّم التضحيات وهم ليسوا قلائل".
ونال الأسير سامح أبو قويدر (27 عاما) من قرية الزرنوق، مسلوبة الاعتراف في النقب، حريته في تاريخ 31.12.2017، يجلس إلى جانبي، تعريفه الأول عن نفسه أنه شقيق 30 شقيقا هم الأهم لديه، مسلحا بابتسامة طيبة. رفع أبو قويدر هامته، نظر إلى الأعلى تأثرا وحسب قوله اشتياقا حين بدأ حديثه عن أخيه الأكبر، الأسير محمود أبو قويدر، وقال لـ"عرب 48" إنه "فُرض علي السجن الفعلي 5 أعوام في تاريخ 1.1.2013 أما أخي محمود ففرض عليه في نفس الملف الحبس 11 عاما في أعقاب العدوان على غزة بالعام 2012".
وأضاف أن "قصتنا بدأت بعد هدم منزل أخي الأكبر في قريتنا الزرنوق، اعترضنا على الهدم ولم نقبله لأننا رأيناه تصرفا يمس حقوقنا الأساسية ما فتح أعين المخابرات الإسرائيلية علينا وعلى عائلتنا ولاحقتنا، واعتمدت أسلوب الاستدعاءات المستمرة وحملات التفتيش لمنزل العائلة بشكل دوري ويومي قبل اعتقالنا، وازدادت الملاحقة بعد اعتقال أخي محمود حتى اعتقالي من مكان عملي بعده بعشرة أيام".
وأشار أبو قويدر إلى أنه "جرى اقتيادنا معصوبي العينين ومقيدين بالكامل إلى سجن عسقلان، سجنونا منفردين في زنزانة مساحتها نحو مترين، كانت الزنزانة غريبة، حيطانها مدهونة بمادة خشنة تمنعك من لمسها أو الاستناد عليها، غطى الظلام والشتاء على فترة الاعتقال، قضيتها في تحقيق مستمر 8 أيام بتهم حيازة السلاح، صناعة السلاح، التحريض، التخطيط لعمليات، إخفاء الأدلة وغيرها. في إحدى المرات دخل علي 22 محققا ولم أكترث بالتحقيق بل كنت منهمكا بعدّهم. قال البعض منهم „علينا أن نذبحك“ و“أنت مخرب“ و“أنت خائن“ فيما قال آخرون „نحن آسفون أنت مواطن جيد“ وأ“نت ابننا“. لم يستطع المحقون انتزاع أي اعتراف مني، والحمد لله، لكن كان الدور الأكبر لـ“العصافير“ عند نقلنا للزنازين الجماعية".
وأكد أن "الأصعب من كل المعاناة هو البعد عن الأهل، الغياب، المنع من الزيارات والانقطاع لفترات طويلة من سماع صوت الأهل. نحن مجتمع مترابط جدا، أخوتي تزوجوا وأنجبوا الأبناء وأنا في الأسر، فاتني العديد من المناسبات العائلية وتوفي لي أقرباء منهم زوج عمتي وابنه وكنت مقربا جدا منهما، كان موقفا صعبا".
بدأت يدا سامح أبو قويدر بالارتعاش قليلا، ممسكا كأس قهوته، وحدثنا عن الموقف الأصعب، "جرى عزلي عن أخي الكبير محمود، هو في سجن وأنا في آخر دائما، لكن خلال نقلنا للمحكمة العليا جمعنا معا في حافلة السجناء، كان ذلك لم شمل لنا وشعرنا بالفرح لأول مرة منذ اعتقالنا، تحدثنا مطولا وأثر اللقاء فينا. وعند نزولنا من الحافلة اتفقنا أننا سنجلس بجانب بعض البعض، خرجنا إلى المحكمة وعند انتهاء الاستئناف تم تفريقنا، صرخت „شد حيلك أخوي، إن شاء الله بشوفك قريب، شد همتك أنا معك، كانت دموعي في عيني. لم أر أخي محمود حتى انتهاء محكوميته وما زال أمامه 6 سنوات في الأسر".
الأسرى الأمنيين وأسرى النقب في السجون، قال أبو قويدر، إن "مراحل الأسر تختلف بدرجات معينة فعند لقاء الأسرى الآخرين تشعر بالوطن والأهل كأنهم معك. كان التعامل متساويا بين الأسرى بشكل رائع، بالإضافة إلى حضورهم الذي يرفع معنوياتك ويعطيك دفعة للتحمل والمضي قدما ومعرفتك أن هناك المزيد من أبناء النقب ممن قدموا للوطن، كذلك فإن بقية الأسرى الفلسطينيين أضافوا لنا ثقافة وفكرا وكرامة!!

المصدر : عرب48
1