أحدث الأخبار
الأربعاء 19 أيلول/سبتمبر 2018
أبو عزيز صياح الطوري… ملحمة مناضل فلسطيني يواجه الجرافة الإسرائيلية بإرادة من حديد!!
بقلم :  وديع العواودة ... 01.09.2018

هدموا قريته «العراقيب» 132 مرة ويواجه 40 تهمة قضائية وينتظر الزّج في السجن خلال أيام
العراقيب قرية فلسطينية في النقب داخل أراضي 48 هدمتها إسرائيل 132 مرة، لكنها تبعث من الرمل والرماد من جديد كطائر الفينيق بفضل ابنها وعميدها ورمزها أبو عزيز صياح الطوري (70 عاما). ملحمة حقيقية عنوانها الشيخ والصبر والصدق والصمود. قبل أيام فرضت محكمة إسرائيلية على الشيخ أبو عزيز السجن الفعلي مجددا. وسيدخل بعد أسبوعين خلف القضبان عشرة شهور لإدانته بـ « الغزو والاستيلاء على أراضي دولة « لمجرد أنه مصمم على التمسك بحقه وعائلته بأرض ورثها وإخوته عن أجداده بمساحة 1250 دونما. ويواجه أبو عزيز 40 تهمة قضائية، 19 تهمة منها متعلقة بـ»الاعتداء على أراضي الدولة»، و19 تهمة متعلقة بـ «اقتحام أرض عامة خلافا للقانون الإسرائيلي»، بالإضافة إلى تهمة واحدة متعلقة بـ»خرق أمر قضائي». والمفارقة أن قضية ملكية الأرض عالقة في أروقة المحكمة العليا الإسرائيلية منذ 1998 ولم يبت بها رغم حيازته كواشين الأرض وشهادات على فلاحتها من قبل نشوء إسرائيل. ولم يتمكن أبو عزيز من فلاحة الأرض كما يجب منذ 2010 لأن السلطات الإسرائيلية تواظب على رش مزروعاته بالمبيدات من الجو وحرثها من أجل إتلافها.
أسرار الصمود
في حديث لـ «القدس العربي « أمس يوضح أبو عزيز بلغة المؤمن الواثق بذاته وبحقه وبصبر الصحراء أنه لا يثق بالمحاكم الإسرائيلية لأنها تضع السياسة فوق القانون، ولأنها لا تنصفه رغم أن حقه واضح وصريح. صياح مديغم الطوري أبو عزيز شيخ فلسطيني في الثانية والسبعين من عمره لا يملك دبابة أو صواريخ مضادة للدروع، لكن إرادته الحديدية تعينه على قيادة عشيرته في معركة البقاء على أرضهم في قرية العراقيب رغم محاولات السلطات الإسرائيلية الاستفراد بهم وهدمها 132 مرة.
في 2010 تحدثت « القدس العربي « إلى الشيخ أبو عزيز الطوري بعد هدم العراقيب للمرة الخامسة فقال وقتها إنه باق فيها حتى لو هدموها 50 مرة. ولاحقا التقيناه فكان يؤكد ثباته بالقول «أنا باق في أرضي حتى لو هدموها 100 مرة وهاهي السلطات الإسرائيلية قد هدمتها قبل أيام للمرة 132 مرة. من أين يستمد كل هذه القوة والصبر والعزيمة على المقارعة والصمود والصبر ؟ عن ذلك قال أبو عزيز بلهجته القاطعة الواثقة « أولا أنا متكل على الله وغير الله لا أحد يمدنا بأي حاجة. ثانيا أنا مؤمن بحقي على أرض الله الواسعة فقد عاش فيها أجدادي وإخواني الله يرحمهم واليوم أكمل المشوار مع أولادي وأحفادي، نستمد القوة من إيماننا بالحق فنحن لسنا غزاة ولا طامعين بأرض الغير ونحن فيها قبل أن تخلق إسرائيل». ويستذكر أبو عزيز أنه عندما شرعوا في هدم العراقيب في 2010 قد عاهد الله وأهله وشعبه بأن لا يرحل وهو على قيد الحياة حتى لو هدموها 99 مرة. ويضيف « هذا الحكم بالسجن الفعلي الذي فرضته إسرائيل علي هو قرار سياسي لا حكما قضائيا ولو كانت دولة ديمقراطية فعلا لخجلت من ذاتها وهي تمعن في ملاحقتنا بالتنكيل والضغوط بغية طردنا وتهجيرنا وسلب أرضنا وهويتنا. واليوم هدموها 132 مرة وما زلنا باقين وعلى الأرض وأشكر كل من سادنا ويؤازرنا».
وردا على سؤال تردد أبو عزيز في الإجابة واختار انتقاء كلمته بحذر مسجلا عتابا على القيادات السياسية لفلسطينيي الداخل بالقول « القيادات السياسية والحزبية في الداخل يتجاهلون العراقيب في الفترة الأخيرة عدا ذاك الرجل المحتجز الشيخ رائد صلاح. لا أقول لست راضيا لكنني أقول إن القيادات العربية تجاهلت العراقيب وملوا على ما يبدو من صمودها أو أنهم غير معتزين بصمودها». وردا على سؤال آخر قال أبو عزيز إن أوساطا يسارية يهودية غير صهيونية تزوره وتؤازره أكثر من سواهم، طالبا توجيه التحية لمواقفهم وجهدهم وصمودهم معه». كما تردد بالرد على سؤال إضافي فقال إن الأحزاب والقيادات العربية لا تقدم مساعدة فعلية مادية لتثبيت أهالي النقب في أرضهم. وتابع «مع ذلك أقول وقفة واحدة منهم تعتبر بالنسبة لنا مالا كبيرا ومشاركة النواب والقيادات في معركتنا تعتبر ملايين «.
وعن مجمل مسيرته يقول الشيخ الفلسطيني المناضل « لم تتح لي الفرصة للتعلم في مدرسة لكنني أدرك تماما أن الأرض هي أمنا وهويتنا ومن أجلها ترخص الروح». أبو عزيز مزارع ويعتبر قاضيا عشائريا مرموقا يعمل على فض الخلافات بين الناس مجانا يكرّم ضيوفه المتضامنين بالبن البدوي الصحراوي الأصيل وبرواية سيرة بني هلال بتفصيل مشّوق وذاكرة متقدة .
التقينا الشيخ أبو عزيز داخل تخشيبة مجاورة لمقبرة قرية العراقيب تستخدم عادة بيتا للعزاء أقام فيها ريثما تنتهي عملية إعادة بناء ما هدمته الجرافات الإسرائيلية. ويدعو الشيخ الطوري المصور لنشر صور الأحياء يقيمون بجوار مقبرة نتيجة ممارسات إسرائيل ويتابع بما يشبه النكتة المرّة» الحمد لله ..هنا يكفل الأموات الأحياء ويساعدونهم على البقاء وهذه المقبرة المبنية منذ زمن طويل تحتضن رفات أجدادنا منذ العهد العثماني». يشار إلى أن عشيرة الطوري تقيم في فلسطين، الأردن، السعودية وفي مصر (منطقة سانتا كاترين وذهب) ويحافظ أبناؤها على علاقة الصداقة والنسب حتى اليوم وهم يشكلون ثلث سكان مدينة رهط. يراهن أبو عزيز على المسار الشعبي والصمود على أرضه لإفشال مخططات ترحيل وتهجير العراقيب بموازاة ادعائه القضائي لإثبات ملكيته على الأرض استنادا لكواشين وقرائن متنوعة. ويتابع بلهجة واثقة « لا أعول كثيرا على المسار القضائي لأننا فاقدون الثقة بالعدل وهذه الدولة حتى لو لم تحكم بالعدل لدينا أمل بالله بأن ينسفها على من فيها».
مصدر التسمية
ويوضح أن القرية الممتدة على مساحة 1050 دونما سميت بـ «العراقيب» لوجه الشبه بين جغرافيتها وبين ساق الجمل من الخلف، وفي رأي آخر يقال إن التسمية تعني التل. خلف كانون فيه كومة جمرات يحتضن أواني القهوة العربية التقليدية يستذكر أبو عزمي أن إسرائيل شنت حملتها الأولى على العراقيب وهو طفل في السابعة حينما طالبت أهلها بالنزوح عنها عام 1953 لكنهم شددوا حملاتهم علينا بعد 1967. ويؤكد أن بحوزته أكثر من دليل على ملكيته الأرض منها الكواشين وعقود ابتياع قسيمتين من قبيلة العقبي عام 1929(100 دونم). ويشدد أبو عزمي رفضه مساومته على أرضه بتعويضه ماليا أو تبديلها بأرض في مكان آخر. ويتابع» لن أرحل ولو عرضوا علي عشرة دونمات على كل دونم فهي ليست منطقة عسكرية وغير مخصصة للصالح العام وأنا أحق بها فكيف أترك أرضي وأقيم في أرض الغريب؟».
وللتدليل على تشبثه وأقاربه بقريته بكل ثمن توجه لأحفاده الصغار المتحّلقين من حوله سعيد، محمد وربيع فأجابوا على سؤال بالتأكيد القاطع أنهم يرفضون الانتقال لمدينة رهط وغيرها، فيردف حازما: «والله لو فرشوها ذهبا ما سكنت في المدينة».وبغية التوضيح وتعقيبا على من يدعوه لعدم «مناطحة الحيطان» ويأخذون عليه «عناده» ودعوته للامتناع عن مجابهة دولة يشير أبو عزمي بلهجة واثقة غاضبة أنه لم يشن حربا على إسرائيل وأن العراقيب أقدم منها، ولم تحل ضيفا على أحد. ويتابع» هؤلاء الذين يتخذون قرارا بهدم منازل على رؤوس أهلها بالقيظ والقرّ هم مرضى وغير أسوياء وربما مصابون بداء الكلب».
ويشير إلى أن عملية الهدم الأشد إيلاما كانت في المرة الأولى، وينوه أنه لم يتوقع أن تقدم السلطات الإسرائيلية على هدم قرية بكاملها يعيش فيها المئات قبل أن تولد الصهيونية بقرون. وهل بكيت أمام مشاهد المنازل والكروم التي تحولت لركام سألنا الشيخ الطوري فنفى معللا « لم يبق شيء نبكي عليه وطالما بقيت الأرض ونحن عليها فلن نبكي على بيت هدم. صحيح أننا كابدنا الحر والمتاعب لكننا لم نغادر ولو لساعة واحدة وحتى كلابنا لم تهجر المكان». يلتقط أبو عزيز راديو ترانزيستور ويقول إنه كلما سمع نشرات الأخبار في محطات عالمية يتضامن مع كل إنسان يتعرض للظلم لأنني أعرف طعم العذاب والقهر».
تطهير عرقي
الشيخ صياح لا يدع مجالا للشك باحتمالات انتصاره في حرب الاستنزاف وهو يدعو الأحزاب والجمعيات العربية لمساندته بالتوجه للأمم المتحدة والمحافل الدولية لفضح انتهاكات إسرائيل.
ويتساءل «هل سمعتم عن حكومة في العالم تشن حربا على مواطنيها؟ نساؤنا وأطفالنا يرتمون على الرمال في أجواء حارة فأين ضمائركم؟ تعالوا وشاهدوا بأمهات عيونكم ..كفاية لهذا الظلم المتواصل منذ 62 عاما…ماذا فعلنا لكم .. إسرائيل تبالغ في اتهاماتها لنا» .
وفي النقب الذي تمتد مساحته على ثلثي مساحة فلسطين الانتدابية يقيم اليوم نحو 190 ألف مواطن من البدو يعيشون في سبعة مجمعات سكنية كبيرة، وفي 45 قرية لا تعترف إسرائيل بها وتحرمها من خدمات الماء والدواء بذريعة أنها غير مرخصة. ويؤكد أنه حتى مراقبون إسرائيليون كالمحاضر الجامعي المتنور البروفيسور غادي الغازي فإن النقب يشهد مشروع تطهير عرقي إسرائيليا. وعن الشيخ الصامد يقول الغازي الذي يقول إن أبو عزيز هو من يعمل على إحياء الصحارى وليس دافيد بن غوريون رغم شح الموارد.

المصدر : القدس العربي
1