أحدث الأخبار
الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2020
في النقب حيث لا تعليم عن قرب ولا عن بعد!!
بقلم : ميساء منصور  ... 05.07.2020

**كتبت هذه المقالة في إطار "ورشة المقالة الصحافية" التي نظمها موقع "عرب 48" بالتعاون مع جمعية الثقافة العربية، مؤخرًا، وقدّمها أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت، صالح مشارقة.
تعتبر القرى العربيّة منزوعة الاعتراف في النقب الأكثر تعرضًا للعنصريّة والتهميش في جهاز التربيّة والتّعليم في إسرائيل. فثمّة أكثر من 40 قرية عربيّة في صحراء النقب غير معترفٍ بها من السلطات الإسرائيلية، وعدم الاعتراف بها يجر مشاكل كثيرة في منظومة التربيّة والتّعليم.
بشكلٍ عام وبحكم عملي في مدرسةٍ في بلدة غير معترفٍ بها، منذ سنواتٍ خمس، فقد كنت شاهدةً على نقص أبسط الحاجات الأساسيّة. فبناء المدرسة هو عبارة عن بناء متنقّل (كرفان)، ومنذ سنتين فقط جرى تزويد الصفوف بمكيّفات رغم الحر الشديد في الصّيف والبرودة الشّديدة في الشّتاء، وثمّة آلة طباعة واحدة وإنترنت موصول فقط بغرفة الإدارة والسكرتاريّة، وجرى توفير حواسيب لغرفة الحاسوب من خلال متبرعين وميزانيات من برامج ليست تابعة للوزارة. الساحات في المدرسة ليست معبّدة ولا تملك المدارس ملعبًا ولو صغيرًا لكرة القدم وللرياضة، كما عدد الطّلاب المتسربين من الدراسة عالٍ جدًا، بحسب مركز "عدالة".
ومن الصّعب الإلمام بالعمليّة التّعليميّة في القرى غير المعترف بها من دون التّطرق إلى وضع الثقافة المحيطة بالمدرسة، فمعظم الأهالي في هذه القرى لم يكملوا تعليمهم المدرسيّ، والبعض لم يدخل المدرسة أساسًا، مما يعني أن جيلًا كاملًا لا يجيد القراءة والكتابة، ما يصعّب من مهمة التّواصل الهاتفيّ مع الأهل، وما يعني أيضًا صعوبة في إيصال فكرة أهميّة التّعليم وحضور الطّلاب إلى المدرسة.
إنّ صعوبة العمليّة التّعليميّة في الأيام العادية انعكست بصعوبة أكبر في أيام أزمة كورونا. بعد قرار إغلاق المدارس انتقل التّعليم الّذي بالكاد كان يستوفي الشّروط الأساسيّة في الأيام العاديّة، إلى تعليمٍ أكثر صعوبة في التّعلّم عن بُعد. وبحسب مركز "عدالة"، فإنّ عدد الطّلاب في القرى غير المعترف بها يبلغ 25 ألفًا، هذا العدد الكبير من الطّلاب بقي خلال فترة أزمة كورونا بعيدًا عن سير العمليّة التّعليميّة، ورغم توجّه مركز "عدالة" بعدّة طلبات من أجل إيصال شبكة الإنترنت الى هذه القرى، إلّا أنه لم يتمكّن من الحصول على إجابات واضحة من الحكومة لحل المشكلة. وقد أشار مركز "عدالة" إلى أن 11 مدرسة تم الاعتراف بها في السّنوات العشر الأخيرة، لكن لم يتم إيصالها بالكهرباء حتى اليوم رغم التوجهات الكثيرة من المسؤولين في النقب، ما يعني عدم وجود شبكة إنترنت في هذه المدارس.
وقد واجهنا صعوبةً حقيقيّة كمعلّمين ومعلّمات في التّواصل مع الطّلاب خلال فترة الحجر المنزلي، فقد بدأت المحاولات في إرسال المواد التّعليميّة عبر موقع المدرسة كما في بقيّة المدارس، إلّا أننا واجهنا صعوبةً في توجيه الأهل لتحميل المواد من الموقع، وعدم توفّر أجهزة تساعدهم في الدّخول إلى الموقع بسهولة. وفيما كانت مؤسسات الدولة كاملة تعتمد على برنامج "زووم" ومواقع المدارس للتواصل مع الطّلاب، كنا في القرى غير المعترف بها نجمع أرقام هواتف الأهالي من هنا وهناك من أجل التواصل القليل مع الطّلاب عبر تطبيق "واتساب". وعلى الرغم من محاولاتنا الحثيثة للتواصل مع كافّة طلّاب المدرسة، إلّا أننا لم نفلح إلّا في التواصل مع عددٍ محدودٍ جدًا من الطّلاب لإدراك أهاليهم أهميّة استمرار العملية التّعليميّة.
وبعد شهرين كاملين من اتبّاع التّعلّم عن بعد، قرّرت وزارة التّربيّة إرجاع الطّلاب إلى مقاعد الدّراسة لعلّ العودة تنجح في سدّ الثّغرات الّتي تركها التّعلّم عن بعد. كانت المفاجأة الحقيقيّة بأن الطّلاب في القرى غير المعترف بها رفضوا العودة إلى مقاعد الدراسة. فرغم انتظام العمليّة التّعليميّة في المجتمع اليهوديّ بنسبة 90% من الطلاب، وفي المجتمع العربيّ في الشّمال والمركز بنسبة 80% بحسب الإحصائيات الأخيرة، فإنّ مدارس الجنوب يشكّل فيها الحضور نسبةً قليلةً جدًا، وفي القرى غير المعترف بها لم تتم العودة لمقاعد الدّراسة حتى كتابة هذه السطور، فما الّذي سيحدث لـ25 ألف طالب من الطّلاب الّذين لم يعودوا حتى الآن إلى مقاعد الدراسة، ولم تنتظم دراستهم خلال فترة التّعلّم عن بعد بسبب عدم توفر شبكة كهرباء وإنترنت؟ هذا سؤال كبير يجب أن يعمل الجميع لوضع الحلول له، لكي نقول أن التعليم عن بعد أو عن قرب ينجح في القرى غير المعترف بها.
* الكاتبة مُدرسة لغة عربيّة وطالبة ماجستير لغة عربيّة ودراسات إسلاميّة في جامعة تل أبيب.

***المصدر : عرب48
1