أحدث الأخبار
الاثنين 04 تموز/يوليو 2022
راس جرابة.. صراع وجود مع "ديمونا"!!
بقلم :  قاسم بكري ... 23.05.2022

يخوض التسعيني فريج الهواشلة من قرية راس جرابة مسلوبة الاعتراف في منطقة النقب، جنوبي البلاد، والمهددة وسكانها بالإخلاء والتشريد ومصادرة أراضيها لصالح توسيع مدينة مستوطنة ديمونا وإقامة حي سكني جديد على أنقاض القرية، معركة وجودية رفضا لاقتلاع القرية، وتهجير وتشريد سكانها البالع عددهم 550 نسمة.
وتجند جميع سكان القرية الذين ينتمون لعائلات الهواشلة، وأبو صلب، والنصاصرة، إلى معركة الحفاظ على الذات والوجود، إذ يُعدُّ الشيخ الهواشلة رأس الحربة ويعزز من معنويات وصمود السكان، رافضا أي مقترحات لا تفضي إلى الاعتراف بالقرية والإبقاء على السكان في آخر ما تبقى لهم من أرض، علما أن مساحة القرية كانت تمتد على عشرات آلاف الدونمات، إضافة إلى عشرات آلاف الدونمات لعائلات وعشائر أخرى هُجّرت من المنطقة إبّان النكبة عام 1948.
وإلى جانب ما يجسده الشيخ الهواشلة ومعركة الصمود الشعبية، يترافع المركز الحقوقي "عدالة" عن سكان القرية في 10 دعاوى إخلاء متشابهة قدمتها ما تسمى "سلطة أراضي إسرائيل" ضدهم عام 2019، إذ زعمت سلطة الأراضي في الدعاوى أن أهالي رأس جرابة يقيمون على أرض قريتهم بشكلٍ غير قانوني ويجب اعتبارهم "متسللين" أو "غزاة" كون الأرض سجلت باسم دولة إسرائيل.
وفي ظل الموقف المبدئي لأهالي القرية الرافض لمخطط التهجير والتشريد وإصرارهم على الصمود والبقاء، والتجذر في آخر ما تبقى لهم من أراض، استمعت محكمة الصلح في بئر السبع، يومي الأحد والإثنين، لشهادات إزاء دعاوى الإخلاء المقدمة من قبل سلطة الأراضي ضد الأهالي.
تسلسل أحداث النكبة.. صمود راس جرابة
ويعود الشيخ الهواشلة، البالغ من العمر 88 عاما، متزوج وأب لـ22 ابنا، وهو من مواليد قرية راس جرابة في حديثه لـ"عرب 48" إلى تسلسل أحداث النكبة، إذ كان عمره 14 عاما، مستذكرا أن "الكثير من أبناء العشائر في المنطقة فروا ونزحوا عن أراضيهم خوفا من الحرب ودخول الجيبات العسكرية اليهودية إلى المنطقة التي تواجدت بها استحكامات للانتداب البريطاني".
بقي الهواشلة في المنطقة على الرغم من هول النكبة، وصمد مع عائلته وفلح الأرض وعمل في تربية ورعاية المواشي، إذ كانت مسطحات الأراضي تتبع لقبيلة الهواشلة وعرفت باسم "الشعيرية" أو "مركبة الهواشلة"، وامتدت على مساحة عشرات آلاف الدونمات في منطقة كرنب المتاخمة لمقر شرطة الانتداب البريطاني وإلى منطقة "أم دمنى"، وهي منطقة فيها بئر ماء معروفة وعليها أقيمت البيوت الأولى من بلدة ديمونا اليهودية.
واستذكر المسن مشاهد التشريد الأولى التي كانت خلال النكبة، إذ "نزح الكثير من العائلات وأبناء العشائر والقرى المجاورة إلى منطقة القدس والضفة الغربية ومنهم إلى الأردن، وبقي في المكان 10 عائلات حصلت على تعهد خطي من الحاكم العسكري الإسرائيلي بعدم التعرض لها والاعتراف بحقها ومليكتها للأراضي في المنطقة".
4 كرافانات وضعت حجر الأساس لديمونا
ويعود الشيخ الهواشلة إلى تسلسل الأحداث التي أسست لإقامة ديمونا، مشيرا إلى أنه "بعد النكبة بأشهر قليلة تم إحضار 4 كرافات ووضعت فوق أراضي عشيرة الهواشلة وسكنها 20 نفرا من اليهود، حيث كنا نساعدهم بحكم الجيرة الحسنة في توفير الماء من بئر القرية الذي كان بملكيتنا، كما أنهم كانوا يشترون منا الحليب والسكر والحبوب، ولم نتخيل في أسوأ الكوابيس أنهم يخططون لتهجير وتشريد العرب من المنطقة".
توقف النزوح القسري عن راس جرابة، ومن بقي في المكان، ويقول الشيخ الهواشلة إنه "واصلنا الحياة وزراعة الأرض وتربية المواشي، لكن مع مرور الوقت نواجه تضييقا متدرجا، إذ قلصت مساحات الأراضي التي سمح لنا باستخدامها ودخولها، مقابل توغل وتوسع ديمونا على عشرات آلاف الدونمات بملكية عشيرة الهواشلة".
وأوضح أن "مخططات التهجير والتشريد للقرية أسوة بباقي سكان القرى مسلوبة الاعتراف تواصلت من قبل مختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بحجة تطوير النقب، لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية تشن حربا على الوجود العربي في النقب وتهدد بهدم التجمعات السكنية البدوية مسلوبة الاعتراف، وسلب أراضيها المقدر مساحتها بحوالي مليون دونم، وإرغام سكانها على الانتقال قسرا لبلدات ثابتة".
الحكومة الإسرائيلية الحالية صعدّت بالهدم والتشريد
ويرفض الشيخ الهواشلة أسوة بجميع سكان قريته أي مقترحات لا تفضي للاعتراف بقرية راس جرابة، قائلا إن "الحكومة الحالية صعدّت بالهدم والتشريد وحرث المحاصيل الزراعية ومنع رعاية المواشي، فهذه الإجراءات والممارسات لن تفيدهم ولن تنال من عزيمتنا. سنبقى متجذرون في قريتنا، ونفضّل أن نموت وندفن بتراب آخر ما تبقى لنا من أراض، على أن يتم تهجيرنا وتشريدنا لمناطق أخرى".
ومع العودة إلى مخطط توسيع ديمونا ودعاوى الإخلاء، يقول الشيخ الهواشلة إنه أكبر من عمر إسرائيل، "راس جرابة موجودة قبل ديمونا، ونحن أصحاب حق ونرفض مخطط التهجير والاقتلاع من أرضنا. يكفي ما تم مصادرته والتضييق علينا لدفعنا إلى الهجرة القسرية، فمنذ عقود نواجه ممارسات التطهير العرقي ومصادرة الأراضي، ومنعنا من الزراعة وتربية المواشي والإبل، ويتم التضييق علينا لإجبارنا على مغادرة أراضينا وحرماننا أبسط الخدمات الإنسانية والحياتية".
وشدد على أن سكان القرية لا يوجد لديهم أي نية للرحيل عن آخر ما تبقى لهم من أراض والانتقال إلى مكان آخر، حتى لو كانت قصورا مشيدة في تل أبيب، قائلا إنه "لن نخرج من قريتنا حتى ولو أطلقوا الرصاص على صدورنا العارية. نحن ندافع عن وجودنا، وسلبهم لأراضينا ومخطط التهجير والتشريد ما هو إلا إهانة لكرامتنا ودفن لوجودنا، ولن نقبل بذلك. أراضينا صودرت بغالبيتها إبان النكبة، واليوم يريدون اقتلاعنا وتهجيرنا ومصادرة آخر ما تبقى لنا منها".
خطر التهجير والتشريد الفوري.. راس جرابة كنموذج
تعكس معاناة راس جرابة الواقع الذي تواجهه العديد من القرى مسلوبة الاعتراف التي تخوض معركة وجودية وصراع على الأرض مع المؤسسة الإسرائيلية التي تخطط لإقامة مزارع فردية ومستوطنات زراعية وبلدت يهودية فوق الأراضي العربية في النقب، إذ تواجه العديد من القرى العربية خطر التهجير والتشريد الفوري، بحسب ما سرد مركز فرع "عدالة" في النقب، المحامي مروان أبو فريح.
وأوضح أبو فريح لـ"عرب 48" أن "راس جرابة تواجه خطر التهجير الفوري، شأنها كما واقع العديد من القرى مسلوبة الاعتراف التي تواجه مخططات متقدمة من التهجير والتشريد من قبل السلطات الإسرائيلية تحت ذرائع واهية ومختلفة تتمحور بالأساس حول نظرية تجميع أكبر عدد من السكان العرب على أقل بقعة من الأرض، مقابل توزيع أقل عدد ممكن من اليهود على أكبر مساحة من الأراضي".
وأشار إلى أن "السلطات الإسرائيلية عملت على مدار سنوات على تهجير إستراتيجي لسكان القرى مسلوبة الاعتراف"، لافتا إلى أن "راس جرابة التي عزلت عن أي تواصل جغرافي مع البلدات العربية، يتم التفرد بها بهذه المرحلة لتهجير سكانها وإحلال اليهود في أراضيهم بذريعة بناء حي سكني جديد في ديمونا".
واستذكر العراقيب وأم الحيران التي يتم التفرد بهما لتهجير السكان ووضع اليد على أراضيهم، ونقلهم للسكن في البلدات الثابتة وفي القرى التي تم الاعتراف بها، إذ يقول أبو فريح إن "الاعتراف بقي مجرد حبر على ورق، والقرى أشبه بمخيمات للاجئين التي تنعدم بها أدنى مقومات الحياة وبلا خدمات".
حلول أحادية الجانب تفرض على العرب بالنقب
وحذر أبو فريح من "نهج المؤسسة الإسرائيلية باعتماد حلول أحادية الجانب تفرض على السكان محورها تهجير وتشريد وسلب للأراضي"، مشيرا إلى أن "النقب يخوض معركة وجودية تتفاعل في العديد من القرى التي تواجه مشاريع عسكرة النقب وإقامة معسكرات ومخازن للأسلحة، ومخططات التهويد والاستيطان وإقامة المستوطنات والمزارع الفردية على حساب الوجود العربي وأصحاب الأرض الأصلانيين".
ولعل أبرز هذه المعارك الوجودية والمصيرية، يقول أبو فريح "ما يحدث، في هذه المرحلة، في راس جرابة التي تتعرض وسكانها لهجمة شرسة ومخطط تهجير وتشريد بهدف توسيع يدمونا، وهو ما يؤكد أنه لا يوجد أي مبرر إسرائيلي لعدم الاعتراف بقرية راس جرابة".
وفنّد أبو فريح المزاعم الإسرائيلية بأن هذه المخططات تأتي في إطار "تطوير النقب"، مؤكدا أن "الوقائع على الأرض بأن التطوير يأتي في سياق التهويد والاستيطان وعسكرة النقب، مقابل تشريد وتهجير السكان العرب وتجميعهم على أقل مساحة من الأرض".
وأشار إلى أن ديمونا لديها أكبر احتياط أراض في البلاد، وتعتبر أكبر بلدة إسرائيلية من ناحية مسطح نفوذ الذي يبلغ 137 ألف دونم، ويقطنها 32 ألف يهودي، قائلا إنه "الآن، وكأن ديمونا تعيش أزمة سكنية واكتظاظا، وانعدام مسطحات البناء، وتتطلع السلطات الإسرائيلية إلى توسيعها وإقامة حي سكني لليهود على حساب الوجود العربي في قرية راس جرابة".
ميزانيات من أجل عدم تثبيت السكان بالقرى مسلوبة الاعتراف
ذات الطرح تبناه، مُركّز مشروع الاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب في "شتيل"، سليمان الهواشلة، الذي أوضح أن نهج وتعامل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع السكان العرب في النقب، وتحديدا في القرى مسلوبة الاعتراف، يهدف لتهجير السكان ووضع اليد على أراضيهم، إذ يواجه السكان في هذه المرحلة مخططا لتحريش 40 ألف دونم وضمها لصالح "سلطة أراضي إسرائيل" و "كيرن كييمت ليسرائيل" (الصندوق الدائم لإسرائيل - "كاكال").
مركز مشروع القرى مسلوبة الاعتراق بالنقب في "شتيل"، سليمان الهواشلة (عرب 48)
وقال الهواشلة لـ"عرب 48" إن "التجارب أظهرت أن الوزارات الحكومية مستعدة لضخ ميزانيات بمليارات الشواكل من أجل عدم تثبيت وترسيخ وجود السكان في القرى مسلوبة الاعتراف، بحيث أي ميزانية ترصد وحتى لو كانت لخدمات معنية للقرى، هدفها عدم تثبيت السكان الذين يتم تنظر إليهم مؤسسات الدولة على أنهم غزاة أو متسللين للأراضي، ويجب طردهم منها".
وأوضح أن "مختلف الوزارات الحكومية تستثمر وترصد الموارد من أجل دفع السكان إلى الهجرة القسرية، مشيرا إلى أن "وزارة التربية والتعليم على استعداد لرصد بميزانية سنوية بقيمة 130 مليون شيكل لتوفير سفريات لطلاب القرى مسلوبة الاعتراف، لكنها غير مستعدة لبناء مدرسة أو مركز جماهيري أو روضة وحضانة، علما أن هناك 5 آلاف طفل في القرى مسلوبة الاعتراف حتى جيل 3 سنوات بدون حضانة".
واستذكر الهواشلة راس جرابة المعزولة، والتي لا يوجد لها أي تواصل أو امتداد جغرافي مع البلدات العربية، واليوم تواجه مخطط التهجير والتشريد لصالح توسيع ديمونا وإقامة حي سكني جديد لليهود، فيما لا تتوفر للسكان العرب أبسط الخدمات وتنعدم أدنى مقاومات الحياة، إذ لا تترد الجهات الإسرائيلية الرسمية بمخاطبة السكان "تريدون خدمات وظروف معيشية أفضل، إذا لماذا لا ترحلون؟".
الفصل العنصري والإخلاء القسري
يبقى ملف القرى مسلوبة الاعتراف دون حسم من قبل السلطات الإسرائيلية التي تواجه صمود السكان وأصحاب الأرض الأصلانيين بمخططات تهجير وتشريد وإحلال المستوطنين فوق أراضيهم وعلى أنقاض قراهم، وفي واقع راس جرابة يسعى السكان إلى استنفاذ كافة الإجراءات، وبضمنها المسار القضائي، بهدف إبطال دعاوى الإخلاء والإبقاء على السكان في أرضهم، بحسب ما أكدت المحامية ميسانة موراني من مركز "عدالة".
وأوضحت المحامية موراني أن "سكان راس جرابة يتمسكون بموقفهم بالبقاء في قريتهم، كقرية زراعية مستقلة أو كحارة ذات طابع تخطيطي مناسب تكون قريبة من ديمونا أو داخلها، ويعتمدون في موقفهم على آراء لمخططين ومهندسين، وتشمل اقتراحًا أوليًا للاعتراف. كما يتساعدون بصور جوية من خمسينيات القرن الماضي تؤكد تواجدهم وسكنهم في المنطقة".
وتقول المحامية موراني لـ"عرب 48"، إن "السلطات الإسرائيلية تقابل هذا الاقتراح بالرفض التام، وتصر على تهجير سكان راس جرابة إلى قصر السر، ما يؤكد أن هذا الموقف يشكل اعترافا واضحًا بأن قرار إخلاء راس جرابة لا يمت للدوافع القانونيّة بصلة، وإنما هو قرار سياسي عنصري تمييزي مبنى على مبدئي الفصل العنصري والإخلاء القسري اللذين يهدفان لتهويد النقب".

*المصدر : عرب48
1