أحدث الأخبار
الجمعة 19 تموز/يوليو 2019
اعتدِ واغتصب واقتل… !!
بقلم : سهيل كيوان  ... 24.05.2019

نشرت امرأة من إحدى الدول الإسكندنافية فيلماً قصيراً لها وهي تدب على أربع في الأمكنة العامة، تعدو ثم تقفز فوق المقاعد في الحدائق العامة، قفزات عالية وعريضة كما لو كانت كنغراً أو قردة أو فرساً تهبط على يديها وساقيها، ثم تستأنف العدو بصورة سريعة جداً، ليس بسبب عاهة ربانية من الولادة أو إصابة في حادث أو مرض، بل هي اختارت هذا النمط من المشي والتنقل من مكان إلى آخر، بمحض إرادتها ورغبتها منذ زمن بعيد، وقد حقق الشريط آلاف المشاهدات خلال أيام، وقالت هذه السيّدة بأنها تمارس هذا برغبة كبيرة، وبأنها تشعر منذ طفولتها بأنها أقرب للحيوانة من كونها امرأة.
يبدو الأمر مسلّياً، وكما قال مثلنا الشعبي «قلّة الشُغل تعلّم التطريز».
لا أعرف بالضبط دوافع هذه السيدة، أهي الشهرة بهذه الطريقة، أم أنها ترتاح حقاً في الدّب والعدو على أربع، أم أنه الملل، وهذه طريقتها في كسره ولفت انتباه الآخرين إليها، أم أنه فنٌ جديد يضاف إلى فن القفز على الجدران (الباركور)، إلا أنها ذكرتني بكثيرين من بني البشر الراغبين حقاً وفعلاً بالعودة إلى الغابة، ليس رغبة في العزلة والتوحّد مع الطبيعة على طريقة بعض الفلاسفة والمفكرين أو الهيبيين والباحثين عن السكينة، بل إلى مرحلة الوحشية المغرقة في العنف، وذلك أن فكرة أن تكون إنساناً باتت متعبة للكثيرين، وتعيق انطلاق الغرائز الأكثر عمقاً وظلاماً في النفس البشرية.
هناك من بات عاجزاً عن مواصلة التأنسن، ويبحث عن مسار للتخلص من هذا المسار المتعب المتواصل منذ مئات ألوف السنين، ويرغب في التحرّر من الضوابط المُرهقة التي ابتدعها بنو البشر، ويريد لشريعة الغاب أن تعود علناً وبلا مواربات؛ أن يأكل القوي الضعيف، يغتصبه ويستغّله ويستعبده، وأن يقتله إذا ما اعترض، بدون أي شعور بتأنيب ضمير، هنالك من يريد أن يساوي بين دم الإنسان ودم الوحش كي يمارس القتل ظمأه للقتل وهو مرتاح، كأنما يمارس حقاً من حقوقه.
هؤلاء يعتبرون المشاعر والقيم الإنسانية الراقية ضعفاً وجبناً وعجزاً ونفاقاً، ويؤمن هؤلاء بأن الإنسان الضعيف أو الضحية لن يتردد عن إيذاء غيره إذا ما امتلك القوة، وأن ما يمنعه هي قوة الردع التي تفوق قوته.
هذا النوع من البشر يحقّرون الضعفاء، ويحمّلونهم مسؤولية ضعفهم وكونهم ضحايا، ويوجّهون لهم أصابع الاتهام بأن الكوارث التي تصيبهم هي من صنع أيديهم هم أنفسهم، ولا مكان للّوم أو معاقبة من يتصرف معهم بوحشية، وإن وصلت درجات القتل حتى الإبادة، لأنهم يستحقون أن يقتلوا.
امتاز الإنسان البدائي عن الحيوان بعد سيطرته على النار، ثم غيرها من موارد الطبيعة لاستخدامه وبقائه، وبعد هذا بمئات آلاف السنين تمكن من إنشاء الأبجدية للتفاهم مع أبناء جنسه، وطوّر أعماله اليدوية، فشيّد البيوت ثم القصور وصنع الآلات الموسيقية ونحت التماثيل ورسم، وواصل تطوره وإبداعه حتى الوصول إلى الصناعات الدقيقة، جاعلاً المسافة بينه وبين عالم الحيوان شاسعة جداً، حتى أن القردة الأقرب ذكاء من الإنسان باتت تحتاج إلى مائة ألف عام لصناعة آلة قانون أو إصلاح بيانو معطّل، ومائة ألف عام أخرى للعزف عليها، وقد لا تتمكن أبداً من صناعة كأس زجاجية كالتي صنعها الإنسان قبل آلاف السنين.
إلا أن الإنسان الذي يفترض أنه ابتعد كثيراً عن حيوانيته يمضي إليها باتجاه معاكس، بحيث صار يتقدم أكثر من جهة ويعود بإصرار إلى الوحشية من جهة أخرى، حتى صار أخطر المخلوقات وأكثرها فتكاً وقتلاً لغيره من الأحياء أولاً، ثم لأبناء جنسه باعترافه هو نفسه، إذ يُقتل عمداً أكثر من نصف مليون إنسان سنوياً، مع اختلاف حيثيات وأسباب وخلفيات الجرائم حسب اختلاف المجتمعات، إضافة إلى ملايين حالات الاغتصاب المنتشرة جداً في دول متقدمة مثل أمريكا والسويد وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب جنوب أفريقيا وسيريلانكا وأثيوبيا والبرازيل والهند وغيرها، هذا إضافة إلى الحروب والنزاعات السياسية والمجازر التي ترتكب بحق المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، والقتل حتى بعد الاستسلام والوقوع في الأسر، ومجازر التطهير العرقي التي لا تمارسها أشرس الوحوش.
رغم كل التقدم التكنولوجي، هناك من يشد بالإنسان إلى الكهف المظلم، ولكن بتقنيات عالية، وهذا يحتاج إلى نفي الضمير واعتباره تشوّهاً، والسخرية من الضحية المستهدَفة، وحجب الأخلاق والقيم والمُثل الإنسانية في التعامل معها، وذلك لإشباع الغرائز الحيوانية أولاً، والرّبح المادي أو الربح السياسي ثانياً.
نشر موقع صحيفة (جيروزاليم بوست) استبانة يوم أمس الأربعاء، أظهرت أن 56٪ من الأمريكيين لا يرغبون التعلّم بالأرقام العربية، وهي الأرقام المستعملة عالمياً، 1 2 3 4 5 6 7 8 9 0.
وتصل نسبة الجمهوريين من بين هؤلاء الرافضين إلى 72٪، وإلى 34٪ من الديمقراطيين المشاركين، و56٪ من المستقلين. بمعنى آخر، فهؤلاء لا يريدون استخدام هذا المنتوج العربي كي لا يبدو مخترعه صاحب حضارة، وخصوصاً أن هذه الأرقام يستعملها الجميع، هؤلاء يريدون العربي متوحشـــاً كما صوّرته الدعايات المعادية على مدار عقود، هذه الدعاية التي ناضل كثيرون من الشرفاء من عرب وغير عرب لأجل دحضها على مدار سنين من العمل الدعائي المضاد، قوّضتها تنظيمــــات إرهــــابية عملت باسم العــــرب والمسلمين، وهي من إنتاج أنظمة تقتل وتنتهك وتسجن وحتى تقطــــع رأس كل من يطالب بالعدالة، أو من يعبّر عن موقف مخلتف من موقف ولي الأمر، أو ولي النعمة، وهذا بدوره أتاح ويتيح ويمنح غطاء للمتلهفين للعودة إلى الكهف، لممارسة وحشيتهم وإشباع غرائزهم الحيوانية وسحق المستضعفين بلا أي ومضة من ضمير.

1