أحدث الأخبار
الاثنين 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2019
كل ذنب مغفور إلا حبّك لوطنك !!
بقلم : سهيل كيوان  ... 17.10.2019

تصدّرت قصة فتاة يهودية تحمل الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية نشرات الأخبار والصفحات الأولى من الصحف الإسرائيلية، وبعض وسائل الإعلام الأمريكية، هي فتاة تبلغ سبعة وعشرين عاماً، حُكم عليها بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف السنة في روسيا، وذلك بعدما عثرت سلطة المطارات بحوزتها على تسعة غرامات ونصف غرام من الحشيش، وذلك أثناء وقوفها في مطار موسكو كمحطة انتقالية من الهند إلى إسرائيل، وكان هذا في إبريل/نيسان من العام الجاري.
بعد صدور الحكم عليها في الأيام الأخيرة، أثيرت ضجة كبيرة من قبل ذويها وأصدقائها وبتغطية صحافية واسعة، وتدخل رئيس الدولة ريفلين ورئيس الحكومة نتنياهو ووعدوا بالعمل لدى الرئيس بوتين لمنحها عفوا رئاسيا وإخراجها من السجن وإعادتها إلى بيت ذويها في إسرائيل.
يبدو الحكم الثقيل من سبع سنوات ونصف السنة غريباً في بلد فيه نسبة عالية من المدمنين على الكحول، وهي أخطر من الحشيش، أو على الأقل توازيه في خطرها، إلا أن القانون الروسي ينص على السجن من خمس إلى عشر سنوات على تجارة الحشيش. في إسرائيل يفسّرون هذا الحكم الثقيل على أنه ورقة مساومة بيد السلطات الروسية لتسليمهم شابا روسيا (هاكر) يدعى ألكسي بوروكوف، وهو مسجون منذ أربع سنوات في إسرائيل بتهمة أعمال نصب دولية، وذلك بناء على طلب من (FBI) بتهمة أعمال نصب إلكترونية تقدر بملايين الدولارات، ضحيتها شركات بطاقات الاعتماد، وتطالب السلطات الأمريكية بتسليمه لها، ولكن السلطات الروسية تطلب تسليمه لها لأنه مواطن روسي، وهي تريد محاسبته بتهمة الغش والخداع، إلا أن الفكرة الأساسية السائدة هي أنه (هاكر) عبقري نادر، وتريد السلطات الروسية الاستفادة من خبرته الفائقة في هذا المجال. هكذا نشأ وضع محرج لنتنياهو، تسليمه إلى أمريكا أم لصديقه بوتين؟ رغم أن الاتجاه الأقوى هو تسليمه إلى أمريكا، ولكن هناك أصواتا تطالب بمبادلة الفتاة الإسرائيلية بالهاكر الروسي وتسليمه إلى روسيا.
هناك من يصف اهتمام نتنياهو بالفتاة تاجرة الحشيش بالعمل الشعبوي، على حساب العدالة، فهي ليست سوى تاجرة مخدرات، وهناك من يقول بأنها ورقة يغطي بها نفسه أمام السلطات الأمريكية في مماطلته بتسليم الهاكر إلى أمريكا.
السجن الإداري أعدّ لمن يحبون وطنهم وشعبهم ويجاهرون بهذا الحب، في زمن التخلي الجارف والهرولة إلى التطبيع
في المقابل، وعلى الطرف الآخر من المتراس، هناك فتاة فلسطينية أردنية تخوض منذ ثلاثة وعشرين يوما إضرابا عن الطعام، بسبب سجنها بدون محاكمة. هبة اللبدي البالغة من العمر سبعة وعشرين عاماً اعتقلت على الممر الحدودي بين الأردن وإسرائيل في سبتمبر/أيلول الأخير، أثناء قدومها إلى الضفة الغربية لحضور فرح أحد أقربائها، وذلك عن طريق جسر الملك حسين. هبة مشبوهة بالانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنذ اعتقالها تتعرض لشتى صنوف التعذيب النفسية والجسدية، والإهانات المباشرة والإذلال، وهذا من دون أن يستطيعوا تجريمها بشيء، فما كان من المحكمة العسكرية إلا أن حكمت عليها بالسجن الإداري، حسب طلب النيابة لمدة ستة أشهر ممكن تجديدها حتى سبع سنوات. هكذا نحن الآن أمام حالتين متناقضتين، تاجرة حشيش ونصّاب يقفزان إلى واجهة الحدث، ويصبحان موضوع مساومة وتجاذب بين روسيا وأمريكا وإسرائيل، يشغلان الصحافة ورؤساء دول ووزراء، ويضعان علاقات دولية على المحك، وفتاة مناضلة لأجل حرية شعبها، لم تدن بأي عمل، ولم تعترف بأي تهمة، ترمى في السجن وتعذّب وتذلّ، فلا تجد وسيلة للضغط على سجّانيها سوى معدتها وجوعها الطويل وسيلة للضغط على سجّانيها، وتعلن أنها لن تأكل حتى إطلاق سراحها أو استشهادها.
لم يجدوا في حقائب هبة مسدساً، ولم يجدوا على جسدها الطاهر كوكائين وحشيشاً، لكنهم وجدوا ورأوا في عينيها وقلبها ما يمكن أن يجرّمها، كي تكون عبرة لمن ما زال يتبنى فكرة النضال لأجل وطنه، كي يعرف بأنه سيعاقب وسيحرم حتى من نور الشمس، حتى إن لم يجدوا ضده أدلة قانونية، فالسجن الإداري أعدّ بالذات لمن يحبون وطنهم وشعبهم ويجاهرون بهذا الحب، في زمن التخلي الجارف والهرولة إلى التطبيع.
عقوبة هبة تقول إن تمسكك بحقك وحق شعبك هو تهمة أخطر من تجارة الحشيش، بل إنه يفضل أن تتاجر في الحشيش وأن تسرق سلاحاً من معسكرات الجيش، أو أن تهرّبه من لبنان إلى فلسطين، شرط أن تبيعه إلى عصابات الإجرام والخاوة وتجار السموم ومقاولي القتل وإرهاب الآمنين، وسوف تُغمض العدالة الإسرائيلية عينيها وأذنيها عنك، فكل الذنوب تغفر، إلا أن تحب شعبك ووطنك فهذا ما لن يغفروه لك.

1