أحدث الأخبار
الثلاثاء 07 شباط/فبراير 2023
لا تحلموا بعودة الاستعمار!!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 10.09.2022

حالنا اليوم، مع هذه الأنظمة الديكتاتورية الكاريكاتورية النهبوية الفاسدة المستبدة، كحال ذاك المثل الشعبي القائل: «من كان لديه عشي فلماذا يزفّر يديه»، والعشي، يا سادة يا كرام، هو من يعد ويطهو طعام العشاء، وطالما كان لدى قوى الاستعمار والهيمنة ألف عشيٍ يعدّون المذابح ويرتكبون المجازر ويقيمون ولائم الموت والعزاء والشحار، ويلّثون أياديهم بدماء الأبرياء، فلما يلوّث «السيد» المستعمر يديه، ويعود لسياسات الاحتلال والاستعمار ونهب مقدرات البلاد، طالما أن هؤلاء «الطهاة» أتوا على أخضر خيرات أوطانهم وشعوبهم ويابسها، وحولوها لأثر بعد عين ولعصف مأكول، وخرابات تنعق فيها الغربان والبوم…
لا لم يعد المستعمر «الأصيل» التقليدي المحترم، باني المدارس والمستشفيات والطرق والجسور ومؤسس الجامعات العريقة كجامعة دمشق، بحاجة لتحريك عسكري واحد، لتدمير بلد مثل سوريا فوق رؤوس أبنائه، بوجود فرق الاحتلال والاستعمار والقتل والنهب والخراب وميليشيات الإرهاب الداخلية، التي تخجل منها، وتنزوي أمامها وتتراجع استحياء عصابات الهاغانا والكو كلوكس كلان. ولماذا سترسل، مثلاً، الولايات المتحدة، وإسرائيل، الجيوش العرمرمة، المدججة بأسلحة الموت والفتك والهلاك، والأساطيل وحاملات الطائرات، بوجود الفرق التي لا يستطيع الاستعمار أن يفعل خمسة بالمائة مما تفعله بالبلاد والعباد. ولماذا تشن الحروب لنهب النفط والثروات بوجود رجال أعمال «صوريين» كنسوا خزائن الدولة وجعلوها تصفر فيها الرياح الصفراء، ومافيات مخدرات، وشركات اتصالات وبطاقات «ذكيات» وعصابات نهب، وحيتان مال، ووزراء زعران حرامية جهلة ومحكومين وخريجي سجون أوباش، وبائعي فروج و«صيصان»، باتوا اليوم مليارديرية كارتلات لتجارة المخدرات، ومصاصي دماء، ينهبون حتى الكحل من العين كما يقال، ويسرقون البسمة من على شفاه الأطفال؟ هؤلاء هم طلائع الاستعمار والاحتلال والعدوان ونهب الثروات وشفط خيرات البلاد وتهريبها وإيداعها في بنوك الاستعمار القديم.
أضحك كثيراً عندما أسمع بعض الشعوب العربية المبتلية اليوم بألف نكبة ونكبة وكارثة وكارثة من كل الأنواع والأحجام والمقاسات، وهي تتمنى عودة الاستعمار، أو تقول في سرها يا ليت أعداءنا يأتون ويحكموننا بدل هؤلاء الطواغيت الذين جعلونا نحلم برغيف خبز وكأس ماء وساعة كهرباء. هؤلاء المساكين الذين «يفشّون قهرهم» من حكامهم وأنظمتهم بالدعوة إلى عودة المستعمر القديم هم ساذجون جداً، لا بل إن أمانيهم أضغاث أحلام، لأنها مستحيلة تماماً. من قال لكم إن المستعمر الغربي كالفرنسي والبريطاني يمكن أن يفكر للحظة واحدة بالعودة إلى بلادنا؟ من قال لكم إن الأمريكي يريد أن يستبدل كلاب صيده المحليين في ديارنا بحاكم أمريكي؟ لا تقولوا لي إن أمريكا عينت حاكماً أمريكياً على العراق خلال غزوها لبلاد الرافدين عام ألفين وثلاثة. لا لا أبداً، فالحاكم الأمريكي وقتها بريمر لم يأت لحكم العراق بل ليرتب الساحة لعملائه الصغار الذين يحكمون العراق منذ حوالى عشرين عاماً وانظروا أين أوصلوا البلاد والعباد. من قال لكم إن أعداءنا الإسرائيليين يفكرون باستلام مقاليد الحكم في بلادنا بدل الطغاة الذين يحكموننا منذ خروج الاستعمار من أرضنا؟ آه كم أنتم حالمون ومغفلون!
ليست الشعوب المغلوبة على أمرها أذكى من المستعمر وعملائه المحليين أبداً، فلم يخرج الاستعمار من بلادنا إلا بعد أن رتب الوضع لوكلائه الذين دربهم وجهزهم ليكونوا أسوأ منه بعشرات المرات. لقد ظنت الشعوب أنه أصبح لديها حكام وطنيون وأنظمة وطنية، دون أن تدري أنها انتقلت إلى مرحلة استدمار حقيقي، لأن المستعمر الأجنبي وللأمانة لم يمارس الاستدمار فقط، بل مارس أيضاً قليلاً من الاستعمار، ولا شك أنكم تعرفون الفرق بين الاستدمار والاستعمار، الأول مهمته الوحيدة التدمير والثاني لا يبخل عليك بقليل من التعمير.

ليست الشعوب المغلوبة على أمرها أذكى من المستعمر وعملائه المحليين أبداً، فلم يخرج الاستعمار من بلادنا إلا بعد أن رتب الوضع لوكلائه الذين دربهم وجهزهم ليكونوا أسوأ منه بعشرات المرات

ولستم بحاجة لأمثلة على أن المستعمر الأجنبي رغم كل مساوئه وقذاراته إلا أنه ترك وراءه قوانين وطرقاً ومباني ومؤسسات مازالت قائمة حتى الآن في العديد من الدول العربية، ولم يستطع الوكيل المحلي أو ما يسمونه زوراً وبهتاناً بالحاكم الوطني أن يبني مثلها أو ينافسها. هناك طرق حجرية بناها الفرنسيون قبل حوالى قرن من الزمان ومازالت صامدة وجميلة حتى هذه اللحظة، بينما تغرق آلاف الطرق في سوريا وغيرها من الديكتاتوريات الاستعمارية التي يقودها جنرالات، تغرق بالوحل والطين لأنها أسوأ أنواع الطرقات في العالم، ولأن المتعهد المحلي نهب معظم ميزانيتها قبل أن يبنيها، وبالتالي لم ينفق عليها سوى الفتات فتحولت إلى سلسلة مطبات أكثر منها طرقات للاستخدام البشري.
وأتذكر أنني زرت بعض البلدان العربية فأعجبت ببعض الطرق والجسور والممرات والعمارات، فقالوا لي فوراً إن هذه من مخلفات المستعمر البريطاني أو الفرنسي، لأن الحاكم الوطني المزعوم لم يبن فيما بعد ما يضاهيها من حيث القيمة الجمالية أو العملية. ولا شك أنكم شاهدتم كيف تجمهر الناس حول الرئيس الفرنسي أثناء زيارته إلى إحدى مستعمراته العالمثالثية القديمة الجديدة وطالبوه بمنحهم تأشيرات دخول للعيش في فرنسا بعد أن ذاقوا الويلات تحت حكم أتباع المستعمر المحليين.
ولعل ما يجعل المرء يضحك ويبكي في الآن ذاته عندما يسمع بعض الناس البسطاء المعدومين المنكوبين المسحوقين وهم يتحدثون فيما بينهم همساً ويتمنون لو أن عدوهم الأجنبيي المِحتل يأتي ويحكمهم بدل حكامهم الوطنيين المزعومين، وكأنهم بذلك يحمّلون العدو «منّية» حسب التعبير الشعبي. لا عمي لا، إياكم أن تظنوا أنكم بذلك تقدمون للعدو خدمة جليلة عندما تتمنون لو أنه يحكمكم بدل طغاتكم المحليين الذين يسومونكم سوء العذاب الممنهج. لا أبداً. لا تحلموا مطلقاً أن تعيشوا حياة كحياة البعض تحت حكم العدو. شتان بين هذا وذاك. لا العدو ولا أي قوة غربية تريد أن تحكمكم أو تستعمركم، لأنها لا تستطيع أن تفعل بكم ما يفعله عملاؤها المحليون الذين يتفننون بقمعكم واضطهادكم وتعذيبكم وتهجيركم وسحقكم. وهل نسيتم مثلاً أن أمريكا لم تستطع تعذيب الإرهابيين المطلوبين لديها على الأرض الأمريكية ذات يوم لأن القانون الأمريكي يمنع التعذيب، فماذا كانت تفعل يا حزركم؟ لقد كانت تأتي بهم إلى السجون السورية وغيرها كي تقوم بتعذيب المطلوبين نيابة عنها، خاصة وأن أنظمتنا العميلة خبيرة ومتمرسة في كل أنواع التعذيب والتنكيل بالبشر، وهو ما لا تقدر عليه لا أمريكا ولا غيرها.
هل بربكم لو كانت قوات العدو تحكم بلداً مثل سوريا، هل كان يمكن أن تفعل خمسة بالمائة مما فعله النظام الوطني المزعوم في سوريا والسوريين؟ بالتأكيد لا، لهذا فهي تركت المهمة لوكلائها القادرين أن يتفوقوا عليها وعلى غيرها بمئات المرات في مهمة التخريب والتدمير والتهجير والإرهاب والنهب والسلب. ولا ننسى أن الثروات التي يسرقها الحاكم المحلي تنتهي في الغالب في بنوك المستعمر القديم، لأن من مهمات الوكيل المحلي العميل نهب البلاد لصالح أسياده الذين سلطوه علينا قبل أن يرحلوا. وقال شو قال: نحتفل بعيد الجلاء، جلاء المستعمر. جلاء يفك حنكك!
هل عرفتم الآن لماذا لم تنجح ثورات الشعوب، لأنها تواجه كلب الصيد والصياد في آن واحد.

1