أحدث الأخبار
الخميس 20 أيلول/سبتمبر 2018
مصر تشن حربا على زواج الأطفال !!
بقلم : أميرة فكري ... 18.06.2018

*الحكومة المصرية تجرّم كل فعل يخدم الزواج المبكر للفتيات، بحيث يكون تزويج القاصر قبل بلوغها سن الثامنة عشرة جريمة وليس جنحة، ولا تسقط التهمة بالتقادم.
يستعد مجلس النواب في مصر خلال أيام لمناقشة مشروع قانون مقدم من وزارة العدل، تتوقع المصادقة عليه قريبا، ويعاقب كل من ساعد وساهم ودعم وسهل زواج القاصر، بالحبس المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، سواء المأذون أو أقارب الفتاة أو أقارب الزوج، وأئمة المساجد الذين يقومون بتزويج الفتيات القاصرات.
ولا تتعدى العقوبة الحالية أكثر من عام واحد، ويعاقب فيها والد الطفلة فقط، لكن التشريع الجديد يمثل سابقة أولى بأن يكون هناك “حظر نهائي لهذا النوع من الزواج”، بعد اعتباره جريمة وتكون العقوبة موجهة لكل الأطراف.
وتتعامل الحكومة المصرية مع الأمومة المبكرة باعتبارها قضية أمن قومي، لأنها أحد مسببات الانفجار السكاني المتهم بأنه أكبر عائق أمام التنمية المستدامة.
;ما يميز مشروع القانون، أنه يحمل رسالة ترهيب شديدة اللهجة لمن يفكرون في تزويج قاصر، لأنه ينص على العزل من وظائفهم بعد ثبوت التهمة عليهم، سواء والدها أو والد زوجها أو المأذون، أو الموظفون الحكوميون الآخرون الذين يسهلون إضفاء الشرعية على هذا الزواج.
ومن بين هؤلاء؛ العاملون بمكاتب الصحة التابعة لها الأسرة، وهم أحد أهم أسباب انتشار الظاهرة لأنهم يقومون بتسجيل أبناء القاصرات دون اشتراط عقد زواج رسمي، مقابل مبالغ مالية، وكان تسجيل الأطفال لا يمثل مشكلة لهذه الزيجات.
وقررت وزارة العدل تطوير عقود الزواج لعدم التلاعب أو التزوير، عن طريق وضع علامة مائية على الوثيقة، ولا يعتد بسواها في المؤسسات الحكومية، على أن تكون بطاقة الرقم القومي (الهوية الشخصية) السبيل الوحيد للتأكد من بلوغ الزوجين السن القانونية، وتكون الشرط الأساسي لتحرير العقد. ويعني ذلك، أن الحكومة قررت إلغاء الشهادات الطبية المعروفة بـ”شهادات التسنين”، التي كانت تستخدم كبديل عن بطاقات الهوية لتحديد سن الفتاة، ويسهل تزويرها، وبالتالي غلق أهم ثغرة في رحلة الزواج المبكر.
ووفق التعداد السكاني الأخير في مصر لعام 2017، فإن هناك الآلاف من الفتيات تزوجن وهن في سن الثانية عشرة، بينهن مطلقات وأرامل الآن، ما تسبب في صدمة لجهات تنفيذية وتشريعية حول طريقة اختراق القوانين التي تمنع الزواج لمن هن دون سن الـ18 عاما. وتبيّن للحكومة والبرلمان أن الأسباب الرئيسية للأمومة المبكرة، تنحصر في المأذون الشرعي وانتشار التعامل بالشهادات الطبية في تحديد السن وسهولة تسجيل أبناء القاصرات بمكاتب الصحة، ما يعكس أن مواد القانون الجديد تستهدف مواجهة ثغرات مرتبطة بصميم الأزمة.
وتنتشر الأمومة المبكرة بشكل لافت بين الأسر الفقيرة وفي المناطق الريفية والشعبية وصعيد مصر، لأن الأسرة تنتظر بلوغ الفتاة في أسرع وقت حتى تقوم بتزويجها والتخلص من أعبائها المادية، نظرا للظروف المعيشية الصعبة، والاعتقاد بأن زواجها يخفف من الأعباء الواقعة على الأسرة.
ويحظى التشريع الجديد بتأييد واسع بين أعضاء مجلس النواب، لا سيما وأن التصدي لزواج الأطفال يتمتع بدعم رئاسي كبير، لكن تظل هناك إشكالية كبرى أمام الحكومة لتحقيق الأهداف المرجوة من القانون، وتتمثل في أميّة أكثر الأسر التي تؤمن بزواج القاصرات.
وقالت سهير لطفي أستاذة علم الاجتماع بجامعة حلوان (جنوب القاهرة)، إن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب وعي قطاع واسع من الناس بالقانون مهما كانت العقوبات مشددة، وتتعاظم الأزمة عندما يكون هذا القطاع المتهم الأول في انتشار الظاهرة، والعقوبات وحدها غير كافية، ما لم تعقبها حملة إعلامية وثقافية ودينية واسعة. وأضافت لـ”العرب” أن المواجهة الشاملة والصارمة مع أعضاء هذه المنظومة كفيلة بأن تكون مصر خالية من الزواج المبكر، لكن تحقيق ذلك بحاجة إلى نشر ثقافة العقوبة على نطاق واسع، مع التركيز على العزل الوظيفي والحبس المشدد.. ويجب أن تعرف الأسرة التي تعيش في أقصى منطقة فقيرة أنها أيضا مهددة إذا زوّجت طفلتها.
وأكثر الفتيات اللاتي تزوجن قبل بلوغ السن القانونية، غير راضيات عن حياتهن الزوجية، ويعشن أياما عصيبة خشية الطلاق أو تنصل الأزواج منهن قبل تسجيل العقود الرسمية، ما يتسبب في ضياع جميع حقوقهن، وبعضهن مضطرات لقبول هذا الوضع لعدم تصنيفهن كعاصيات لأسرهن. وثمة إشكالية أخرى تكمن في انتشار زواج الأطفال ببعض المناطق في صعيد ودلتا مصر، على أنه عرف مجتمعي، أي أن الفتاة إذا بلغت 14 عاما يصبح زواجها شرعيّا، ويكمن الإشكال في أن هناك فئة من الشيوخ والسلفيين يدعمون ويؤيدون هذه الثقافة، بل يصبغون وجهة نظرهم بآراء ومواقف دينية قديمة، عفى عليها الزمن.
وقالت سوسن مصطفى عضو ائتلاف حقوق الطفل المصري لـ”العرب”، المشكلة أن الأسر الفقيرة تتعامل مع بعض أئمة المساجد وشيوخ السلفية على أن كلامهم مصدّق، لأن هذه الفئة من الأهالي متدينة بالفطرة.
وقالت “تحصين الفتاة من الزواج المبكر يبدأ من تدخل المؤسسات الدينية الكبرى، مثل الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف بتحريم هذه الخطوة.. لا يمكن أن يتصدى القانون وحده لانتهاكات المجتمع ضد الصغيرات، لأن صمت هذه المؤسسات يجعلها شريكا بشكل غير مباشر في انتشار الظاهرة”.
ولا بد من تصنيف المناطق التي تشرع زواج الأطفال وتتعامل مع كل واحدة وفق الأسباب والمبررات، بحيث تغلق كل الثغرات بما يتوافق مع دوافع ظهورها، هل الزواج بسبب الفقر، أم بذريعة تحصين الفتاة من العنوسة، أم لأسباب تتعلق بما يسمى “الستر”، بحيث تكون حملات التوعية مرتبطة بواقع مواز لا مغاير لها.

المصدر : العرب
1