أحدث الأخبار
الأربعاء 25 أيار/مايو 2022
المعضلة النسويّة بين ذكوريّتين.. عربيّة وصهيونيّة .. !!
بقلم : أنس إبراهيم  ... 01.01.2022

حوار مع رفاه عنبتاوي
* المعرفة النسويّة تدفع نحو المزيد من العنف الذكوريّ.
* لا يمكن القول إنّ ثمّة ظاهرة لحلفاء ذكور غير ذكوريّين.
* معضلة النساء بين سلطتين، واحدة ذكوريّة مجتمعيّة وأخرى ذكوريّة استعماريّة.
* يجب وضع حدّ للمساومات النسويّة مع الرموز الوطنيّة المشبوهة نسويًّا.
يُشكّل العنف ضدّ النساء جزءًا من ظاهرة العنف والجريمة الّتي تتصاعد حدّتها داخل المجتمع العربيّ في الداخل المحتلّ خلال السنوات الأخيرة، فحتّى العاشر من أيلول 2021 قُتِلَت 12 امرأة فلسطينيّة في جرائم قتل مختلفة، في ما بلغ عدد ضحايا جرائم القتل الّتي نُفِّذَت غالبيّتها بإطلاق النار في البلدات العربيّة 73 قتيلًا وقتيلة.
وبحسب عديد المؤسّسات النسويّة، ومنها منظّمة «كيان – تنظيم نسويّ فلسطينيّ»، فقد شَهِدَت الأعوام الثلاثة الأخيرة ارتفاعًا في نسب التبليغ عن حالات العنف ضدّ النساء، ما يدلّ على ارتفاع في حالات العنف نفسها، خاصّة خلال جائحة كورونا الّتي فرضت واقعًا مجتمعيًّا فاقمت عناصره المتألّفة من الأزمة الاقتصاديّة، والصحّيّة، والاجتماعيّة، أسباب العنف الّتي تصفُها رفاه عنبتاوي، مديرة «كيان – تنظيم نسويّ فلسطينيّ» بالأسباب البنيويّة والّتي ضاعفت منها الأزمة الّتي فرضتها الجائحة.
في هذا الحوار الّذي تُجريه فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، مع رفاه عنبتاوي، نتحدّث معها عن القضيّة النسويّة وخصوصيّتها الفلسطينيّة، وواقع العنف ضدّ النساء الفلسطينيّات في المجتمع العربيّ في إسرائيل، وعن النساء الحاميات للبنية الذكوريّة الأبويّة، وهل ثمّة الحليف الرجل للقضيّة النسويّة، والنضال النسويّ العابر للحقول والفضاءات العامّة والخاصّة.
تأسّست منظّمة «كيان – تنظيم نسويّ فلسطينيّ» عام 1998 من قبل مجموعة من النساء الفلسطينيّات الناشطات في مجال حقوق المرأة، حيث تهدف نشاطات المؤسّسة إلى تعبئة النساء لتحدّي التمييز بين الجنسين في العائلة والمجتمع والدولة، والمشاركة الفعّالة في الحياة العامّة واتخاذ القرار، من خلال الاستثمار طويل الأمد في تنمية القيادة النسائيّة.
**فُسْحَة: أريد البدء بالسؤال عن القضيّة النسويّة في السياق الفلسطينيّ، وتحديدًا في سياق المجتمع الفلسطينيّ في الداخل المحتلّ؟
*رفاه: النسويّة الفلسطينيّة هي جزء من المجتمع الفلسطينيّ، وعندما أتكلّم عن النسويّة الفلسطينيّة فأعني بذلك النسويّة الّتي تمثّل النساء الفلسطينيّات أينما كنّ في فلسطين التاريخيّة وفي الشتّات. والقضيّة النسويّة في الداخل المحتلّ هي جزء من القضيّة النسويّة الأوسع على نطاق فلسطين والعالم، والمرتبطة بالبنية الذكوريّة العابرة تقريبًا لكلّ الثقافات والمناطق الجغرافيّة. ورغم التفاوت بين جغرافيا وأخرى داخل فلسطين المحتلّة، لكنّ البنية الذكوريّة تشكّل أساس التمييز بين المرأة والرجل، وهي الموضوع الأساسيّ الّذي تهدف النسويّة إلى علاجه وإحداث تغيير على مستوى أنماط التفكير الذكوريّ وانعكاسات هذه الأنماط على النساء والرجال عمومًا.
لا يمكن الحديث عن النسويّة الفلسطينيّة بمعزل عن الواقع السياسيّ المركّب الّذي نعيشه، فمن ناحية هناك المجتمع الذكوريّ الأبويّ، ومن ناحية أخرى هناك واقع أنّنا، كنسويّات، نشكّل جزءًا من أقلّيّة أصلانيّة تعاني من التمييز العنصريّ وسياسات الدولة وإسقاطاتها على المجتمع عمومًأ وعلى النساء بشكل خاصّ.
تؤمن النسويّة الفلسطينيّة، أو على الأقل لأتكلّم عن وجهة نظرنا في «كيان»، أنّ ثمّة جذورًا يجب كشفها لفهم وضعيّة النساء وكيفيّة إحداث التغيير والمرتبطة بعوامل متعدّدة: الأسباب الاجتماعيّة، والسياسيّة، والشخصيّة، ولا يمكن أن تتغيّر مكانة المرأة ووضعيّتها إلّا من خلال التعامل مع كلّ جذور التمييز الّتي تولّد هذه الوضعيّة.
**فُسْحَة: هل ثمّة تضامن نسويّ فلسطينيّ؟ وهل تشكّل النسويّة الفلسطينيّة هويّة بديلة عن الهويّة الفلسطينيّة الّتي تتّصف معظم مركّباتها الثقافيّة والرمزيّة بالذكوريّة؟
*رفاه: أعتقد أنّ التضامن النسويّ في مرحلة تطوّر أو تبلور، لا أستطيع القول إنّ ثمّة تضامنًا نسويًّا فلسطينيًّا ينعكس على ممارساتنا اليوميّة كنسويّات فلسطينيّات، ويتمظهر من خلال أجندة أو رؤية نسويّة فلسطينيّة واضحة. لكن من المؤكّد أنّ ثمّة نقاشات جارية خلال الأعوام الماضية تتناول أهمّيّة التضامن النسويّ الممنهج الّذي يتعدّى كوننا نساء فلسطينيّات يعشن تحت الاحتلال، ولكن حتّى التضامن الّذي يشمل كافّة القضايا الّتي تمسّنا. وذلك يعني بالطّبع تسليط الضوء على الواقع الاجتماعيّ للنساء الفلسطينيّات بوصفهن جزءًا من شعب محتلّ، ولكن أيضًا من مجتمع ذكوريّ، وضرورة وجود تضامن نسويّ على المستويين. وذلك ما ينعكس في كثير من الحراكات النسويّة والشبابيّة، وأيضًا على المستوى المؤسّساتيّ من خلال محاولة تنظيم ائتلافات نسويّة، مثل ائتلاف «فضا – فلسطينيّات ضدّ العنف»، وهو أوّل ائتلاف نسويّ فلسطينيّ مؤسّساتيّ عابر للحدود، بادرنا إليه ونركّز عمله في «كيان»، وقد أسّسناه انطلاقًا من إيماننا بأنّ التضامن النسويّ لا بدّ وأن يتعدّى الفكر ليصبح جزءًا من اليوميّ النسائيّ.
** فُسْحَة: كيف تتعامل النسويّة الفلسطينيّة مع معضلة المُفاضلة بين النضال النسويّ والوطنيّ؟
*رفاه: دائمًا ما كانت معضلة المفاضلة بين النسويّ والوطنيّ من المعضلات الأساسيّة للنسويّات الفلسطينيّات، على المستويين العامّ والمناطقيّ. العديد من النسويّات الفلسطينيّات مسيّسات ومتحزّبات، ومن لسن كذلك فهنّ يشكّلن جزءًا من نضالنا التحرّريّ والوطنيّ، وذلك ما يخلق أحيانًا تضاربًا بين مواقعنا الحزبيّة مقابل موقعنا كنسويّات فلسطينيّات لديهنّ التزام بالقضيّة النسويّة والاجتماعيّة، وفي كثير من الأحيان نجد أنّ علينا المفاضلة بين القضيّتين الوطنيّة أو النسويّة. وذلك يحدث مثلًا في قضايا العنف ضدّ النساء أو التحرّش داخل الأحزاب الوطنيّة، أو إقصاء النساء من المواقع القياديّة، أو التحرّش الجنسيّ من قبل رجال بمناصب وطنيّة مرموقة وليس عليهم شبهات وطنيّة، ولكن ثمّة مشكلة نسويّة في التعامل معهم، وهنا تظهر الصعوبات في الفصل ما بين النسويّ والوطنيّ. ومع ذلك، أعتقد أنّ الفصل يجب أن يكون أكثر وضوحًا وصرامة بين الوطنيّ والنسويّ ضمن منطق أنّه لا يمكنك أن تكون وطنيًّا بينما لا تحترم حقوق النساء وقضاياهنّ. لكنّ الفجوة لا تزال حاضرة على المستوى العمليّ بين ما نؤمن به ونريد تحقيقه وبين الواقع نفسه المليء بالتنازلات والمساومات لصالح القضايا الوطنيّة. هنا أعتقد أنّ ثمّة ضرورة لأن يكون موقفنا النسويّ واضحًا وغير متردّد. فمن دون هذا الوضوح سيظلّ التفضيل بين القضيّتين قائمًا، وهو ليس صحّيًّا وطنيًّا ولا مجتمعيًّا.
كنّا قد أجرينا في «كيان» بحثًا لفحص موضوع تمثيل النساء السياسيّ وغيابهنّ عن السلطات المحلّيّة في أراضي الـ48 المحتلّة، وإحدى الثيمات الأساسيّة الّتي فُحِصْت هي دور الأحزاب الوطنيّة، وتبيّن بشكل واضح وجود ممارسات إقصائيّة ممنهجة داخل جميع الأحزاب، حتّى الأحزاب اليساريّة مثل «التجمّع» أو «الجبهة»، وكذلك ثمّة عنفًا مباشرًا وغير مباشر ضدّ النساء. النتيجة هي أنّ الحزب يمثّل نموذجًا مصغّرًا للمجتمع، وذلك ما دفعنا إلى التساؤل عن دور النسويّات داخل هذه الأحزاب في إحداث التغيير، وإن لم يكنّ قادرات فما هي الإمكانيّات المتوفّرة حتّى لا تكون النساء جزءًا من منظومة قمعيّة تهدف إلى معالجة قمع الاحتلال بالأساس.
لكن، في المقابل، يحضر التخوين دائمًا عند مقارنة قمع الذكوريّة الفلسطينيّة للنساء الفلسطينيّات وقمع السلطة الاستعماريّة للفلسطينيّين، وذلك يؤثّر على مدى فاعليّة النساء ونجاعتهنّ داخل الأحزاب، والأمر ذاته ينطبق على مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة في الضفّة أو قطاع غزّة. أعتقد أنّ أحد إنجازات النسويّة الفلسطينيّة خلال السنوات الأخيرة كان تثبيت مقولة لطالما آمنّا بها وهي أنّه ليس ثمّة وطن حرّ دون تحرّر نسائه، وأنّ القضايا كلّها متشابكة.
هذه المعضلة دائمًا ما كانت موجودة، ومن الضروريّ أن يكون ثمّة حسم نهائيّ لها حتّى إن توجّب دفع الثمن، وهذا طموحي الشخصيّ، عدم المساومة مع الشخصيّات والمؤسّسات اللامعة وطنيًّا ولكنّها مليئة بالعيوب نسويًّا.
**فُسْحَة: تزيد حقيقة اضطّرار النساء للتعامل مع السلطات الاستعماريّة الصهيونيّة في الداخل المحتلّ واقعهنّ تعقيدًّا، فكيف يتمّ التعاطي مع هذه المسألة؟
*رفاه: بالطّبع الحالة مركّبة ومعقّدة في الداخل المحتلّ لعدّة عوامل منها أنّ السلطات الاستعماريّة هي المخوّلة لعلاج قضايا العنف وبذلك نشير إلى الوزارات، أو المؤسّسات الخدماتيّة، أو الملاجئ، أو جهاز الشرطة، ببساطة لا يمكن تقديم الشكاوي إلّا عبر الشرطة الإسرائيليّة. وهنا ثمّة أزمتان؛ الأولى هي أزمة الثقة بالدولة ومؤسّساتها بسبب سياسات الدولة الّتي لم تَعُدْ موضع تساؤل أو تشكيك، ولكن ثمّة يقين اليوم أنّ الدولة ومؤسّاستها وشرطتها تتبع سياسات تعبّر عن انعدام أيّ إرادة سياسيّة حقيقيّة لمعالجة قضايا النساء الفلسطينيّات بشكل حقيقيّ وناجع. على العكس، أعتقد أنّ ثمّة سياسة تهاون واستهتار بقضايا النساء من قبل المؤسّسة الإسرائيليّة. الأزمة الثانية هي أنّه حتّى في تلك الحالات الّتي نتجاوز فيها أزمة الثقة ونُضطّر للتعامل مع هذه المؤسّسات، مثل الحالات الّتي تُضطّر فيها النساء إلى الانتقال إلى الملاجئ وإلّا تعرّضن للقتل، أو تقديم الشكاوي عبر جهاز الشرطة، نجد أنفسنا نتعامل مع جهاز بغضّ النظر عن كونه يمثّل جزءًا من منظومة استعماريّة، بل هو أيضًا جهاز ذكوريّ لا يراعي احتياجات النساء ويفتقر للحساسيّة تجاه النوع الاجتماعيّ، حتّى وإن كان يضمّ نساءً فهنّ يُطبّقن النهج الذكوريّ نفسه.
ثمّة حاجة ملحّة للعمل مع النساء اللّواتي يحاولن الخروج من دائرة كونهنّ ضحايا ليَصِرنَ ناجيات وليتمكنّ من وضع حدّ لدائرة العنف أو التحرّش الّتي يعانين منها، ولذلك تعمل المؤسّسات على رفع الوعي النسويّ بذواتنا وبحقوقنا الّتي يجب أن نتمكّن من تحصيلها بالطريقة المناسبة. لذلك هناك المؤسّسات النسوية الّتي ترافق النساء وتترافع عنها وتقدّم الدعم النفسيّ والقانونيّ لهنّ، إضافة إلى عملنا في مساءلة مؤسّسات الدولة الرسميّة. في ذلك الإطار تقدّمنا في «كيان» بطلبات حقّ المعرفة بقضايا قتل النساء، لفحص حقائق نحن متأكّدات منها، وهي أنّ تعاطي الشرطة والقضاء مع قضايا العنف ضدّ النساء يتّسم بالإهمال الممنهج من قبل الدولة والشرطة. فمعظم حوادث القتل سبقتها حادثة عنف وشكاوي قُدِّمَت من الضحايا ولم يتمّ التعامل معها أو النظر فيها.
نحن نعمل على كلّ الأصعدة، على صعيد أن تكون النساء واعيات، وعلى صعيد تقديم الدعم لهنّ لئلّا يستسلمن لإهمال جهاز الشرطة، وأيضًا على صعيد مُساءلة المؤسّسة الإسرائيليّة وإظهار إخفاقاتها المقصودة وغير المقصودة، بالذّات تجاه النساء الفلسطينيّات في الداخل المحتلّ.
**فُسْحَة: كيف تقرأين سياسات الإهمال الممنهج لقضايا العنف ضدّ النساء من قبل المؤسّسة الإسرائيليّة؟
*رفاه: أعتقد أنّه إضافة إلى الجانبين الّلذين تكلّمت عنهما، يمكن إضافة عامل الضعف المجتمعيّ في المجتمع الفلسطينيّ عامّة وفي الداخل المحتلّ خاصّة. فإضعاف النساء هو إضعاف للمجتمع ككلّ، ونحن نقول دائمًا أنّ مجتمعًا فلسطينيًّا قويًّا في الداخل المحتلّ، لا يصبّ في مصلحة دولة إسرائيل. بل الأفضل أن يكون مجتمعًا متصارعًا مع نفسه، ضعيفًا مليئًا بالعنف والفقر وكلّ المشاكل الاجتماعيّة الّتي نعيشها اليوم وتتفاقم مع مرور الوقت. وطالما أنّ ما يجري داخل المجتمع الفلسطينيّ لا يشكّل خطرًا على الدولة، أو على المواطن اليهوديّ، أو المناطق اليهوديّة، فلا تُمانع إسرائيل أن يظلّ الحال على ما هو عليه. خاصّة أنّها في تقاريرها لهيئات الأمم المتّحدة يمكن رؤية النفاق ونقل المعلومات المغلوطة عن الواقع العربيّ في إسرائيل، وذلك جزء من عملنا أن نُظْهِر الصورة الحقيقيّة وذلك ما نفعله في «كيان». مثلًا عندما تقدّم إسرائيل تقريرًا عن وضع الأحوال الشخصيّة في إسرائيل وتتجاهل التمييز الّذي تواجهه المرأة الفلسطينيّة في المحاكم الدينيّة، نتدخّل لمُساءلة هذه التقارير، وعندها تظهر الأصوات الّتي تتّهمنا بمحاولة إضعاف المحاكم الدينيّة الّتي تشكّل بحسب وصفهم جزءًا من موروثنا الثقافيّ والتقليديّ، وكان ثمّة انتقادات لـ «كيان» تدّعي أنّنا نريد انتزاع صلاحيّات المحاكم الدينيّة. ومن ناحيتي الشخصيّة، أجل، ليغلقوا المحاكم الدينيّة الّتي تمثّل بنية مؤسّساتيّة تقليديّة تعمل على انتهاك حقوق النساء اللّواتي يتوجّهن إليها، وذلك مُثبَت بالتجربة وليس مجرّد رأي مبدأيّ.
ثمّة عامل آخر يرتبط أيضًا بالمؤسّسات والمنظومة الحاكمة وهي منظومة ذكوريّة حتّى تجاه النساء اليهوديّات أيضًا. فعندما تتعامل مع منظومة ذكوريّة إسرائيليّة لا تُساوي بين الرجال والنساء اليهود، فكيف ستتعامل مع النساء الفلسطينيّات اللواتي هنّ جزء من أقلّيّة أصلانيّة تتعرّض أصلًا لاضطّهاد المنظومة الاستعماريّة؟ ذلك سيُضاعف الإهمال الممنهج، ولا أستطيع حتّى وصفه بالإهمال، لأنّ الإهمال يأتي من مكان غير واعٍ للشيء المُهمَلْ، لكنّ ما يحدث هو سياسة ممنهجة للحفاظ على الإشكاليّات المجتمعيّة كما هي.
الأمر الآخر الّذي تستغلّه إسرائيل هو عدم حفاظ المجتمع الفلسطينيّ على نفسه، لا على مستوى القيادة السياسيّة، ولا على مستوى الانتماء، أو الهويّة والمحافظة على مكانتنا كأقلّيّة، وهذا ما تتغذّى عليه السياسات الإسرائيليّة تجاه المجتمع الفلسطينيّ ككلّ، وتجاه قضايا النساء الفلسطينيّات المعنّفات بشكل خاصّ. المجتمع الفلسطينيّ في الداخل المحتلّ غير موحد حول قضاياه، والنساء جزء من تلك الإشكاليّة، فأيضًا في المجتمع النسويّ الّذي لا يختلف كثيرًا عن المجتمع بشكل عامّ. فثمّة مشاكل في أدائنا كجماعة، ربّما يكون عملنا ممتاز كأفراد وكجمعيّات كلّ على كلّ على حدة، ولكنّنا نفتقر جماعيًّا إلى الرؤية الموحّدة حول ما نريد تحقيقه، فليس ثمّة قيادة نسويّة جامعة حقيقيّة. هذه العوامل كلّها تجعلنا فريسة سهلة للدولة، وتشكّل مع بعضها مساحة خصبة تمكّن الدولة من الاستمرار في سياساتها ونهجها تجاهنا فلسطينيّين وفلسطينيّات.
**فُسْحَة: هل نشهد ارتفاعًا في إحصائيّات العنف ضدّ النساء في الداخل المحتلّ عن السنوات الماضية، وما هي أسباب هذا الارتفاع؟
*رفاه: لنقل أنّ العديد من التقارير الّتي ظهرت بعد جائحة كورونا، ليس فقط في فلسطين التاريخيّة ولكن في كلّ أنحاء العالم، والّتي أشارت إلى ارتفاع نسب العنف أكثر من أربعين بالمئة، وبشكل أدقّ، ارتفاع في نسب الحالات الّتي أُبْلِغَ عنها من قبل النساء أو أقربائهنّ. من المؤكّد أنّ نسب العنف ضدّ النساء شهدت ارتفاعًا خلال جائحة كورونا الّتي فَرَضَتْ على النساء البقاء في منازلهنّ وهذا ما ساهم في زيادة العنف، لأنّ أسبابه الّتي هي بنيويّة بالأساس كانت عُرضَة للمفاقمة بسبب الاحتكاك والصراعات اليوميّة داخل المنزل. قبل الكورونا لم تُبلّغ بعض النساء اللّواتي كنّ في دائرة العنف من قبل، ولكن بعد الجائحة الّتي وسّعت وعمّقت دائرة العنف وأبرزت أنواع عنف متعدّدة غالبًا ما غُيِّبَتْ قبل الجائحة، نفسيًّا، اقتصاديًّا، جسديًّا، وجنسيًّا، دفعت بالكثيرات منهنّ إلى التبليغ. إضافة إلى أنّ آليّات التبليغ الّتي كانت مُتاحة للنساء خلال الجائحة سهّلت على الكثيرات منهنّ القدرة على الوصول والكشف، لأنّ المؤسّسات النسويّة استجابت فورًا للاحتياجات العينيّة للنساء اللّواتي لا يستطعن التبليغ عبر الهاتف مثلًا لأنّ بجانبها زوجها، أو أفراد عائلتها، فأصبح ممكنًا التبليغ عبر وسائط أخرى كـ «whatsApp»، أو غيرها من الوسائل الّتي تمكّنها من التبليغ دون أن تُمْنَع أو تتعرّض للرقابة من الآخرين.
هنا رأينا كيف يمكن تحويل الأزمات إلى فرص لمساعدة الناس، وذلك ما اشتغلنا عليه في «كيان»، أي أن نحوّل الأزمات إلى فرص خاصّة في فترة الأزمة لئلّا نتراجع أو نخسر ما أُنْجِزَ قبل الأزمة. لكن لا يمكن الجزم أنّ ثمّة ارتفاعًا في نسب العنف، ولكن ثمّة وعيّ متنام بين النساء، ووعي بقدرتهنّ على التبليغ، ووعي بذواتهنّ وبما يتعرّضن له، فكلّما كانت المشكلة أكثر انكشافًا أصبحت أكثر قابليّة للرؤية والتحديد. أحيانًا تكون المعرفة نقمة، فالمعرفة النسويّة، ووعي النساء بذواتهنّ وبحقوقهنّ تدفع نحو المزيد من العنف الذكوريّ تجاههنّ؛ فمثلًا، في الماضي لم يكن ممكنًا المطالبة بالمساواة في توزيع الميراث، أمّا اليوم، وعندما تطالب امرأة بالمساوة في الميراث ستتعرّض للعنف الّذي لم تكن تتعرّض له من قبل عندما لم تكن تعرف بحقّها في ذلك. عندما نتكلّم اليوم، كلماتنا تولّد مزيدًا من العنف، وعندما ندفع نحو التغيير الاجتماعيّ أو على المستوى الشخصيّ، سنولّد مزيدًا من العنف، وسندفع أثمانًا، فالتغيير لا يحدث بسهولة.
**فُسْحَة: عند الحديث عن الأثمان الّتي تدفعها النساء، خاصّة اللّواتي يتعرّضن للعنف ولا يستطعن التكلّم عنه، أي أنّه يُخفَى من قبل الدوائر العائليّة أو المجتمعيّة، لا بدّ من الحديث عن الحلفاء الذكور وكذلك النساء الحاميات للذكوريّة واللّواتي يضطّلعن بدور هامّ في مساعدة الذكور على إخفاء ضحاياهنّ. سأبدأ أوّلًا بالحلفاء الذكور للنساء وللقضيّة النسويّة، هل ثمّة رجل حليف للقضيّة النسويّة في المجتمع الفلسطينيّ، وهل مخاطبة الرجال جزء من برامج «كيان» التوعوية؟
*رفاه: نريد الرجل الحليف لنا ولقضايانا. لا يمكن القول إنّ ثمّة ظاهرة لحلفاء ذكور غير ذكوريّين يقفون إلى جانب النضال النسويّ، كما لا يمكن القول إنّ كلّ النساء هنّ حليفات لنا في نضالنا النسويّ وهذه إحدى الأسباب الّتي دفعت «كيان» في البدايات إلى التركيز على النساء جمهورًا أساسيًّا لبرامجنا التوعويّة. كان واضحًا لنا كيف تُذوَّتُ النساء وتُربّى، وعندما أشير إلى التربية أتحدّث عن البيئة الاجتماعيّة، والثقافيّة، والعائليّة، والتقليديّة الّتي تصقل الشخصيّة الذكوريّة والشخصيّة الأنثويّة. لذلك كان مهمًّا لنا مخاطبة النساء وتحفيز وعيهنّ بذواتهنّ وإلى عدم طبيعيّة الوضع اليوميّ، وإلى أنّه من غير المنصف أن تعاني النساء يوميًّا صحّيًّا، ونفسيًّا، وجسديًّا. من هنا بدأت فكرة الاستثمار في النساء ورفع الوعي لديهن، وتدعيمهنّ وتمكينهنّ.
نتيجة لهذه البرامج، ولبرامج نسويّة أخرى، بدأنا نرى خلال السنوات الأخيرة نساءً يتقلّدن أدورارًا متقدّمة في التأثير ونشر الوعي النسويّ. ورأينا أنّ ثمّة إمكانيّة اليوم لنبدأ العمل مع الرجال، وكان واضحًا لنا أهمّية انخراط الرجال ممّن لديهم استعداد لتبنّي الفكر النسويّ، وممّن يؤمنون بعدم التمييز المبنيّ على الجنس.
في ما يتعلّق بالنساء الحاميات للبنية الذكوريّة، وذلك أمر طبيعيّ لأنّ النساء هنّ جزء من هذه المنظومة الاجتماعيّة الذكوريّة، الّتي هي جزء من حياة اعتدن عليها وتربّين عليها. لا يمكن توقّع أن تصبح النساء جمعيهنّ فجأة مناضلات نسويّات يسعين لتغيير الواقع القائم. في كلّ يوم نرى نساءً في مواقع مختلفة يُرسِّخنَ المفاهيم الذكوريّة، وكذلك في المواقع السياسيّة. لذلك شخصيًّا أدعم التمثيل النسائيّ النوعيّ وليس الكمّيّ، رغم ادّعاءات البعض بأنّ التغيير الكمّيّ سيقود إلى تغيير نوعيّ، لكنّي لا أرى ذلك صحيحًا. أهون عليّ أن يضطّهدني رجل من أن تضطّهدني امرأة، كما هو أهون أن يكون الاحتلال من يمارس الاضطّهاد السياسيّ لا سلطة فلسطينيّة. من الصعب عليّ رؤية امرأة قاضية تمارس عملها وفقًا للمنظومة الذكوريّة، بل أفضّل رجل أستطيع أن أوجّه إليه الاتّهام بجرأة وبوضوح. أجل، بعض النساء هنّ حماة للذكوريّة وحريصات على ترسيخ الواقع الاجتماعيّ، لكنّ ذلك لا يعني أنّ النساء هنّ سبب الواقع الّذي نعيشه، بل هنّ جزء منه.

**المصدر : عرب48
1