أحدث الأخبار
الأربعاء 25 أيار/مايو 2022
تحميل المرأة فاتورة الانفجار السكاني في مصر يعفي الرجل من مسؤوليته!!
بقلم : احمد حافظ ... 10.01.2022

تواجه المرأة المتزوجة في مصر العديد من الضغوط بتحميلها وحدها فاتورة الانفجار السكاني، فلا تتوقف المؤسسات الحكومية عن توجيه اللوم وربما الاتهام لها بأنها متخاذلة عن التعاطي بشكل جاد مع ملف تنظيم الأسرة وتحديد النسل وتتساهل في الإنجاب من دون ضوابط تراعي المصلحة العامة للدولة.
القاهرة - تصر الحكومة المصرية على توجيه خطابها للمرأة عبر حملات تنظيم الأسرة محملة إياها وحدها فاتورة الانفجار السكاني، غير مدركة أن الرجل أيضا مسؤول عن قرار الإنجاب، وفي البيئات الريفية والشعبية هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد عدد الأبناء، ومتى تحمل الزوجة أو تستريح من الإنجاب، ما يكرس عدم المساواة بين الجنسين.
وتكاد تكون كل خطط الحكومة موجهة بشكل أساسي للمرأة ما يضع عليها أعباء كثيرة، ويوحي للناس أنها المسؤولة عن الأزمة بسبب الإصرار على إقناعها باستخدام وسائل منع الحمل ودفعها لتنظيم النسل ومطالبتها بزيارة العيادات المسؤولة عن ذلك، ما جعل النساء أنفسهن يتساءلن: وأين الرجل من كل هذه الأزمة؟
عمرو حسن: القضية برمتها مرتبطة بالوعي وتغيير الخطاب الموجه للأسر
ولا يوجد مشروع تتبناه الحكومة في مسألة الإنجاب يستهدف الرجل أو يتعلق بإدارة شؤون الأسرة بشكل عام، مع أن تكافؤ المسؤوليات بين الجنسين يجعل من مشاركتهما في تحديد النسل ضرورة حتمية، على الأقل لإحراز تقدم نسبي في المساواة بينهما، كبداية لتغيير نظرة المجتمع للمرأة بأنها شريكة وليست تابعة.
ولأن الخطاب الرسمي يتهم المرأة، ضمنيا أو صراحة، بأنها المسؤولة الأولى عن أزمة الانفجار السكاني، فقد صار المجتمع نفسه يتعامل معها بنفس النظرة السلبية تقريبا، وفي بعض البيئات القروية هناك توصيفات مسيئة يتم إطلاقها على الزوجة المسرفة في الإنجاب، إذ يطلقون عليها “الأرنب” والمقصود بها أنثى الأرنب التي تلد كثيرا وبلا حساب.
مسؤولية غير متكافئة
ذهبت بعض الدراسات الاجتماعية إلى أن اقتصار وسائل منع الحمل وتركيز الخطاب الرسمي الخاص بتنظيم الأسرة على المرأة وحدها يؤسس لمسؤولية غير متكافئة على حساب النساء، لأنه يتم تحميلهن فوق طاقاتهن بما يعرض حياتهن للخطر ويجعلهن مستهدفات نفسيا ومتهمات بأنهن سبب أزمة مجتمعية كبيرة تؤثر على الأمن القومي.
ويعتقد متخصصون أن التعويل على المرأة وحدها في مسألة تحديد أو تنظيم النسل يكرس النظرة الدونية لها من جانب المجتمع وأنها مجرد وعاء لتفريغ الشهوات، وهي نفس الصورة الذهنية السلبية التي يتبناها المتشددون دينيا حيال المرأة، ودائما ما يتعاملون معها باعتبارها كائنا مخلوقا للمتعة والإنجاب وتربية الأولاد.
ورغم التقدم العلمي بشأن الوصول لوسائل منع الحمل بالنسبة إلى الرجال، إلا أنه لا يزال يتم الخلط بين القدرة الإنجابية والقدرة الجنسية للرجل، حتى صار هناك عداء وفوبيا عند الذكور من المشاركة في أي وسيلة تساعد على تنظيم وتحديد النسل، أما إذا تساهلت المرأة، كما يفعل الرجل، فتواجه لوما واتهامات متعددة.
عبير سليمان: المرأة في المجتمعات الشرقية مغلوبة على أمرها في قرارات الإنجاب
وعندما اقترحت منال محمد، وهو اسم مستعار لزوجة مصرية تقيم بريف محافظة البحيرة في شمال القاهرة، على زوجها أن يشاركها تنظيم النسل، على الأقل بارتداء الواقي الذكري أثناء العلاقة الحميمة، كاد الأمر أن يتسبب في أزمة أسرية معقدة بين الطرفين لمجرد أنها أرادت أن تحمله بعضا من مسؤولياته تجاه عملية الإنجاب.
فهي من النساء اللاتي يداومن على حضور الندوات التوعوية التي تنظمها وزارة الصحة في المناطق الريفية حول تنظيم الأسرة، حتى اقتنعت بحتمية التوقف عن الإنجاب عند عدد معين من الأبناء، لكن ظروفها الصحية تمنعها من استخدام وسائل منع الحمل، فالحبوب تسبب لها زيادة في الوزن وتؤثر على جهازها التنفسي، لذلك أرادت مشاركة زوجها في المسؤولية.
واصطدمت بأن زوجها يقوم بتعنيفها لأنه سيقوم بمشاركتها في ذلك، حتى أنه رفض كليا فكرة التوقف عن الإنجاب، رغم أن لديه خمس بنات، لأنه يرغب في أن يكون لديه ولد ذكر يحمل اسمه، وهو الفكر السائد في المجتمع المصري، بأنه مهما بلغ عدد الإناث لا بد أن يكون هناك ولد يقوم برعايتهن ويحمل اسم والده ويدير ممتلكاته.
وقالت منال لـ”العرب” إن الرائدات الصحيات المشاركات في حملات التوعية بضرورة تنظيم النسل معظم كلامهن يحمل المرأة المسؤولة وعندما طلبت منهن ذات مرة أن يدخل الرجال ضمن المشروع ليتم تغيير نظرتهم للإنجاب لأنهم أصحاب القرار ويجبرون زوجاتهم على الحمل المتكرر، جاءت الردود بالرفض لحساسية الأمر عند الذكور وارتباطه برجولتهم، وهذه من الخطوط الحمراء في المجتمع.
وأكدت الزوجة، وهي حاصلة على بكالوريوس في العلوم، أي أنها مثقفة وواعية، أن مشاركة الرجل في تنظيم الأسرة ترفع أعباء لا حصر لها من على أكتاف المرأة، لأنها لا ترغب في كثرة الإنجاب، لكن المعضلة في الرجل الشرقي الذي تستهويه فكرة “العزوة” ويتباهى بزيادة الأبناء لاعتبارات عدة من أهمها أن المجتمع يقيس رجولته بزيادة أولاده بدعوى أن خصوبته وقدرته الجنسية مرتفعة.

ويعكس حديث الزوجة أن المرأة صارت ضحية تركيز الحكومة على النساء فقط في تنظيم النسل، مع أن المساواة تقتضي أن يشارك الرجل في تحمل المسؤولية، وتعتقد مؤسسات رسمية أن الزوجة هي من تريد إنجابا أكثر، على خلاف الحقيقة، فأي سيدة تريد الاكتفاء بعدد محدد لتحافظ على صحتها.

وبات من الصعب أن تحقق الحكومة تقدما ملحوظا في محاصرة الأزمة السكانية دون البحث عن أصل المشكلة بعيدا عن اختزالها في العنصر النسائي، فالمرأة مهما اقتنعت بحتمية التوقف عن الإنجاب أو تطبيق التباعد بين فترات الحمل حفاظا على صحتها، فأغلب الرجال اعتادوا فرض قراراتهم بشأن عدد المواليد وتوقيتات الحمل وفق رؤيتهم، بغض النظر عما يمكن أن تتحمله المرأة من تبعات نفسية وصحية.
أسباب الأزمة
فحولة بعض الرجال مرتبطة بزيادة أعداد الأبناء
قال عمرو حسن رئيس المجلس القومي للسكان سابقا، وهو أيضا طبيب نساء وتوليد، إن إلقاء مسؤولية تنظيم النسل على المرأة وحدها، جزء من أزمة الزيادة السكانية، لكن المعضلة في أن هناك نسبة من الرجال غير مستعدة للتعاطي بجدية مع الوسائل المناسبة لتنظيم الأسرة، باعتبار أن ذلك يعد من الأمور المعيبة.
وأوضح لـ”العرب” أن مشاركة الرجل والمرأة في تحمل مسؤولية الإنجاب صارت حتمية لتكريس المساواة بين الجنسين وعدم تحميل الزوجة فوق طاقتها، وربما تعريض حياتها للخطر، فهناك سيدات يستخدمن وسائل منع الحمل ويحملن، وهذا أمر خطير على حياتهن أحيانا، ويستدعي أن يكون للزوج دور محوري في حل المشكلة.
ولفت إلى أن القضية برمتها مرتبطة بالوعي وتغيير الخطاب الموجه للأسر، فلا يجب اختزال المشكلة في المرأة، لأن الرجل في المجتمع الشرقي صاحب قرار الإنجاب، وهناك عادات وتقاليد غريبة توحي للرجل بأن دخوله في هذه المنطقة يؤثر على رجولته، مع أن ذلك قمة التحضر والرقي بعدم تحميل شريكته أعباء لا تقدر عليها.
وتعتقد منظمات معنية بشؤون المرأة أن تغيير قناعات الرجل بشأن الإنجاب ليتعلم كيف يشارك زوجته في القرار يقود إلى المزيد من تمكين المرأة في المجتمع، فعندما يستجيب ويتماهى مع فكرة استخدام وسائل منع الحمل أو الاقتناع بعدد معين من الأبناء، فإن ذلك يدفع المرأة لاستكمال تعليمها وعدم ترك وظيفتها لتكون فاعلة في المجتمع، لا مجرد أم تلد وتربي.
طالما استمرت قناعات بعض الرجال بأن فحولتهم مرتبطة بزيادة أعداد الأبناء سوف تظل المرأة تابعة ومجبرة على الإنجاب
وإذا لم يقتنع الرجال بمشاركتهم للنساء في اتخاذ قرار بشأن الحمل، لا يجبرون زوجاتهم على الإنجاب بشكل متكرر ويحترموا رغبتهن في الاكتفاء بعدد معين، والتماس الأعذار لهن، خاصة إذا كانت ظروفهن الصحية لا تسمح بالمزيد من الأبناء، إما لاستكمال التعليم أو الانتظام في العمل أو على مستوى التربية نفسها، فالأم تتحمل وحدها هذه المسؤولية.
وأشارت عبير سليمان الباحثة والناشطة في حقوق المرأة بالقاهرة إلى أن أي رجل لن يعرف ظروف المرأة وهل تتحمل المزيد من إنجاب الأبناء أم لا، إلا إذا كان واعيا لمتطلبات ومراحل هذا المسار برمته، ولن يتحقق ذلك سوى بمشاركته بشكل فاعل في عملية تنظيم الأسرة والنسل، ويقترب من هموم المرأة مع الإنجاب، والمتاعب النفسية التي تعانيها، والمشكلات الصحية التي تتعرض لها في أحيان كثيرة.
وذكرت لـ”العرب” أن المرأة في المجتمعات الشرقية بشكل عام مغلوبة على أمرها في قرارات الإنجاب، وقد يصل بها الأمر لتختار بين الاستجابة لرغبة زوجها، أو تنفصل عنه، أو تستجيب لأهمية تنظيم النسل، ومن الطبيعي أن تلبي رغبة الرجل في الإنجاب ولو لم تقنتع حفاظا على استقرار الأسرة وعدم تعريض حياتها للتوتر.
وأكدت أنها طالما استمرت قناعات بعض الرجال بأن فحولتهم مرتبطة بزيادة أعداد الأبناء سوف تظل المرأة تابعة ومجبرة على الإنجاب، وهذا بحاجة إلى تدخل حكومي للتركيز على الزوج وليس الزوجة لتغيير ثقافاته وعاداته والموروثات التي يؤمن بها كبداية لتحرر المرأة من هذا السجن وتخفيف العبء النفسي المدمر لصحتها.
وما يلفت الانتباه أن الحكومة تبدو مقتنعة بهذه الرؤية، لكن لا تبحث عن حلول جذرية لها، وكأن الجهات المعنية بملف تنظيم الأسرة تخشى الاقتراب من سلطة الرجل، فوزارة الصحة تقول إن نسب استجابة السيدات لحملات التوعية الخاصة بتحديد النسل مرتفعة، لكن مازالت أزمة كثرة الإنجاب موجودة ولا تقدم تفسيرات محددة.
يذكر أن فكرة إشراك الرجل في تنظيم الأسرة ليست بدعة أو دعوة غريبة تطلقها المنظمات النسوية دفاعا عن المرأة، فهي معمول بها في دول عربية مثل السعودية والأردن، وحققت نتائج جيدة بعدما أدركت المؤسسات المعنية بملف تنظيم الأسرة في هذه الدول أن التدخل في أزمة الانفجار السكاني يبدأ من مخاطبة الرجل والمرأة معا.
تجربة أردنية ناجحة
نجح الأردن من خلال اللجنة الوطنية للسكان في توعية الكثير من الرجال بضرورة ترشيد النسل وكانت النتيجة أنه بعدما صار الأزواج يحتكرون وحدهم قرار الإنجاب لعقود طويلة أصبحوا مؤمنين بمفهوم الشراكة الزوجية، وأحدث ذلك بالتبعية، لغة حوار بين الزوجين ترتب عليها ارتفاع منسوب الوعي الخاص بالصحة الإنجابية.
وقال الطبيب حسن لـ”العرب” إن مشاركة الرجل في تنظيم النسل تتطلب نسف المعتقدات التي ترى أن خطوة تحديد المواليد حرام شرعا لأن المتشددين زرعوا في أذهان الناس أن الرجل وحده المسؤول عن هذا القرار، وعليه إرضاء الله بزيادة أولاده ليتباهى بهم أمام الآخرين، وهذا يحمل المرأة مسؤوليات مضاعفة.
وأصبحت المرأة معنية بالإنجاب والتربية مهما بلغ عدد أولادها، وفي نفس الوقت يتم اتهامها بأنها سبب فقر الأسرة لأنها أنجبت الكثير من الأبناء، ما يعكس ازدواجية المجتمع والمؤسسات الرسمية، لكن من السهل مواجهة هذه الأفكار بإدخال الرجل كجزء أصيل في المعادلة ليشارك المرأة معاناتها ويعلم أن الأمر ليس سهلا.
ويتطلب تغيير قناعات الرجال بشأن زيادة المواليد إقناعهم بالمشاركة في تربية ورعاية الأبناء ليعيشوا معاناة المرأة وآلامها، وتكون هذه الخطوة بداية لتوعية الذكور بأن كثرة المواليد ليست رفاهية، بل تدفع فيها الزوجة فاتورة باهظة جسدية ومعنوية، وعلى الرجل أن يحترم ذلك ويتوقف عن استسهال الإنجاب دون حساب.
ويحتاج تقبل الرجل الشرقي لحملات تنظيم الأسرة والمشاركة فيها تكثيف جرعات التوعية ليكون جزءا منها ويلامس واقعه وأفكاره، بحيث تتبدل مواقفه ويقتنع بحتمية التعاطي مع المشكلة من منظور إنساني بعيدا عن مفاهيم الفحولة والمقاييس المختلة حول الرجولة وطرق إثباتها، كي لا تكون على حساب المرأة.
وإذا لم يكن ذلك متاحا مع الآباء الذين تقدم بهم العمر وفاتهم قطار التوعية، فالمهم التركيز على من هم في مرحلتي المراهقة والشباب، فهم أرباب أسر المستقبل، لتتغير نظرتهم مبكرا عن مفهوم الأسرة والإنجاب ودور المرأة، من خلال مناهج تعليمية يتم تضمينها بمفاهيم مرتبطة بالحياة الجنسية والصحة الإنجابية لتثقيف الأجيال الصاعدة بأن مسؤولية الرجل تجاه الأسرة أكبر وأهم من تلك التي تتحملها المرأة.

*المصدر : العرب
1