أحدث الأخبار
الثلاثاء 25 أيلول/سبتمبر 2018
أمهات عظيمات بعضهنّ لم يُنجِب!!
بقلم : سهيل كيوان ... 22.03.2018

في يوم الأم العالمي أتذكر أكثر أولئك النسوة اللاتي لم يستطعن الإنجاب ليصبحن أمهات، قد يكون لأسباب صحية وجسدية، أو لعدم توفّر النصيب، أو لأسباب ذاتية أخرى، فعشن حياتهن محرومات من طفل يخرج من رحمهن. لا بد أن الله يعوّض هؤلاء النسوة بأمور أخرى، قد تكون في الدراسة والتحصيل العلمي والتفوق في العمل، أو في أمور لا نعلمها.
أودُّ أن أقول لنسوة لم ينجبن أبناءً فتزوج بعلهن عليهن من امرأة ثانية أنجبت، فحضنّ وربّين أبناء غيرهن من النساء، سواء كانوا أبناء ضُرّة أو أخ أو أخت، كل المحبة وزهور الكون لكنّ، أنتن اللاتي حرمتن من طفل، تسهرن وتقلقن عليه في غيابه ومرضه وتفرحن بعودته، أنتن المحرومات من هذا، رغم بَذلِكُنّ أغلى ما تملكن في العلاج لأجل الحمل سواء كان على طريقة الأجداد أو في أروقة الطب الحديث وزراعة البويضات المكلفة، ولم يُكتب لكن أن تصبحن أمهات، أقدّمُ لكنّ كل الحب على ما قدّمتن وتقدّمن لأبناء الآخرين. أنتن أمهات عظيمات حقًا. كم أنت عظيمة أيتها السيدة التي ترعى وتهتم وتغدق حبها على ابن شقيقها أو شقيقتها أو صديقتها أو جارتها أو طلاب مدرستها التي تدرّس فيها، وقد تلتقط الصور معهم وتكتب…هؤلاء أغلى ما عندي.
كنت أستغرب في طفولتي أن لأحد أصدقائي والدتين، فكان ينادي، يَمّا غزالة تارة، وتارة يَمّا فاطمة.
من الطبيعي جداً أن تكون الأم البيولوجية حنوناً على أبنائها، هذه غريزة في الإنسان والحيوان، ولكن تطويع هذه الغريزة وتحويلها تجاه أبناء وبنات الآخرين، فهذه هي العظمة بل الإعجاز، أعرف من هؤلاء من تفوقن بحنانهن على الأمهات البيولوجيات.
أحيي الرجل الذي حُرم من هذه النعمة، ولكنه اقتنع بقضاء الله وقدره، ورأى بأبناء جيرانه وإخوته وأصدقائه وطلابه كأنهم أبناؤه، مثل هؤلاء الرجال، يستحقون في يوم الأم، أن نقول لهم كل التقدير والاحترام والمحبة لكم.
كذلك أخصّ الأمهات المُهجّرات بمشاعر لن تسعفني الكلمات بالتعبير عنها، فيهن أرى أمي التي هُجِّرت داخل وطنها وهي في الثانية عشرة من عمرها، هذه الحالة أثّرت بها وعاشت معها حتى آخر يوم من حياتها، ورغم ذلك حاولت طيلة الوقت كبت مشاعرها وما يعتمل في داخلها من ألم وحنين وفَقْدٍ وتجاوز حالتها، لمنح أبنائها السعادة والفرح، وقد فَعَلتْ، ليتَ روحي ياسمينة أغرسها فوق ضريحك يا أمي.
اللجوء له إسقاطاته وتأثيره النفسي، في كل مجالات الحياة، حتى لو كان هذا اللجوء على مسافة بضعة كيلو مترات من مسقط الرأس، فكيف بمن يلجأون إلى بلاد الآخرين، ويصطلون بنيران الغربة في كل خطوة وحركة يأتون بها، بلسع الهمسة والنظرة والكلمة الجارحة.
في استبيان حديث سينشر قريباً أجرته جمعية الجليل في شفاعمرو في أوساط المهجّرين الفلسطينيين داخل مناطق 48، أي أولئك الذين نزحوا داخل فلسطين وبقوا في داخل حدود دولة إسرائيل، واعتبروا حاضرين غائبين، ويشكلون 15% من عدد المواطنين العرب داخل ما يسمى الخط الأخضر.
بعد مرور سبعة عقود على تهجيرهم، يُظهر الاستبيان معاناة أبناء الأسر المهجّرة داخل وطنها، فهذه الأسر ونسلها أقل تعلمًا وتحصيلا من غير المهجّرين، وهي أقل قراءة للكتب والصحف. وظهر أن المهجّرين متدينون ومحافظون أكثر في تعريفهم لأنفسهم، وأعربوا عن أن هويتهم عربية فلسطينية أكثر من غير المهجرين، والنساء المهجّرات يعملن خمس ساعات أسبوعياً أكثر من النساء غير المُهجّرات. وملفت أن 34 % من المهجّرين أعربوا عن عدم رضاهم من الأمن الاجتماعي مقابل 10% من غير المهجرين، كذلك يشعرون بثقة أقل بأبناء البلدة أو الحي الذي يعيشون فيه، فقد أعرب 67% من المهجرين عن أنهم يثقون بمحيطهم، مقابل 87% من غير المهجرين الذين يثقون بمحيطهم.
ويتضح أن المُهجّرين يعانون من أمراض مزمنة أكثر، 10.5% من المهجّرين مصابون بالسكري، مقابل 5% من غير المهجرين. و التفاوت نفسه نجده بالنسبة لضغط الدم، والدّيسك، فالمهجّرون الذين قد يكونون جيرانكم يعانون من آلام ظهر ضعف معاناتكم.
كل هذا والحديث عن مهجرين مستقرين في وطنهم منذ النكبة، ولا يعيشون في مخيمات، بل في بيوت عادية وشقق مثلهم مثل بقية السكان العرب في إسرائيل، ومنهم من صاروا ميسورين ولهم مصالح كبيرة، وأبناؤهم يملأون الجامعات في الداخل والخارج،
فكيف سيكون الحال لو نظرنا إلى الأمهات والأسر المهجّرة في بلاد الآخرين! وكيف حال الأمهات اللاتي يعشن ظروف الحصار الطويل منذ سنوات، في قهر وخوف وقلة غذاء ودواء وبطالة وتعرّض يومي للغارات، والموت تحت الأنقاض والخوف من الاعتداءات بكل أشكالها، من الأطراف المتحاربة على كل انتماءاتها ومسمياتها.
كيف حال الأمهات اللاتي لا يعرفن عن مصائر أبنائهن وبناتهن الذين اختفوا قسراً، فلا يعرفن إن كانوا في السجون أو تحت التراب! كيف حال الأم التي رأت أولادها يُدفنون تحت الردم، وكيف وكيف وكيف! لا بد أن معاناتهن أضعاف أضعاف معاناة المهجرين والمهجرات داخل وطنهن، كان الله بعونهن.
ولا بد هنا من قبلة على رؤوس أمهات الشهداء والجرحى والأسرى في سجون الاحتلال والدكتاتوريات العربية.
أنظر بعين الأسى والغضب إلى تلك الأم البدوية في قرية أم الحيران في النقب، التي أبلغوا سكانها أنهم سيهدمونها خلال الأسابيع القريبة المقبلة، هكذا بكل بساطة يهدمون قرية ويشردّون أهلها ثم يسوونها بالأرض ليقيموا على الأرض نفسها قرية لليهود اسمها حيران، أزالوا حرفين من اسمها (أم)، وكم من قرانا ومدننا تبدأ بكلمة أم، أم الفحم، أم القطف، أم الغنم، أم الزينات، أم طوبا، أم خالد، أم بُطَيْن، أم الريحان، أم الرشراش، وغيرها الكثير.
لن أقول لأحد بعينه يا ابن الكلب كي لا يتهمني باللاسامية، سأقول إن الاحتلال والعنصرية والدكتاتورية والتعصب الأعمى بكل أشكاله، كلهم أولاد وبنات كلاب وكلبات ومسعورين ومسعورات كمان.
كابشن:
اللجوء له تأثيره النفسي في كل مجالات الحياة حتى لو كان على مسافة بضعة كيلو مترات من مسقط الرأس!!

1