أحدث الأخبار
الثلاثاء 17 أيلول/سبتمبر 2019
المعرفة وأيدولوجية الجهل المقنع!!
بقلم : مها صالح ... 22.10.2018

الجهل أو السعي لإنكار حقائق في زمن الانفتاح التكنولوجي واللوجستي والمعرفي ما هو الا ضرب سفيه يسعى لتقزيم ما ميزنا به الله عن سائر المخلوقات الا وهو العقل. العقل البسيط يميز بين الحق والباطل، الخير والشر، الظلم والعدل، لكن أن نجيز للعقل بأن يسعى لخدمة مآرب مشبوهة أو أفعال مذمومة ما هو إلا إمتهان للإنسان ووجوده المبني على الفهم الصحيح للأشياء. العقل هو السيد والقلب هو الخادم لهذا السيد لذلك كفانا تجني على عقل يرى بوضوح وعندما يصرح بما يرى نحكم عليه ضمنا او جهرا بأنه جاهل ويدخل العقل في دوامة من الصراعات والتجاذبات تختلط عليه الأمور وينصاع للفهم الخاطئ ومن ثم إلى الغلو في التحليل أو التفسير بغية التضليل وهذا ما تقوم عليه بعض العدالة المجتمعية أصبحت قاب قوسين أو أدنى لأننا نعلم شعوبنا على تزييف الحقائق وإشاعة الفتن لتحقيق مصالح شخصية للعنصر المسيطر أو أجندات خارجية مارقة وهنا يلعب هذان القطبان على إلغاء هذا العقل الإنساني البسيط ليحل محله جهلا مبنيا على الضياع الفكري لندخل في فوضى حياتية يضيع فيها الحق وتتحقق شريعة الغاب في سبيل تلميع صورة الظلم الذي يتجسد في أشخاص معينين على حساب الحق الذي يتجسد على السواد الأعظم في المجتمع. وكما قال الكاتب الأميركي " فرانك كلارك": ان السبب في انتشار الجهل أن من يملكونه متحمسون جدا لنشره.
ما نعانيه اليوم من مجاعة فكرية أصعب بكثير من مجاعة العيش مرت عبر الزمن لكن بأشكال مختلفة تبعا للمرحلة وللشخوص الذين يقفون على أعتابها. الاستقلالية الفكرية والمعرفة هما منبع الحرية بحيث يؤدوا دورهم من دون المساس بفكر وحرية الآخرين . وكما قال تشارلز داروين " لا يمكن لجمهورية أن تنجح إلا بعد أن تحتوي على مجموعة معينة متشربين لمبادئ العدل والشرف". وأنا أضيف النزاهة الفكرية والمعرفية والتي تتجلى بأبهى صورها على المجتمعات المتقدمة التي تقدس الحق وتذلل كل العقبات لإحلاله وتبغض الجهل وتنكره لأنها تضعها في قاع الأمم.
نحن نعيش بأزمة حقيقية تزداد حدتها بشكل مطرد بدءا بسياسة التجهيل مرورا بتزييف الحقائق وانتهاءا بأزمة الثقة بين الشعب والقيادة. لماذا نحن أمة تستخف بمواطنيها وتشهر عليهم سيف الطاعة العمياء؟! أنا أفكر اذا انا موجود وغير ذلك هو تغييب عن الواقع والفهم الطبيعي لحقنا في التفكير والتدبير وتقرير المصير. لا شيء يضعف من الانسان ويقلل من قدراته العقلية والذهنية غير سياسة "لا أرى لا أسمع لا أتكلم " والتي تشجعها بعض النخب السياسية لتمرير خططهم واستحواذهم على السلطة والمال ليبقى المواطن بسذاجته عبدا لفتات العيش وما يقرر عنه لاغين دور المواطن بإحداث ثورات تكنولوجية وفكرية ومعرفية الا عبر قنوات ضيقة هم من يقررها لا تخرج لنطاق أوسع خوفا من التحرر.
كم من أوطان عربية ماضيها أجمل من حاضرها على الرغم من انه يجب أن يكون العكس تماما نظرا لمواكبة عجلة التطور والحضارة والتي تتسارع كلما تقدم بنا الزمن بشكل تصاعدي، لكن ما يحدث مغايرا تماما لما يحصل بسبب وقوف الجهل أو تجميد دور المواطن في المساهمة في بناء وطن ونهج فكري متميز. الانسان ركن أساسي لبناء مجتمع وليس رقما للإحصاء، فتفاعله هو الذي يقوده للبحث والقراءة ومواكبة التطور والتحضر لكن عندما يستشعر أن لا دور له سوى ما يملى عليه هنا نكون قد ساهمنا في قتل التحفيز والطاقة الكامنة لدى الذات الانسانية وضياع المنطق في التفسير. حبنا لأوطاننا هو ما يجعلنا نتساءل عن الغاية من لعب دور الإنسان المغيب بالرغم من انه حاضر في جميع المحافل الدولية إن تسنى له ذلك لكنه غائبا عن وطنه قسرا!
تغيير الأيديولوجية (والتي تعني الأفكار والمعتقدات في أنماط سلوكية وفكرية معينة) السلبية القائمة على الضغط على المواطن لأن ينأ بنفسة من صناعة القرار وتستبدل في إسهامه في تطوير البنى التحتية(العقلية, والمادية) من منظور التشاركية مع أركان المجتمع سيساهم كما لا يدعو للشك على بلورة فكرة الديمقراطية والرأي والرأي الآخر الذي لا يهدم قيم المجتمع الصحيح بل يزيدها تألقا ورفعة. كفانا تملقا للجهل المقنع والذي يجسده ذاك المستبد على هيئة إنسان والذي يرغمك على قبول ما يملى عليك بصفة تحقيق المصلحة العامة لدرء الفتن والوقوع في المحظور لكنك بهذا الخضوع تضع اللبنة الأساسية في صناعة “الفساد”.

1