أحدث الأخبار
الجمعة 22 تشرين ثاني/نوفمبر 2019
الأكاديمي قيس سعيد رئيسا لتونس!!
بقلم : د.عبد الستار قاسم ... 15.10.2019

عبد الستار قاسم
وأخيرا وصل عربي من بين الناس إلى سدة الحكم في دولة تونس العربية. اعتاد العرب على قادة يسقطون عليهم من الأعلى من خلال توريث أو عن طريق دبابة وبندقية، أو من خلال إرادة استعمارية. قيس سعيد أطل علينا من بين الجمهور ولم يكن لأحد فضل في فوزه في الانتخابات إلا الشعب العربي التونسي. هذا الفائز عاش بين الناس وظهر من بينهم، وهو يعرف تماما همومهم وآلامهم وآمالهم وتطلعاتهم، ويعي ما يحزنهم وما يفرحهم، ولا خوف من جهل يقع فيه فيورط الناس بهموم جديدة. فالتهاني لشعب تونس الكريم، ولشخص الرئيس التونسي الجديد.
الرئيس قيس سعيد أكاديمي، وهو صاحب علم ومعرفة بالقانون الدولي والقانون الدستوري، ويعي تماما أهمية تطبيق القانون في إرساء قواعد الحق والعدالة على المستويين المحلي والدولي، ولا بد أنه على وعي تام بأنه الأكاديمي الأول الذي يخرج من بين الناس إلى صدارة الحكم، ويعي أن نجاحه أو فشله ينعكس على كل الأكاديميين في الوطن العربي. رئاسته هي رئاسة اختبار للأكاديميين جميعا الذين يتهمهم السياسيون بعدم المعرفة السياسية وعدم القدرة على إدارة شؤون الناس. خبرة الرئيس سعيد السياسية والإدارية غير عميقة، ولم يخض تجارب الكواليس الدولية، ولم يشارك في الدسائس والمؤامرات والتضليل والاختلاسات والسمسرة على الناس والأوطان، ولا بد أن الأكاديميين العرب والمثقفين ينتظرون منه أداء مهنيا سياسيا أخلاقيا يطور أوضاع تونس الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويرفع من مستوى الأفراد الأخلاقي والمهني، ويعزز مشاعر الانتماء والالتزام والحس بالمسؤولية. كثيرون ينتظرون منه الكثير، ويرجون تطور مقاربة حكم جديدة إبداعية على الساحة العربية تحشر حكام العرب في زاوية.
ما صدر حتى الآن من السيد الرئيس من أفكار وأقوال يبشر بخير، ويبعث أملا جديدا في قلوبنا ونفوسنا على امتداد الساحة العربية. إنه متنور ويؤمن بحرية الإنسان ومشاركة الآخرين في التدبير والتعمير واتخاذ القرار. هو لا يبدو استبداديا، ولا تظهر عليه علامات الغرور والاستئثار. هو شخص عادي، لا يرى في السلطة هيبة شخصية أو وسيلة للصوصية والثراء، وإنما مسؤولية وأمانة. ونأمل أن يكون واعيا لتأثير السلطة السلبي على الشهوات والنزوات والانحراف عن الحق والعدل. السلطة مغرية وأمارة بالسوء.
قرأت ما تحدث به الرئيس حول الإدارات الجهوية، وحول مهام الشباب في المقاربات السياسية والاقتصادية التي سيتبناها، لكن من الضروري الانتباه إلى أن فكرة القذافي حول الحكم الجماهيري كانت فاشلة، ومن الضروري الحرص في ظروف تونس على توسيع المشاركة السياسية، وتوسيع هوامش الحرية للأشخاص ووسائل الإعلام وإقامة النوادي والجمعيات الشبابية وتحفيز الناس إلى العمل والنشاط والإنتاج، إنما دون الانتقاص من دور المؤسسة الرسمية في تصحيح الأوضاع وتطبيق القانون وإقامة العدل. ذلك حتى لا نشهد تسيبا إداريا يلحق أضرارا بالمصالح العامة.
هناك عدد من الأمور لا بد من الحرص على إقامتها من أجل تحقيق نجاح لتجربة أكاديمي يتمتع بالتفكير العلمي والذكاء والمعرفة المنطقية الفلسفية. وأكتب منها:
1- من المهم والملحّ تعزيز ثقة الناس بالرئاسة لأن الجمهور هم أفضل الجهات التي يمكن أن تحمي الأوطان وتحرس الإنجازان التي يحققها المسؤولون. الاستناد إلى الناس لتحقيق الأمن والطمأنينة أفضل بمئات المرات من الاستناد إلى قوى لا ثقة بها أو الثقة بها ضعيفة. الشعب يحمي وطنه ومؤسساته ومقدراته وثرواته عندما تتوفر ثقة بمسؤوليه. الشعب ليس على استعداد للتضحية من أجل خائبين يسوقون الناس بأجهزة أمنية وقمع وقهر. وأفضل القنوات لتحقيق الثقة تتمثل بأمرين وهما: ملاحقة الفساد بقوة وشراسة حتى لو نجم عن ذلك بعض الظلم، والاقتصاد في النفقات الحكومية. يجب ملاحقة الفاسدين بدون رحمة ولا شفقة، ويجب تقليص النفقات الحكومية إلى أقصى حد ممكن. تقليص أعداد السيارات الحكومية، وتقليص النثريات، والتقليل من الموائد الرسمية والاقتصاد في نفقاتها، وتقليص المياومات، والتواضع في فرش المكاتب الحكومية بخاصة للوزراء ومن لف لفهم، الخ.

1