أحدث الأخبار
الاثنين 06 نيسان/أبريل 2020
دفاعاً عن كورونا…
بقلم :  سهيل كيوان  ... 13.02.2020

أنا لا أكره أي كورونا أو كوروني، ليست عندي تجاههم أيُّ مشاعر سلبية، فما هو ذنبهم في ما ينسبُ إليهم من جرائم قتل المئات بل الآلاف من البشر، وفرضِ حظرِ تجوال على عشرات الملايين، وحجز الناس في الحجرات على البواخر، وفي المطارات، وتفتيشهم تفتيشاً مجهرياً، ليس فقط بفكِّ الحزام وإنزال السروال والتحسُّس على ثنِيّات الجسد، بل فحص لعابهم ودمائهم وحرارة أجسادهم.
هذا لا يعني أنني أحب الكورونا، علّمتني التجارب أن لا أقع في فخّ الحب بسهولة، ولكن أحاول أن أكون عادلاً قدر الممكن، لتبرير ما يقال عن مواليد برج الميزان بأنهم يسعون إلى العدل.
لو حاكمنا هذا الفيروس محاكمة عادلة، لتساءلنا أولاً، كم يصرف البشر على الأبحاث الصحيّة وخصوصاً الدول العظمى، مقابل صرفهم على التسلح والأبحاث البيولوجية السريّة والعمليات العسكرية؟
ما ذنب هذا الفيروس إذا كان بعضهم يتباهى بملكيته لأسلحة بيولوجية، فأقاموا لها المعاهد والأبحاث وجرّبوها على الإنسان والحيوان؟
كورونا لم يقتل أحداً مع سبق الإصرار والترصّد،
كل ضحاياه سقطوا بصورة عفوية، بلا تخطيط وهو لا يعرف عنهم شيئاً، ولا يحمل لهم أي ضغينة، ولم يوجّه صواريخه عبر مئات الكيلومترات للقتل، هو لم يُخرج أحداً من بيته كي يطلق عليه الرصاص في الشارع أمام زوجته وأطفاله وأبناء حارته.
من حق كورونا أو غيره من الفيروسات أن يكافح للحصول على مناعة في مواجهة اللقاحات، فهو مسؤول عن صحته مثل أي كائن آخر، أم تتوقعون منه أن يقف مكتوف الأيدي وأنتم تحاولون إبادته؟
ليس ذنب كورونا أن مناعة البشر ضعيفة، وليعرف كل كائن حجمه الحقيقي في هذا الكون.
كورونا ليس كله شرّيراً، هناك كورونا ينادي بالتعايش السّلمي بين مختلف الكائنات ولكنكم لم تسمعوه.
كورونا ليس رئيس دولة ولا رئيس عصابة،
ليس جمهورياً شعوبياً ولا مَلكياً ولا فوضوياً ولا ديمقراطياً، كورونا ليس مؤمناً وليس كافراً، هذه قيم من اختراعكم أنتم.
كورونا لا يملك جواز سفر ولا جنسية، ولا يعترف بالحدود السياسية أو الجغرافية، فهذا شأن بشري، فلا يميّز بين صيني وياباني أو بين عربي ويهودي، وأبيض وزنجي، ورجل وامرأة، وفقير وغني، وصهيوني وماسوني وفلسطيني ولا غيره، باختصار، كورونا ليس عنصرياً كما هو حال مليارات من البشر، فعنده كل الخلايا الحيوانية سواسية.
كورونا لا يدري لماذا سمّوه بهذا الاسم، ويستغرب حين يسمع من يقول بأنه جاء كي يثأر لضحايا عقيدة ما ضد سياسة ما، فهو لا يتدخل في السياسة ولا في الصراعات العقائدية بين الأنظمة والأمم، هذا شأن بشري خالص.
كورونا لا يضطهد أحداً بسبب انتمائه البيولوجي.
لا ذنب لكورونا في الحرب الاقتصادية الدائرة بين أمريكا والصين، فهذه موجودة قبل ظهوره بعقود، وهو لا يلعن ولا يبارك وقوف أمريكا على الحياد كأن ما يحدث في الصين لا يعنيها، فهو قد ينتقل إلى أي بقعة على الكرة الأرضية بكل بساطة، ولا أحد يستطيع إسقاطه بصاروخ بتريوت أو إس 400 ولا غيرهما.
كورونا لا يرغب أن يكون سبباً في كارثة تاريخية لشعب الصين العريق، ولا يحب أن تصبح المدن التي تزوّد البشرية بكل أنواع البضائع قاعاً صفصفاً، لا يريد أي علامة فارقة سوداء في تاريخ الصين والبشرية، ولكن عليكم إنتاج اللقاح المناسب لوقفه، كذلك فهو يعدكم باستراحة المحارب في الصيف القريب.
ما يثير الابتسام هو ما أصاب بيرة كورونا المكسكية، فقد هبطت مبيعاتها بعشرات النسب المئوية في الشهرين الأخيرين في فلسطين التاريخية وخصوصاً في منطقة تل أبيب والساحل.
البشر جبناء يا سعادة الفيروس، يخافون من زجاجة صفراء عليها ورقة تحمل اسمك، يتطيّرون من الاسم، وهذا من حظ شركات ومستوردي أصناف الجعّة الأخرى.
بُحّت أصوات مسوّقي جِعّة الكورونا وهم يحاولون إقناع الناس بأن لا صلة قرابة بينهم وبين سعادته، ولكنهم مثل حرس الموانئ في أوطان القمع والاحتلال، يحاسبون الناس على تشابه الأسماء.
قررت منظمة الصحة العالمية أن تسميه كوفيد 19 (COVED19)، وهو اختصار لكلمات مرض فيروس كورونا 19،عام اكتشافه، كي لا يوسم بلدٌ أو شعب أو حيوان أو منتج زراعي أو صناعي باسم الفيروس فيضر به، فلا تقُلْ هذا فيروس الصين رفقاً بأمة المليار ونصف المليار، ولا تقل فيروس الوطواط.
في هذا السياق، وجدت الوطاوط نفسها متورطة في المعمعة، من حقها أن تغتاظ، هذا اللبون الوحيد الذي يطير، أو الطائر الوحيد المرضع، لا يكفي أنهم يصنعون منه حساءً، فقد اتهموه برعاية الفيروس وحضانته، لن نناقش أنواع طعامهم، فهذا شأنهم، ولكن في بعضها غرابة لا تحتملها أذواقنا هنا، نحن أحفاد الحضارات القديمة في المنطقة العربية وجوارها.
الوطواط لا نلتقيه إلا نادراً وفي الأمكنة المهجورة، وفي وطننا الكثير من هذه الأماكن، آخر مرة رأيت أعداداً كبيرة منه كانت في كنيسة مهجورة في بلدة البصة المهجّرة شمال فلسطين، استخدمتها جارتهم القرية التعاونية (بتْسات) كحظيرة للأبقار.
عندما دخلتُ الكنيسة، ألقيت كتلة جافة من رجيع ذوات الظلف على زاوية من السّقف، انزعج جمهور الوطاوط وطار المئات منها في حركة احتجاج قوية، وبدفعة واحدة مع صرخة حرب ونزال، وبدت لي كأنها تستعد للإغارة عليّ، وقفز في ذاكرتي مشهدٌ هيتشكوكي مرعب، فقفزت قفزاً خارجاً من الكنيسة إلى الفضاء المفتوح الرحب لأتنفس الصعداء!!

1