أحدث الأخبار
الأربعاء 05 آب/أغسطس 2020
المنجّم الذي صدَق!!
بقلم : سهيل كيوان ... 25.06.2020

يرتفع منسوب الغيبيات عموماً خلال الأزمات التي تهدّد حياة الناس، أو استقرارهم النفسي والمادي، مثل الكوارث والأوبئة والحروب والبطالة.
على الصعيد الفردي، هنالك غيبيات تطفو بتلقائية في وعي الإنسان، هي خط دفاعه النفسي الأول.
أما على الصعيد العام، فتطفو خرافات، تستند إلى «أبحاث» حديثة، أو كتب قديمة، تظهر فقط خلال الأزمات، وإلى تنبؤات المنجمين. في الوقت ذاته، هناك من يروّج للغيبيات والخرافات، ويسعى من خلالها لإشغال الناس فيها، وإبعادهم عن واقعهم. من بين هذه الغيبيات، ما بات في وعي الملايين كأنه حقائق، وهو في عقيدة المسيحيين الإنجيليين المتصهينين، الذين يدعمون إسرائيل بهدف بناء الهيكل في مكان المسجد الأقصى، الذي سيؤدي إلى ظهور المسيح المنتظر ومسحنة اليهود، بحسب رأيهم، أي أنهم سيصبحون مسيحيين، ثم معركة هارمجدون – شمال أم الفحم – التي من نتائجها تحوّل المسلمين إلى المسيحية بعد هزيمتهم ليصبح كل البشر مسيحيين.
من الملاحظ أن معركة هارمجدون مُتخيّلة على أساس المواجهة المباشرة بالرماح والسيوف ورماة سهام، وضاربي منجنيق، وعلى ظهور الخيل، وليست حرب صواريخ ولا تخريبا إلكترونيا ولا مُسيّرات ذكيّة. كذلك من اللافت، أن هذه الخرافة اقتصرت على الديانات الإبراهيمية الثلاثة، ولم تعمل حساب بقية البشر من الهندوس والبوذيين والملحدين وغيرهم، ممن يشكلون نصف البشرية.
في المقابل، تظهر غيبيات خلال الحروب العربية الإسرائيلية، تتحدث عن قرب ظهور المسيح المنتظر، وتقهقر اليهود، تارة من الشام وتارة من الرملة البيضاء في بيروت، وتارة من جنوب العراق، وتارة من شرق جنوب بحيرة طبريا، وتقهقرهم حتى عكا، حيث ينطق الحجَر، ويقول ورائي يهودي… تفضّل يا مسلم اقتله.
مع بداية حقبة كورونا، ومن قبيل الفضول، عاد البعض ليبحث عن تنبُّؤات المنجمين لسنة 2020، وتبين أن لا أحد من نجوم التنبؤات، الذين يظهرون في نهاية كل عام على الفضائيات، تنبأ بهذا الحدث العالمي، إلا أن بعضهم رفض الهزيمة، فسجّل فيديو بعد الحدث، وكما يبدو استخدم تقنية أظهرت تاريخه وكأنه من السنة الماضية، إلا أن التعقيبات فضحت هذه التسجيلات، فقد كانت كلها تعقيبات جديدة. في الشهرين الأخيرين، تناسلت بسرعة هائلة أخبار تتحدث عن نهاية العالم، فلا يمر أسبوع بدون كويكبات قريبة جداً، وتهدّد الأرض، حتى كسوف الشمس الأخير قبل أيام، اعتبر علامة لاقتراب النهاية. واضح أن الناس في أفقهم الضيّق، إنما يقصدون بالنهاية، هي قدرة عيش البشر على الكرة الأرضية، بمعنى أن العالم بدونهم لن يبقى عالماً، حتى لو كانت فيه مليارات الكواكب والمجرات، وربما أشكال مختلفة من الحياة. في الصرعة الغيبية الأخيرة، انتشرت أشرطة تزعم أن نهاية إسرائيل ستكون في عام 2022، يعني أصبحت في العناية المكثّفة. ويعتمد من يتوقعون هذا، على حساب أحرف وجمل، يجمعونها ويطرحونها من آيات من القرآن الكريم، ذُكر فيها بنو إسرائيل، ويزعم هؤلاء أن حاخامات اليهود، يعرفون بأنهم سيتجمعون كلهم في فلسطين، وستكون نهايتهم هنا.
هذا ليس جديداً، فالمسيحيون الإنجيليون يؤمنون بأن النهاية باتت قريبة جداً، وستبدأ من القدس، وبالذات مما يسمونه جبل الهيكل، وهي البقعة المقام عليها المسجد الأقصى المبارك، وقبّة الصخرة المشرّفة، والرئيس ترامب يساعدهم في تحقيق النبوءة ليكسب ودهم وتأييدهم. بعض الغيبيات، تنشرها جهات رسمية لها مصلحة لإلهاء الناس عن ما تفعله دولة الاحتلال على أرض الواقع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك من ينشرها لإشغال الناس عن تقصير الأنظمة تجاه شعوبها، وتجاه قضيّة الأمة العربية كلها، وذلك أن الحل عند المسيح المنتظر فماذا تريدون منا؟ صحيح أن لدى البعض حاسّة حَدْس أقوى من غيرهم، ولكن ليس لدرجة استكشاف الغيب، أما معظم الغيبيات والتنبؤات فتدخل في خانة الكذب والدّجل.
أعتقد أن المنجّم الذي صدق، هو من تنبأ بأن سنة 2020 ستكون سنة سعادة ورفاه وتقدّم. بالفعل هي سنة سعادة لمليارات من الأحياء البحرية والبريّة، ولطبقة الأوزون، ولمياه البحار والأنهار والأجواف وللهواء. هي سنة البيئة، وهي سنة سعادة لمن حُجروا في بيوتهم، واختلوا بأنفسهم واكتشفوا بأن لهاثهم في الليل والنهار، وإهمال أنفسهم وأسرهم بهدف الربح لتحقيق السعادة، ليس سوى فخٍ من سراب محكم الصنع. معظم الفلاسفة رأوا السعادة، من خلال اكتفاء الإنسان بذاته، وأعتقد أن فئة الفنانين والأدباء، هم أكثر الناس سعادة واستفادة من الحَجر والعزلة، فهي تمنحهم وقتاً كافياً مع مخطوطاتهم وألوانهم وآلاتهم الموسيقية ونغماتهم.
في النهاية، الإيمان في الغيب، يعني الاطمئنان بوجود خالق ومحرّك للكون، وليس الإيمان بالتنجيم، ولا الخوض في تفسيرات وحسابات جمل وأحرف، كما يحلو لهذا أو ذاك، بما يلائم مصلحته أو راحته النفسية، لا بما يزعمه المسيحيون الإنجيليون المتصهينون، ولا في كتاب الجفر، ولا في تنبّؤات نوستراداموس ولا العجوز الهنغارية العمياء، ولا السيّدة الكويتية، ولا نجوم الأبراج عشية كل عام جديد، فالإيمان الروحي بالغيب شيء، والتنجيم وصناعة الأوهام لتمرير أجندات سياسية، أو للشهرة وجمع المال شيءٌ آخر.

1