أحدث الأخبار
الجمعة 17 أيلول/سبتمبر 2021
فلامنكو موريسكي وفلسطيني…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 15.07.2021

يقال إن رقص وموسيقى الفلامنكو من إبداع المورسكيين، وهم من المسلمين الذي بقوا في إسبانيا معتنقين المسيحية إكراهاً بعد طرد العرب من شبه الجزيرة الإيبيرية عام 1492م بعد ثمانية قرون من حكمها.
ويقول باحثون من الإسبان والعرب إن لفظة فلامنكو منحوتة من كلمتي “فلاح منكوب” وهو الفلاح العربي الذي صودرت أرضه وأملاكه بعد سقوط الحكم العربي في الأندلس، وهناك تفسير يقول إنها “فلاح منكو”، أي أنه يعرِّف على نفسه لفلاحين مثله ممن اضطروا لتغيير ديانتهم، أي أنها كلمة سِرّ بين الفلاحين العرب المسلمين.
الفلامنكو ألوان، ومنه غناء أقرب إلى البكاء، وهو ما يطلقون عليه كانتي خوندو- الأغنية العميقة التي يحمل صاحبها ألماً شديداً تشعر فيها أن المغني يكاد يختنق وينفجر من داخله وهو يؤدّيها، وكأنه يخشى أن يسمع صوته أحدٌ، ويرثي نفسه، وخلالها يرفع أصبعه الشاهد، وهي شهادة المُسلم، وحتى اللفظة التي يلفظها، “أولّي”، فهي كلمة الله، ولكن حرصاً وخوفاً من محاكم التفتيش كانوا يطلقون الكلمات مشوّهة عن أصلها العربي، لأن العربية حظرت في كل شبه الجزيرة الإيبيرية.
هناك عدة أنواع من عزف الفلامنكو على الجيتار، أحدها يُعزف بنفض الأصابع بالتتالي وبأقصى سرعة على الأوتار، أو في رشّات برؤوس الأنامل هبوطاً وصعوداً سريعاً باسترخاء الذراع، فلا يتحرك خلالها سوى رسغ اليد بينما تبقى بقية الذراع ثابتة، وهذا يطلقون عليه تسمية إسبانية (راسجيادو-RASGUEDU )، فما الذي تعنيه هذه الكلمة؟
انتبهت أن أستاذاً واحداً فقط من بين جميع معلِّمي الجيتار على اليوتيوب، وهو صديق مصري يدعى أحمد عدنان، قد فسر معنى كلمة راسجيادو، وأوضح بين قوسين (رُسْغُ يدو)، في إشارة إلى أن أصل الكلمة منحوت من الكلمتين العربيتين.
إذن فهو عزف رسغ اليد، لأن الذي يتحرك فقط رسغ اليد وليس الذراع، وهذا أثار فضولي إلى مزيد من البحث، فعثرت على لون يطلقون عليه تسمية (ألزابوا- alzapua) ومعروف أن الكلمات الإسبانية التي تبدأ بـ”أل”، هي كلمات ذات أصل عربي، لأنها أداة التّعريف العربية.
دفعني الفضول للبحث عن (ألزابوا)، فلم أجد لها في الإسبانية أي معنى حسب ترجمة جوجل، قلت لنفسي لعلها الصَّبوة، أو الصَّبا، شاهدت أفلاماً على اليوتيوب كيف تُعزف (الزابوا) مع شرح قدمه مدرِّسون أجانب وعرب، فتبيّن أن العازف في هذا اللون لا يستعمل سوى أصبع الإبهام، إذ يقوم مقام الرِّيشة هبوطاً وصعوداً على كل الأوتار، بحيث يستعمل باطن الأصبع في الهبوط وظَهر الأصبع، حيث ينبت الظُفر في الصعود، إذاً فـ”الزابوا”، هو الأُصبع، وهذا مصدر التسمية.
راسجيادو-رسغ اليد، وألزابوا- الأصبع، تؤكد نظرية أن أصل كلمة فلامنكو عربي، وهذا ليس غريباً إذا عرفنا بأن المورسكيين كتبوا بلغة الألخميادو، وهي كلمات إسبانية بأحرف عربية، ولم يكن هؤلاء المسلمون المتنصِّرون يعرفون الكتابة بالأحرف الإسبانية، فسُمح لهم بالكتابة بأحرف عربية، ولكن الكلمات إسبانية، مع اختلاف اللفظ في بعض الحروف بين اللغتين والتشويه المتعمّد لبعض الكلمات كي لا ينتبه المفتشون لاستعمالهم العربية المحظورة، وخصوصاً أي كلمات تشير إلى دينهم أو أصولهم.
كان الكبير نزار قباني قد كتب للفلامنكو:
فلامنكو
وتستيقظ الحانة الغافية
على قهقهات صنوج الخشب
وبحَّة صوت حزين
يسيل كنافورة من ذهب
وأجلس في زاوية
ألُمُّ دموعي
ألمُّ بقايا العرب
أما درويش فقد جعل الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس.
الفلامنكو حزين عموماً، كيف لا وهو يخرج من حناجر المنكوبين ويروي قصصهم ومآسيهم وإن كانوا يغلّفونها بقصص الحبّ.
رسغ اليد والأصبع- شواهد لُغوية على أصل الفلامنكو، ولا شك بأن هناك كلمات أخرى من أصول عربية تشوّهت لأسباب تاريخية سياسية، ففي الإسبانية أكثر من أربعة آلاف كلمة عربية.
من بقوا في الأندلس من العرب اضطروا إلى إخفاء لغتهم وديانتهم، وشوّهوا الكلمات والألفاظ ذات الأصل العربي، الدينية منها بشكل خاص. وحسب باحثين أسبان، فإن كلمات أوولولا التي يهتف بها الراقصون مع بداية التصفيق، هي تشويه صوتي لـ”لا إله إلا الله”.
ذهب ملوك وأمراء ولم يبق من ذكرهم شيء إلا لدى المختصين والباحثين، فمن يعرف من هم ملوك وأمراء الأندلس! معظمنا يعرف أوّل من دخلها فاتحاً، ونعرف كذلك آخر ملوك العرب الذي سلّم المفاتيح وخرج منها، ولكن الفلامنكو تطوّر مع مرور الزمن ليصبح فناً عالمياً، وهو في الواقع فن عربي وإن كانت حضانته إسبانية.
تتلاشى الدول والممالك والحضارات في غياهب الزمن، وتبقى الفنون خالدة، تبقى التُّحف المعمارية، ويبقى النحت في الحجر، وتنتقل القصص والأشعار والموسيقى.
كثيرون قارنوا ما يحدث في فلسطين بالأندلس، رغم الفروق الجوهرية في الحالتين، والفارق الزمني بين العصور، وارتقاء حقوق الإنسان إلى مستوى أفضل بكثير مما كانت عليه قبل خمسة قرون، ولكن في معايير القرن الذي نعيشه، فإن مآسي الفلسطينيين تتشابه في أحيان كثيرة مع مأساة المورسكيين، إضافة إلى النكبة الكبرى، فقد جرى إلغاء الصِّفة الرسمية للغة العربية، وهي خطوة تنبئ بمزيد من محاصرة العربية في المستقبل.
وفي القدس بشكل خاص، ترغمُ الكثير من العائلات العربية على هدم بيوتها بأيديها بأوامر من محاكم الاحتلال، بحجّة عدم الترخيص، ولن تحصلوا على ترخيص ولو حرصتم، ومن يرفض هدم بيته بيده فإنه محكوم بدفع تكاليف عملية الهدم التي ستنفذها قوات الاحتلال والتي تصل إلى 200 ألف شيكل. ومنذ بداية هذا العام، هدمت السلطات أكثر من سبعين مبنى ومنزلاً، تخيّلوا القهر الذي يشعر به من يهدم بيته بيده، فهو فلاح وعامل وتاجر وموظف منكوب.
وأي حزن أقسى من حرمان أمٍ أسيرة من وداع ابنتها الوداع الأخيرـ فلا قبلة، بل وردة افتراضية ترسلها لها من شباك زنزانتها في دامون الكرمل.
مضت قرون، وما زال حزن المورسكيين والعرب عميقاً، خصوصاً وأن إسبانيا ما زالت تحتل أراضي مغربية، ويخطئ من يظن أن الفلسطينيين سوف ينسون ما حلَّ بهم من نكبة وقتل وتنكيل وعسف وإذلال وتشريد ونهب وتخريب وتدمير وظلم ما زال يتفاقم يوماً بعد يوم.

1