أحدث الأخبار
الخميس 18 تموز/يوليو 2019
" توبلو" : نشيد للحرية بلغة التجاوز !!
بقلم : د. ياسين بن عبيد ... 23.02.2019

*مقاربة تأويلية
أخالط بين الحقيقيّ فيّ
وبين الشبيه.
هكذا ختم الشاعر الفلسطيني صلاح أبو لاوي قصيدة "توبلو" . إنها خاتمة تفتح شهية السفر داخل الذات العربية الموجعة، وشهية الاستزادة من الوعي بالجرح المنوط بالشعراء أن يقولوه على طريقتهم، وشهية مساءلة الأنا المفجوع في أناه، الباحث عنه في مرايا الآخرين!!
لو لم يكن صلاح أبو لاوي شاعرا لكان شاعرا بهذا النص، ولو لم يكن له مِن جناحٍ في أمة الطير يبلغ به المعراج منتهاه، لكان جناحاه من هذا النص قوله:
وأنا صورة الشعر
ما قيل منها
وما عجزت أن تحيط بها الكلماتْ
.........
كأني رجعتُ من الشعر في ومضةٍ
أو صعدتُ من البئر قبل اكتمالي
فعاجلني قمرٌ مطريٌّ على شاطئ اللحظاتْ
" وأنا صورة الشعر" .. لا الشعر ذاته.. كأنه الفصل ـــ على طريقة فلاسفة الوجود ـــ بين ماهية الشيء وتعيّناته الخارجية؛ كأنه إلماع المتفجّع على هويته إلى انكسارها بما يجبر غيرها؛ كأنه حقيقة الذات العربية السائرة سير الهائمين في رمال عصرها المتحركة...لا تدري لها في مواطئ الرِّجْل شبرا، ولا في مَحالِّ الأمان من العِثار محلاًّ !!
"وأنا صورة الشعر"...ذاك هو مفتاح تجربةٍ تنوب عن كثيرات من شبيهاتها، وتتجاوز كثيرات من نقائضها في الشعر العربي الحديث والمعاصر، منظورًا إليه لسانَ الرفض المتبقي، وسيف القطيعة مع الخطابات المستهينة بواقع لم يعد يجد من يؤمن به إلا قليلاً، لأنه من قبيلٍ لا يكلِّف إلاّ ما يكلِّفُهُ إنتاجٌ لفظيٌّ هو إلى الترف منه إلى الجادة أقرب، وهو في الوصف السَّطْحِيِّ أوغل منه في العنت الذي تجده قضايا التحرّر وباقي مشكلات الوجود.
نعم...لهذا خُلِقَ الشعر...في سياق حضاريٍّ الغلبةُ فيه للابتلاع بوسائل الدمار الشامل، والدورُ فيه على من لا يملك منها شيئا،والعبرة فيه بالجماعات التي تتهاوى هنا وهناك في أجزاء الأرض التي تئنّ تحت الظلم المبرمج، وتتلوّى في منحدرات الضياع لأنها لا تصادف إلا من ينصر عليها وإن كان ذا قربى، ولا يقربها من الأهلين إلا مضروب في عزّته مساوَمٌ في مقوّماته... !
لهذا...ولهذا خصوصا...جاءنا من جاءنا غازيًا وفي حقائبه جزء من تاريخه المظلم...فدعتنا دواعينا إلى أن نُشْهِر في وجهه ما لا يملك له دفعا، وما لا قبل له بدحضه: الشعر!
جاءنا من جاءنا وفي يده العقل الذي هندس للخراب مرّتين والثالثة على وشك، وأطفأ شمس الله مرّةً ليوقد القمر الموءود في صدره أخرى...كلّ هذا ليقول بفرعونية لا غالب لها إلا الشعر: أنا.......... !
نعم أنا...."أنا صورة الشعر"....أو هكذا خُيِّل َ لي أن "تُوبِلُو" تقول !

ــ 2 ــ
ختم كما ذكرنا، وبدأ كما سنذكر:
العصافيرُ في تُبِلُو لا تنامْ
العصافيرُ تحرسُ أحلامَنا في الظلامِ لنحرُسَها
حين ينهضُ شيخُ الكلامْ
للحرية في نص صلاح رامزاتها، وللحرية في أنفاس نصه إلى منقطعها مركزية موضوعية، دالُّها العصافير وهي مفاتيح المعنى وسيّده في أكثر مقاطع القصيدة. المعهود في معارض الشعراء أن يستعيروا الطير للسلام، ولكنّ أبا لاوي يخالف به الانفعال ـــ على ما أظن ـــ فيأتينا بالطائر الحرّ الذي لا يزعجه الشتات، الذي يذهب مذهبه حيث يشاء، مزاوجا بين الصدور الحرّ في تحليقه وبين حراسة الأحلام...الليلُ موعدُ الأحلام والعصافير حُرّاسُها !!
يكفي ألا تنام العصافير إذن لندرك أن الليل بأحلامنا طال ويطول، ويكفي أن تسكت البنية اللفظية عن الليل لينطق الحقل الدلالي بأجمعه في بؤرة التوتر ـــ بلغة أهل السرد ـــ عن المعضلة التي تدور حولها تفاصيل القصيدة، كما سنبيّن.
العصافير في تُبِلُو حارسة أحلام، ولكن أحلام من؟ هل كان يكفي أن يستوطن الشاعرُ مجال حرية هاته العصافير ليصبح " على عينها" لا يخشى من نواقض الحرية شيئا؟ ثم إن الذي يثيرني حقّا، هو حديث الشاعر بضمير الجمع (أحلامنا)...فتصبح للدلالة معادلة غير منتظرة: نطالب برعاية أحلامنا، والوقوف في تحقيقها موقف الحسم غير المتردّد، في أرض هي غير أرضنا، بلغة أخرى: في أرضٍ يتمحّض عُمَّارُها، أو بالأصح مهندسو الحياة فيها، لاغتصاب أحلامنا، وافتراس أمانينا.
هل تطرح هذه الفاتحة مشكلة الهوية الشرقية، بصورة عامة؟
لا يبدو ذلك، فالشاعر ـــ في إهابته بضمير الجمع ـــ يتحدّث بلسان الإنسان، وبلغة غير منتمية، في بداية النص على الأقل، تكريسا لثقافة الجوار بين كل مكونات الحياة على وجه الأرض، وما جدلية الطير / الإنسان إلا بوابة الدعوة إلى تقارب الإنسانية، ما دام التعانق مشهودًا في واقع هذا الجزء من القارة البعيدة، ومقروءًا ـــ بلغة الطير ـــ في "تُبِلُو".
فلسطينيا، يمضي النص في ترقيته الخطاب الثوري، على نهج هادئ يعكس عدالة القضية ومشروعية التشبث بها، غير أن المقصود بالخطاب هنا هو وجدانٌ لم يُتَحْ له أن يَعْرِف ما يُطْبَخ في الدوائر الرسمية، وما يُعَدُّ في مستويات أخرى من مشاريع ابتلاع الإنسان ومدّ الرِّجْل الآثمة في أرضه، وإجهاز اليد الغاصبة على حريته وحقه في الحياة.
قضية الشاعر ـــ وإن فلسطينية بالدرجة الأولى ـــ هي كذلك إنسانية، تَنْشُدُ إباءً وكرامةً يعيش بهما الإنسان حيثما كان، ويرتقي بهما إلى مستوى ما هو به مخلوق لعمارة الأرض لا لخرابها، ومعدودٌ للفضيلة، فضيلة التحضر بجميع سيميائياته، لا للنقيصة، نقيصة التراجع وأخواته وبنات عمّه !!

ــ 3 ــ
تُبِلُو
أمْ أقولُ الجنانُ الّتي وعدَ اللهُ أن يبعثَ المؤمنينَ إليها
مدينةُ حُلمٍ على كفّ ماءْ
البحيراتُ فيها ومن حولِها
كغمام الرّبيعِ يطرّز ثوبَ السماءْ
وبها الأعينُ الحورُ
والخُضرُ والزرقُ
يسلبنَ أفئدة الأتقياءْ
المكان أحد أهم المهيمنات في النص، ولا غرابة في ذلك فعنوان القصيدة مكاني بمعناه الفيزيائي وببعده الرمزي، بما يعطي سلطة للمكان يتشكّل منها الخطاب وتتفاعل دلالاته لتصبح رسالة متعدّدة الشفرات متحدة الغاية.
تُبِلُو، بعناصرها الطبيعية (الجنان، الماء، البحيرات، السماء)، وبعناصرها البشرية (المؤمنين، الأعين، الحور، الأفئدة، الأتقياء) هي بكل هذا مدينة جميلة لا شك، تحبس كثيرٌ من ملامحها الأنفاس، ولكن ذلك ليس غريبا ولا هو جديد على الشاعر، وهو ابن الشرق الذي يتوفر على كل زينة، بل يختزل جمال الكون وبهاءه، فما هي رسالة هذا الوصف، ونحن بعدُ في مداخل النص لا في صلبه البعيد؟!
انتهت بنا الدراسات النفسية إلى أن للمكان على النفس الإنسانية وعلى سلوكياتها أبعد الأثر، وأفهمونا بأن طريقة تفكير الإنسان، ومواقفه، خياراته في عمومها منسجمة ـــ سلبا وإيجابا ـــ مع طبيعة المكان الذي تعيش فيه. في معارض النص المذكورة تذكير لحوح للمجتمع الأمريكي بهاته الحقيقة، فالأمة التي هذه مَناشِئُها، هي التي تقنّن لابتلاع الأمم، ولا تتردّد ـــ في سبيل مصالحها ـــ في تغيير خرائط المعمورة. لها من الإمكان المادي، ومن العنصر الطبيعي والبشري، ما يؤهلها لأن تكون وعاءً للإنسانية، إنسانية أخرى أعني، وأن تكون محضنا لحياةٍ أقلّ ما فيها صونُ الإنسان والارتقاء به، ولكنها لا تفعل؛ على أن أسلوب النص أسلوب ضمني، بعيد عن التجريم، مواطئ للنزوع الحضاري الذي رافق الشاعر في كل مراحل القصيدة، وإن كان شيء منه وراء مرارة ـــ كأنها مشروعة بالنظر إلى التكافؤ المُهْدَر ـــ يُسَجِّلُها انصرافُ هذا النعيم عنّا:
فلماذا إذنْ
يا إله السماواتِ والأرضِ
يسّرتها لسوانا
وأسكنتنا في الجحيمِ ليوم الحسابْ
لا يستوفي التضمين معناه إلا جامعًا بين طرفيه، فلهجة الشاعر المستحسنة لمخايل النضارة في تُوبِلُو، المحيلة على الجهود "المحلية" في بناء أوطانها ـــ وإن على حساب الآخرين ـــ هي نفس اللهجة، بأسلوبها نفسه، الآخذة على المزاج الشرقي تركَه عمارة المكان الذي يعيش فيه، وتعهُّدَه بما يليق به. لا يحتاج الأمر إلى المزيد من الإيضاح، وإلى الاستطراد في استعراض الخراب الذي هو خراب الدار العربية، بتسميات مختلفة، وبعضها تمّ بأيدي بنيها، في قلب غريب للفصول صيَّرَ الخريف ربيعًا !!
لم يراهن "الآخر" ــ في منظور الشاعر ـــ في عمارة المكان على الوسائل المادّية أيًّا كان مأتاها، بل على الاستثمار في الإنسان الذي يطوّع الأرض، ويحسن ترتيبها ليعيش فيها سعيدًا كما يريد أن يكون سعيدًا، لا كما يتهيّأ من ظروف زمكانية لم يصنعها:
تُبِللو
وأنا والقليلُ من الغراباءِ هنا واجمونَ
يمرّ بنا المسرعون لأعمالهمْ
مثلَما النحل ينسكبونَ بحضن الطبيعةِ
مستسلمينَ لأحلامهمْ
يزرعونَ كرومَ النهارِ
لكأسٍ صغيرٍ مساءً
على شرفاتِ الصديقات والأصدقاءْ
لا يتأتّى الارتباط بالأرض، والإيمان بها، خارج القيم المؤسِّسَة التي هي أسّ هذا الارتباط، ولا ارتباط َ بالأرض خارج المرتبط بها الذي يطوّع نفسه كلية لها. يمكن الحديث ـــ في سياق القيم المؤسّسة ـــ عن عوامل مهيمنةٍ ودالّةٍ كالعمل، الوقت، الإرادة وما يشبه هذا:
يمرّ بنا المسرعون لأعمالهمْ
مثلَما النحل ينسكبون بحضن الطبيعة
هذا هو الزمن غيرُ المُهْدَر فيما لا ينفع (المسرعون / ينسكبون)، بل إلى التشييد هو خالص (لأعمالهم)، وإعمار ما يجب أن يُعْمَرَ من الأرض ( حضن الطبيعة)، لغايةٍ تتعلّق بمبدإ الإيجابية من حيث هو شعار للحياة غير منظور إلى ما يجرّ من نفع ذاتي قريب (يزرعون كروم النهار).
تلك هي نظرة "الآخر" إلى أرضه، فهل لها من نظرة الشرقي إلى موطنه رَسِيلٌ، وإلى القيم الوسيطة بينه وبينه؟ جواب هذا موكول إلى المنطق الذي درج عليه النص بلغته الشاعرة !!
المنعطف الأكثر إشكالية، في قضية الارتباط بالمكان على النحو الذي صوّرنا، يتمثل في بدلية يعزّ عليّ شخصيا أن أفهمها خارج الشعر، وهي اتساع قلب العدوّ لنا لما تضيق بنا الأمكنة:
حين تسْكنُ قلبَ عدوِّكَ
تُدركُ كم تصعدُ الأرضُ مثل براقٍ
ووحدَ كَ في الرّملِ تنتظر الأنبياءْ
طبيعة النص الجمالية، ومزاج النّاصّ المثالي اجتمعا لسحب المكان من المدى المنظور للعين والمتصَوَّر للذهن، لِيُحِلاَّه في موضعٍ به من آليات الدفع والرفض ما به، وليضفيا عليه من الأريحية ما يُصَيِّرُهُ ملاذًا ــ وإن مؤقتا ــ للغرباء.
قد يتجه المعنى إذا اعتبرنا الشاعر ناطقا بقلبه الشرقي، الشرق الذي استوعب المزاج الإنساني الجامع، وصدّر هذا المزاج عبر القرون ــ كما هو بادٍ ــ لمن لم يحسن استيعابه. بعيد أن تنحاز الكانبالية عما هو فيها طبع وسجية، إلى كيانٍ يحضن المشابِهَ والمخالف، وإلى وعاءٍ تلتقي فيه الواجهات والأدبار التقاء القرين بالقرين. هي سبيل ننتظر فيها "الخلاص" الذي لا يأتي به غير الأنبياء، فوحده الشرق أرض النبوة، ووحده قلب الشرق مهبط الإيمان بها، شاعرا وغير شاعر !
دارت أخيرا سيميائية المكان لتلفّ كلّ ما فيه، أليفا وغريبا :
قالتْ
وموجُ ابتسامتِها يستعيرُ المكانَ
فتكبُرُ دوّامتي
قلتُ:
لا تشبهين سواها
على موعد سنظلُّ
أنا غائبٌ في الزمانِ
وأنت بديلُ الصفاتْ
فالابتسامة التي تستعير المكان داخلة في بناه الكلية، مُشَكِّلة لمعماره العام، ولا تنفك عنه لأنها من عناصر تكوينه وتصويره. فكل جزء من هذا النسيج البديع مُشيِّدٌ لوحدة نظامه، مرتدٌّ إلى أصل فيه ومتزَيٍّ بالملمح العام الذي يَتغنّى به نشيد تُوبِِلُو.

ــ 4 ــ
كما هو متوقّع، غيَّبَ الحسّ الأنثى ولكنّ الشعر في تُوبِلُو استدعاها بأكثر من اعتبار:
وبها الأعينُ الحورُ
والخُضرُ والزرقُ
................
وبها الكاسياتُ
بها العارياتُ
تحمل القراءة المتعجلةُ على الظن بأن الوصف متجه إلى الأنثى/الجسد. قد يكون الأمر كذلك إذا مضينا مع الفكرة المسبقة عن طبيعة المجتمع الغربي، ولكن اللبث في سياق النص يصرف عن ذلك، لأن البِنَى الدلالية العامة غير محتفية به. المفارقة في هذا النص أن رمزيته واقعية وواقعيته رمزية، وما بين ضفتي المعنى أمور مشتبهات تدعو إلى أخذها بحذر، لبعدها عن النهائي وأحسن ما يتجلى فيه هذا المراس العجيب هي الأنثى.
تصيّد الشاعرُ منها ـــ أول ما تصيّد ـــ العيون بألوانها الثلاثة، وفي ذلك إشارة إلى تركيبة المجتمع في "توبِلُو"، التركيبة الإتنية متعددة الأعراق. يوجد هذا في كل الجماعات البشرية، لكن وجوده في القصيدة يحمل من الدلالة ما يتجاوز مجرد الافتتان بعيون الأنثى.
العين هي بوابة الإنسان إلى العالم الخارجي، وفي ملاحظة اختلاف ألوانها إشارة إلى تعدد معايير المعاملة الأمريكية لما ولمن ليس أمريكيا. فهي معاملة ـــ كما هو معلوم ـــ تحكمها الآنية، ويوجهها المؤقت، ويستبد بها منطق المصلحة. في نفس سياق التعدد، يأتي الوصف الآخر ( الكاسيات / العاريات) مكمّلا لهذا الفرز، ويربط ما هو مقدمة ثابتة (العري / الكسو) بما هو نتيجة حتمية (اختلاف الألوان / الأعراق).
لا مجال إلى الشك في أن الشاعر يتجاوز المحسوسات، وليس بنا أن نجزم ـــ بل حتى نظن ـــ أن نصّا بهذا الاكتناز الدلالي إنما وضع ليقول للناس إن بأمريكا عيونا جميلة. كأن سائر بلاد الله تخلو من ذلك. فالرهان على رمزية الدلالة، على دقة الدال وعلى عمق المدلول:
قلتُ:
ماذا أسمّيكِ ؟
قالت:
أنا مطرُ الأزليّةِ
برقُ البدايةِ
رعدُ النهايةِ
صحوُ الكمانِ على رقصة الرغباتْ
فوجهة النص، على هديٍ من رمزيته، هي وجهة التجاوز، مع اتخاذ بعض أدوات الحسّ وسائط جمالية ينهض بها المعنى وتتحقّق بها الصلة بالمتلقي. لا ضير أن تكون الأنثى الطريق إلى ذلك، لأنها داخلة في نسيج الكون كلّه، ولكلّ ليلاه ! غير أن استدعاءها بما لا يبتذلها، ووصفها بأجمل ما فيها، والاستثمار فيها على المقدار الذي يستنطقها بأعلى ما تمثله، كل ذلك هو غاية الخطاب الذي يدين لها بترقيته، وتدين له بالاكتفاء بها رمزا، ثم أنثى ثم إنسانا له ما له وعليه الذي عليه.
هي بهذا المعنى وفي الذي يدور في فلكه، أكثر من جزئية في التركيب الكلي للشاعر / الإنسان الذي هو صلاح أبو لاوي، وفي تركيب كل من يصغي إليه واقعا وافتراضا، لأن طبيعة الأشياء هكذا ولا يمكن أن تكون على خلافه:
إنّه البحرُ بيني وبينكِ
قلتُ
اخرجي من شآبيبِ غيمي
اخرجي من عيوني
اخرجي من وضوئي
اخرجي من صبايَ
لتكتبني الأمنياتْ
واضح أن نسق الكتابة، والركون إلى الانفعال فعلا فعلهما، ولكن في الذي يتقطّر من هذا المقطع جزء من الحقيقة الوجودية التي لا تنبذها مدارك الناس وإن لم تعبّر عنها. والكون ناهض على مبدإ الزوجية، فأنَّى لعنصر من عناصره أن يتنصّل من هذا المبدإ لينعزل في فردية لا هي مغنية ولا هي ممكنة. جدلية الذكر والأنثى أبدية، أَشْرَعَها الأزل على مصراعيها لتقوم عليها الحياة قياما سويًّا، وحكّم في طرفيها الإنسانَ وسوَّدَه عليها، وزاوج في تكوين كلٍّ منهما ـــ خارج البيولوجيا ـــ بين العناصر التي يتغذيان منها على السوية، ففيه شيء منها وفيها منه شيء والمشترك واضح لذي عينين.
اختار الشاعر لنفسه ـــ في هذه القراءة للتجلي الأنثوي ـــ موقع الواعي بحقيقتها، المدرك لما تمثّله ولا تزيد على التمثيل فيه، فلم يطلب منها أكثر مما هو مشترك وجوديّ لا فضيلة فيه لأحد على أحد:
لم أجئ غازيًا
فأنا عاشقٌ والعصافيرُ ملهِمتي
لم أجئ نازحًا
فالمنافي البعيدةُ تكفي لأشهقَ آخرَتي
لم أجئ سائحًا
فأنا أحملُ البحر في رئتي
لم أجئ أبدًا
كلّما حاولَ اليأسُ قتلَ خطايَ
استعنتُ عليه بأخرى فماتْ
وهكذا يمضي الحوارُ "معها" إلى أن يستفيق الشاعر، قدماه بفلسطين و"ظلالها" بعيدًا بعيدًا...وراه !!! غير معنيّ بهذا الوراء وإن كانت ظلاله فيه، لأن الأصل في السفر "إليها" نقضُ بواعث "سفرها" إليه، جاءته مغيرة ولم يأتها غازيًا؛ وجاءته مستوطنة ولم يأتها نازحًا؛ وجاءته مستبدّةً ولم يأتها سائحًا...جاءت وجاء، ولكن شتان بين المجيئَيْن ! !

1