أحدث الأخبار
الاثنين 06 كانون أول/ديسمبر 2021
«الرواية الفلسطينية» لبشير أبو منة… في سياقها ما بعد الاستعماري
بقلم :  سليم البيك ... 30.09.2021

تنحصر، عموماً، الدراسات النقدية حول الأدب الفلسطيني، في مواضيعها المباشرة. تكون حول هذا الروائي أو ذاك، أو حول أدب مرحلة من تاريخ الفلسطينيين، أو في سياق يتخطى الهوية الفلسطينية إلى العربية، مشرقياً تحديداً. هذا كله مُبرر، بل ولازم، وذلك لضرورة الذهاب عمودياً في البحث في موضوعٍ قابل تماماً ليكون متوسعاً، هو الأدب الفلسطيني، رغم محدودية الأمثلة الممكن تناولها هنا، فيكون حضور الأعمدة الثلاثة في الأدب الفلسطيني، غسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا، كافياً، نوعياً، ومرافقاً لمحدودية كمية يمكن أن يخطر للباحث أن يتخطاهم فيها إلى غيرهم، والحديث دائماً عن الرواية دون الشعر.
هي مبررة لأسباب أخرى تكون في سياقاتها، التاريخ السياسي المعاصر للفلسطينيين. لكن، ما إن تتخطى الدراسةُ المجال الأدبي لهؤلاء الثلاثة (وغيرهم في حالات قليلة) حتى تدخل، عميقاً، في متاهة الظرف الموضوعي والذاتي الذي عاشوه، مع تجارب كل منهم (السياسية بدرجة أولى) المتمايزة عن الأخرى، فلا تجد النظريات النقدية والثقافية (الإنسانية) مكاناً لها.
ومتى بدأ البحث في ذلك، أدباً وسياسةً واجتماعاً، تتخذ الدراسةُ لنفسها تلقائياً، مخرجاً آمناً وقريباً من الحدود الجغرافية والمعرفية لهذا الأدب، وتشعباته العربية، ما يمكن أن يعزلها عن دراسات موازية عالمية، وعن نقد أدبي وثقافي إنساني يمتد أفقياً بتقاطع مع العمودي، فتتكرر الدراسات وتتشابه البحوث ونسمع غير مرة سؤال: لكن ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه هذا البحث (أو ذاك، عن أي من الأسماء المذكورة، مثلاً)؟
تحملنا المقدمة أعلاه إلى نفيٍ لهذا السؤال في حالة كتاب «الرواية الفلسطينية: من سنة 1948 حتى الحاضر» لمؤلفه بشير أبو مَنة (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020). ويكون ذلك لأسباب تبدأ بالتمهيدية وبالمتعلق منها بالباحث. أبو منة محاضر ومدير مركز الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في جامعة كِنْت البريطانية. حرر عام 2019 كتاب «ما بعد سعيد: الدراسات الأدبية ما بعد الاستعمارية في القرن الحادي والعشرين» وهو كذلك متخصص في مواضيع الواقعية والحداثة في الأدب، والنظرية الأدبية والثقافية، الماركسية منها وما بعد الاستعمارية.
من هذه المجالات قارب المؤلفُ الأدبَ الفلسطيني، وليست المجالات هذه خارج الأدب الفلسطيني بل خارج حدوده «القومية» المألوفة منها تحديداً، مألوفة بمعنى المُدرَكة والمُعبدة بتراكم دراسات تكررت وتماثلت (وإن كانت بتكراراتها ومناهجها أساساً يُبنى عليه لأي بحث لاحق). المأزق الذي حام فيه الدارسون عموماً، هو البناء حول التراكم لا عليه، ما يعني تكراراً يزيد من الكمية دون أن ينطلق منه إلى طبقة أعلى من البحث، تبني على التراكم لتخرج بجديد(نوعي). هي طبقة تتخطى الحدود المألوفة إلى مناطق تستكشفها، يتم في ضوئها بحث وإعادة البحث، في الموضوع المُتناوَل. ضمن ذلك يُصنف هذا الكتاب، وهو بمثابة المرجعية الضرورية (الاستكشافية) لكل دراسة لاحقة حول الأدب الفلسطيني، المعبدة لطريقة جديدة في بحث الموضوع عينه.
أتى المؤلفُ في دراسته التي شكلت طبقة جديدة من تراكم البحوث، إلى الرواية الفلسطينية، من مجالاته البحثية، مقدماً سياقاً نقدياً عالمياً أفقياً كمدخلٍ لقراءة هذا الأدب، بادئاً بالناقد المجري جورج لوكاش، منهياً بالناقد الألماني تيودور أدورنو، ماراً سريعاً، بإدوارد سعيد وريموند ويليامز وفرانز فانون وتيري أيغلتون وآخرين.
تناول الكتاب، إضافة إلى الأعمدة الثلاثة أعلاه، سحر خليفة، كنموذج نسائي كتب، في اختلاف عن الثلاثة، مِن وحَولَ الضفة الغربية وخصوصيتها (كما كتب كنفاني مِن وحَولَ المخيمات، وحبيبي مِن وحَولَ الداخل، وجبرا مِن وحَولَ المنفى) وإن كانت، بطبيعة الحالة، خليفة، بعيدةً عنهم من حيث الأهمية والنوعية والمكانة ضمن الأدب الفلسطيني من سنة 1948 حتى اليوم. تناول الكتاب، كذلك، وبشكل أساسي، الرواية المشتركة بين جبرا وعبد الرحمن منيف، «عالم بلا خرائط» كنموذج للأدب الحداثي المكمل لأدب جبرا، الموازي للأدب الواقعي، الذي تمثل أساساً في روايات كنفاني وحبيبي. ومرّ الكتاب على كتابين أساسيين ضمن الأدب الفلسطيني، ولغير فلسطينيين، هما «سجين الحب» لجان جينيه، و«باب الشمس» لإلياس خوري.
من هنا تخصصُ الدراسة مساحتَها الأوسع لجبرا، كنموذج فردي وخاص ضمن الأدب الفلسطيني، متمايز عن الآخرين بمقاربته للثورة الفلسطينية، لمفهوم الفردية ولمعنى التضحية المقابل لنماذج «واقعية اشتراكية» رسخها كل من كنفاني وحبيبي (بنسبٍ ما) كل من موقعه ومرجعيته وسياقه وأسلوبه.
تناولُ الكتابِ لهذه الأسماء، وقد كان من خلال روايات مختارَة، الذي راوحَ بين الواقعية لدى لوكاش والحداثة لدى أدورنو، الواقعية حيث يتماهى «بطل» الرواية مع شعبه، والحداثة، حيث يتماهى الشعب مع «البطل» الأولى متمثلة في كنفاني وحبيبي، والأخيرة متمثلة بجبرا، تخطى، التناولُ، النظريات النقدية إلى التاريخ السياسي المعاصر، فلسطينياً وعربياً، إذ لا تكتمل دراسة أي من فنون الفلسطينيين دون أخدٍ واضح لسياقهم التاريخي الملتحم، بهذه الدرجة أو تلك، بعموم نتاجهم.
هذا الأخذ، نجده هنا، في الكتاب، كخلفية ضرورية للأمثلة المدروسة، فتكون رواياتٌ موازية لنهضةٍ ثورية فلسطينية وضمن مشروع قومي عربي، ومد يساري (وهنا نقرأ لوكاش) وتكون أخرى موازية لفشل المشروع ذاته وتفككه، فتتحرر منه بشكل جديد من الرواية، تتمرد عليه باختيارات فردية تفتح لهذا الأدب أبواباً في الحداثة (وهنا نقرأ أدورنو). فيكون موضوع التحرر والمقاومة كعفل جماهيري متأثراً (ومؤثراً) في مرحلةٍ يليها موضوع الاغتراب والخيبة كرد فعل فردي متأثراً بالفشل السياسي والتفكك الاجتماعي. هنا، يبرز جبرا متميزا. هنا تكون التضحية الفردية (كما هي في «البحث عن وليد مسعود» و «السفينة» مثلاً) مكوناً أساسياً لمحاولات الخلاص الجماعي، هي محاولات مأزومة الهوية كما كتبها حبيبي («الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» مثلاً) وهي محاولات دائمة التمرد كما كتبها كنفاني («رجال في الشمس» و «عائد إلى حيفا» مثلاً).
يوضح أبو منة مقاربتَه للأدب الفلسطيني بشكلَيه الواقعي والحداثي، من خلال كل من لوكاش وأدورنو، إذ يكتب ملخصاً: «بينما الواقعية، في رأي لوكاش، هي ثمرة الثورة، فإن الحداثة، في رأي أدورنو، هي فن المقاومة ضد محاولات إنهاء الثورة. وجمالية كليهما محددة في نهاية المطاف بالقدرات والإمكانات الثورية، إذ يمجدها الأول ويحتفي بها، بينما يندب الآخر ضياعها». وهو ما تستهدفه الدراسة: «مد وجزر الإمكانية التاريخية ووساطتها الجمالية» ضمن الأسماء والعناوين الفلسطينية المتناوَلة.
هذه الدراسة للأدب الفلسطيني منذ النكبة حتى اتفاقية أوسلو (والأخيرة نكبةٌ بشكلِها النيوليبرالي) في سياق النظريات الماركسية بتنويعاتها (من لوكاش إلى أدورنو مروراً بآخرين) وفي اعتبارات لدراسات ما بعد الاستعمار، وهو المجال البحثي الأساسي لبشير أبو منة، قدمت الدراسةُ، إدراكاً لهذا الأدب من خارج الحدود المألوفة و»الآمنة» كما قرأناها في دراسات عديدة، وفتحت المجال (استكشفتْه) لدراسات لا تَحصر الأدب الفلسطيني بذاته (بحدوده القومية واللغوية، جمالياً وثقافياً) وتتخطاه إلى عالمية تضعه في سياقه كأدب ما بعد الاستعمار. في هذه الأخيرة تكمن أهميةٌ مضاعَفة لهذا الكتاب.

المصدر: القدس العربي
1