أحدث الأخبار
الجمعة 18 تشرين أول/أكتوبر 2019
فلسطين المحتلة : عقيدة عباس ..ما الذي يمنع أجهزة أمن السلطة من مقاومة الاحتلال بالضفة؟!
بقلم : الديار ... 01.03.2019

في الوقت الذي تتعاظم فيه قوة المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، مع تمكّنها من تسديد ضرباتها الحساسة والمؤثرة ضد الأهداف الإسرائيلية، لا تزال أجهزة أمن السلطة تؤدي نفس الدور الأمني الذي تتقنه منذ العام 1993، ولا تُحرك ساكناً أمام اعتداءات وتطرّف قوات الاحتلال.
مشهد كالذي وثّقته وسائل الإعلام، قبل أسابيع، لتجوّل آليات عسكرية إسرائيلية في محيط منزل الرئيس الفلسطيني، محمود عباس بمدينة رام الله، ضمن حملة أمنية مكثّفة للبحث عن منفّذي عملية إطلاق نار على جنود إسرائيليين قرب مستوطنة "عوفرا" شمال الضفة، يؤكد أن القواعد التي تتغنى بها السلطة بتمسكها بالتنسيق الأمني باتت خطوطاً يسهل على عجلات جيبات الاحتلال تجاوزها.
والسؤالان الكبيران اللذان دائماً ما يرافقان كل عملية أمنية لقوات الاحتلال داخل المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وما تقوم به من اقتحامات واعتقالات وحتى الضرب والقتل؛ هما "أين هي أجهزة الأمن؟ ولماذا لا تدافع عن وظيفتها في حماية أمن وسلامة المواطنين؟
سياسيون ومحللون وضعوا بعض الإجابات عن الأسئلة المطروحة، والتي تصبّ في مجملها بدور وأهمية أجهزة أمن السلطة، خاصة في الضفة الغربية، مؤكدين في تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، أن اتفاق أوسلو وعباس هما السببان المباشران في انحراف دور أجهزة أمن السلطة، والبقاء على شاكلتها الحالية في خدمة أمن "إسرائيل" وتسهيل تحركات جيشها بشكل أساسي.
أجهزة في خدمة "إسرائيل"
القيادي في حركة "حماس"، والنائب عن كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي بالضفة الغربية المحتلة، حسن يوسف، أكد أن الدور الذي تؤديه أجهزة أمن السلطة "مشبوه" و"خطير"، وكل أهدافه تصب في خانة مصلحة "إسرائيل" وأمنها، بعيداً عن مصلحة المواطنين وأمنهم.
وأوضح أن ما يجري بالضفة الغربية بشكل يومي من انتهاكات متكررة ومتعمّدة من قبل قوات الاحتلال، التي استباحت المستشفيات والمساجد والبيوت وحتى المؤسسات التابعة للسلطة، دون أي رد من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، يؤكد أنها مجرد أداة في يد الاحتلال.
وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، يضيف القيادي في"حماس" أن "دور أجهزة الأمن التابعة للسلطة لم يتوقف فقط عند إعطاء الضوء الأخضر لجيش الاحتلال لاستباحة المدن الفلسطينية واعتقال المواطنين وتخريب المؤسسات؛ من خلال انسحابهم من مكان العمليات والاقتحامات، بل أصبحت تلك الأجهزة أداة للاعتداء على المواطنين واعتقالهم وملاحقتهم، خدمة لمخططات الاحتلال في التضييق على السكان.
بدوره رأى النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي، حسن خريشة، أن أبناء أجهزة أمن السلطة مُكبّلون بالاتفاقيات السياسية التي وقّعت بين السلطة و"إسرائيل"، وعلى رأسها اتفاق أوسلو، الذي أبقى دور أجهزة الأمن "خدمياً وليس مقاوِماً".
دور أجهزة أمن السلطة، بحسب ما تحدث خريشة لـ"الخليج أونلاين"، قد تغيّر تماماً خلال السنوات الأخيرة؛ بسبب التنسيق الأمني، ولم يبق لخدمة المواطنين ولا حتى حمايتهم، بل لتسهيل عمليات الاحتلال في ملاحقتهم واعتقالهم واستباحة منازلهم، وتقديم المعلومات الأمنية والحساسة لهم، وكأنهم شريك وليس عدواً.
ويلفت النائب في المجلس التشريعي النظر إلى أن سلاح أجهزة الأمن لم ولن يُرفع في وجه قوات الاحتلال مهما كانت جرائمه، وهذا بقرار من عباس، الذي طالما تغنّى بـ"التنسيق الأمني" مع "إسرائيل"، ووصفه بأنه "مقدّس"، مضيفاً: "أجهزة أمن السلطة باتت وكيلاً أمنياً وحصرياً للاحتلال، وما تقوم به على أرض الواقع مخالف لعقيدتها الأمنية والوطنية".
ويتابع خريشة حديثه لـ"الخليج أونلاين": "مع اشتداد اعتداءات قوات الاحتلال تجرّأ قبل سنوات بعض الأفراد من القوات الأمنية على مواجهة الجيش الإسرائيلي، أو حتى إطلاق النار عليه، إلا أن السلطة عاقبتهم ووضعتهم في السجون، الأمر الذي أوضح العقلية المعقّدة والمتخلفة التي تتعامل بها السلطة مع الاحتلال، وتتفق معه فيها ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته".
وفي سبتمبر الماضي، قال عباس أمام وفد حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، خلال لقائهم في مقر المقاطعة برام الله: إنه "يلتقي شهرياً برئيس (الشاباك)، كما أنه أمر قادة الأجهزة الأمنية بالالتقاء يومياً بقادة جيش الاحتلال والمخابرات لتعزيز التعاون الأمني".
وفي مطلع 2016، قال مدير مخابرات السلطة، ماجد فرج، وهو أحد المقرّبين من عباس: إن "أجهزة أمن التنسيق الأمني بالضفة الغربية تمكنت من إحباط 200 عملية فدائية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية انتفاضة القدس، التي اندلعت شرارتها مطلع أكتوبر من عام 2015".
والتنسيق الأمني وُلد من رحم اتفاقية أوسلو 1993؛ ويعني ترتيبات الأمن بين السلطة والاحتلال، وينص على أن الأمن الإجمالي في أراضي 67 مسؤولية "إسرائيل"، ما يعطيها حق العمل الأمني فيها في أي وقت، وعلى أساس الاتفاق فإن "إسرائيل" والسلطة تتبادلان المعلومات حول أعمال خلايا المقاومة، وتتقاسمان الأدوار في معالجة الأحداث الجنائية والمظاهرات والمواجهات، وذلك من أجل الاستمرار في السيطرة على الوضع.
عقيدة أمنية راسخة
الضابط السابق في جهاز المخابرات التابع للسلطة، فهمي شبانة، أكد أن فكرة التعاون مع الاحتلال وتقديم المعلومات له ومساعدته أولاً، وعدم اعتراض قواته خلال اقتحاماتهم وعربدتهم بالضفة ثانياً، بات "عقيدة رسّخها عباس بقوة في أجهزة أمن السلطة التي يترأسها".
ويضيف شبانة لـ"الخليج أونلاين": "لا يمكن لأي جندي أو ضابط في أجهزة الأمن أن يرفع سلاحه في وجه جندي بسيط من قوات الاحتلال، ومن يقدم على خطوة كهذه فسيلقى العقاب من قبل السلطة وكذلك الاحتلال، وهذا ما ترسخ في عقول وعقيدة كل أبناء الأجهزة الأمنية".
تقرير خاص
ويشير في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إلى أن الواقع الأمني بالضفة على وجه الخصوص مُعقّد للغاية ومتشعّب، ولا تملك السلطة أي سيطرة أمنية فعلية وواضحة على الأماكن التي تخضع لها، وبإمكان أي ضابط إسرائيلي أن يقلبها رأساً على عقب ويقتحم كافة المنازل والمؤسسات، ومن بينها منزل عباس شخصياً، دون مساءلة من أحد.
ويلفت العقيد السابق في جهاز المخابرات إلى أن السلطة في الضفة، بتوجيه وضغط من عباس، "باعت كل الأهداف الوطنية وأصبحت تخون الشعب وقضيته، وباتت مجرد اسم فقط دون أي سلطة أو قوة، بل تنفّذ وظيفتها الأمنية، ودورها اقتصر على التنسيق الأمني مع الاحتلال، كأنها جهاز أمني تابع لإسرائيل".
وكشف شبانة لـ"الخليج أونلاين" عن وجود لجنة أمنية مشتركة تضم أجهزة مخابرات تجمع "السلطة والاحتلال والأمريكان وبعض الدول العربية المجاورة، ويتم تزويدها بالمعلومات الأمنية أولاً بأول من قبل كبار الضباط في أمن السلطة، الذين يطلبونها من الجنود والمندوبين على أساس أنها تُجمع خدمةً للعمل الوطني"، مضيفاً: "بهذه الطريقة يصبح الجندي في أمن السلطة أو المندوب عميلاً بشكل مباشر أو غير مباشر".
وختم حديثه قائلاً: "التنسيق الأمني انتقل مع قيادات أمن السلطة إلى الأفراد والعناصر، وتحوّل إلى سرطان لا يمكن التخلص منه حتى لو جاء قرار سياسي بوقفه"، مؤكداً أن "الأمر تطور من عمل رسمي إلى ارتباطات شخصية بين الجانبين، الأمر الذي بات يشكّل خطراً مضاعفاً على المواطنين والمقاومين".
يذكر أن البند 8 من اتفاقية أوسلو الموقّعة بين منظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل"، في سبتمبر 1993، ينص على إنشاء شرطة قوية تضمن النظام والأمن في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وجاءت الاتفاقيات المكمّلة لاتفاقية أوسلو -وخصوصاً اتفاقية القاهرة المعروفة باتفاقية غزة/أريحا، والموقّعة سنة 1994- لتنص على إقامة شرطة فلسطينية حُدّدت بـ3000 عنصر، ثم زيد العدد في اتفاقية أوسلو الثانية ليصبح 30 ألفاً، غير أن الأجهزة الأمنية لم تقتصر منذ ذلك التاريخ على جهاز واحد، بل كثرت وتعددت ولاءاتها، وكان لها بشكل خاص دور كبير في المواجهات بين حركتي فتح وحماس، في يونيو 2007.
ووصل عدد العاملين بالأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى قرابة 70 ألفاً، موزّعين على ستة أجهزة أمنية؛ يتسلمون 3.9 مليارات شيقل من إجمالي فاتورة الرواتب، مقارنة بـ91 ألف موظف في القطاعات الأخرى يتسلمون 3.8 مليارات شيقل.
ورغم الدور الأمني "الضعيف والمتهالك" الذي تقوم به، بحسب السياسيين والمراقبين، فإن أجهزة أمن السلطة تستحوذ على النصيب الأكبر من الموازنات المالية، دون أن يستشعر المواطن ذلك على حياته اليومية، وكشفت قبل أشهر سجلات الأمانة العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني أن موازنات أجهزة الأمن كانت هي الأعلى دوماً عند تصنيف الموازنة!!

*المصدر : الخليج أونلاين
1