أحدث الأخبار
الجمعة 23 آب/أغسطس 2019
الجزائر : من جميلة بوحيرد إلى رجاء مزيان.. رسالة الحرية واحدة !!
بقلم : صابر بليدي ... 21.04.2019

المرأة الجزائرية كانت حاضرة بقوة في الحراك الشعبي وترجمت حضورها عبر اضطلاعها بعدة أدوار، وتقديمها يد العون من خلال مساهماتها في الكثير من الأنشطة الداعمة للمتظاهرين، كما شكلت مشاركتها الفاعلة رسالة على التحول العميق في المجتمع الجزائري.
الجزائر - أعطى دخول المرأة الجزائرية على خط الحراك الشعبي، إضافة نوعية وزخما غير مسبوق، أعاد إلى أذهان المخضرمين والمسنين، التفافها حول جيش التحرير خلال ثورة نوفمبر 1954، فعلى عكس كل المحطات الاحتجاجية والسياسية السابقة، شكل حضور المرأة في المشهد الجديد، دعما قويا وتحولا اجتماعيا لافتا أعاد ترتيب الكثير من المفاهيم النمطية.
يعترف موثقو مسار الحراك الشعبي الجزائري منذ اندلاعه في الثاني والعشرين من فبراير الماضي، بأنه لما كانت الشكوك تدب في أوساط الناشطين حول مستقبل الاحتجاجات الشعبية بعد المسيرة الأولى، جاء إعلان المناضلة التاريخية جميلة بوحيرد، بالنزول إلى ساحة أول مايو في المسيرة الموالية، ودعوتها للشباب من أجل التلاحم والصمود، بمثابة الخطبة السحرية التي غيّرت موازين القوى.
وأضفى انخراط جميلة بوحيرد، رمزية نضالية وتحررية على الحراك الشعبي، بما للمرأة من رصيد وملاحم في مقاومة الاستعمار والنضال من أجل الحرية، لتتبعها مناضلات أخريات كشقيقة القائد التاريخي العربي بن مهيدي، زهرة ظريف بيطاط، والكثيرات من المناضلات والفدائيات اللائي تزين بالرايات الوطنية، وسرن إلى جنب الشباب والشابات.
ومنح انخراط أولئك هوية عميقة للحراك الشعبي، بتوالي الأسابيع والمسيرات المليونية، وفرض وجودهن آداب الاحترام، فلم يعد للكلمات البذيئة أو سلوكيات التحرش مكان وسط المتظاهرين، لأن إجماعا تحقق لدى هؤلاء من أجل تبليغ السلطة وجميع المراقبين، الرسالة السلمية والحضارية للحراك، وبات الجميع يسير من أجل المشروع النضالي الطامح لإرساء قواعد جمهورية ثانية.
وبذلك تعزز وتنوع النسيج النسوي في الحراك الجزائري، وانصهرت فيه مختلف الأجيال، بداية من قديمات الحرب إلى الطالبات الجامعيات والموظفات، مرورا بناشطات في السياسة وحقوق الإنسان، على غرار المحامية ورئيسة حزب الاتحاد من التغيير والرقي زبيدة عسول، التي تعد من أشرس المعارضات للسلطة، والتي كانت حاضرة في الميادين منذ انطلاق الحراك الشعبي.
ويقر سياسيون ومختصون في علم الاجتماع، بأن حضور المرأة الجزائرية في الحراك الشعبي، كان إحدى الرسائل القوية على التحول العميق في المجتمع، وعلى الدور الأساسي لها في إضفاء المشهد الاستثنائي، الذي قطع مع أحكام نمطية سابقة تضع المرأة في خانة الكائن القاصر، وأطاح بأشكال التمييز بين الجنسين.
ونقلت صور الحراك على مدار سبعة أسابيع، لوحات فنية للمرأة الجزائرية تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي والمحطات الإعلامية المحلية والدولية، فظهرت متزينة بالرايات الوطنية، التي أخفت وراءها جميع الخلفيات الفكرية والأيديولوجية، فكانت العجائز بجانب الشابات، والمحجبات بجانب السافرات.
ولما كان لزاما على النشطاء تغذية الحراك بلمسات إبداعية للحيلولة دون تغلغل الملل والشك في أوساط المتظاهرين، لم تتأخر المرأة الجزائري في إضفاء لمستها الرقيقة على المشهد الصاخب، فقدمت الورود لأفراد الأمن من أجل استمالتهم لصالح الحراك، وشاركت في إنجاز لوحات تشكيلية وعروض مسرحية وموسيقية، ضمنتها أفكارها وأفكار الشباب المنتفض ضد سلطة جثمت على صدور شعبها وشبابها وشاباتها طيلة عقود من الزمن.
وتحولت ساحتا “البريد المركزي” و”موريس أودان” بوسط العاصمة، إلى ركح مفتوح للعموم، لأعمال فنية ولوحات تشكيلية بلمسة أنثوية، تضمنت رسائل وأفكار الحراك، وترجمت تحولا اجتماعيا مفاجئا، يؤسس الاحتضان العادل للجنسين، ولقواسم مشتركة جديدة تستمد أصولها من الحرية والاحترام.
وكانت فنانة الراب رجاء مزيان، أول امرأة جزائرية تطلق أغنية، تمجد الهبة الشعبية وتهاجم النظام الحاكم، وفي تسجيل استقطب نسب مشاهدة كبيرة على الـ”يوتيوب”، عبرت الفنانة في أغنية “ألو.. سيستام (نظام)”، عن رؤية الشباب الجزائري، والشابات على وجه التحديد، للجزائر التي يطمح إليها هؤلاء.
وخاطبت مزيان، نظام بوتفليقة، بالقول “ألو سيستام (نظام)، هل تسمعني أم أغلقت أذنيك.. جمهورية أردناها شعبية وليست ملكية، جئنا كالطوفان أخطونا يا الباندية (ارحلوا عنا يا عصابة)”، وتساءلت عن الخزائن الفارغة ومصير الألف مليار، وهي رسائل قوية، حملت في ثناياها عددا من الشعارات المرفوعة في مختلف المسيرات المليونية.
ولما تزامنت المليونية الثالثة للحراك مع اليوم العالمي للمرأة الجزائرية، فقد ظهرت لمسة فارقة للمرأة الجزائرية، التي خرجت حينها بقوة للشوارع والساحات من أجل الاحتجاج، وتجلت في ارتدائها للأزياء والألبسة التقليدية وحملت الورود، لتعبر عن طموحها في وطن حر وشعب سيد على أرضه. فتزينت العاصمة بالأزياء التقليدية والرمزية، كالحايك والفرقاني والكراكو، رغم أن نصائح النشطاء كانت تشدد على أزياء معينة للتعامل مع مختلف الظروف والمستجدات، فأكدت بذلك على تمسكها بشخصيتها وتاريخها، وفرضت منطقها وبصمتها على مصالح الأمن، التي فقدت كل ذرائع القمع والتدخل العنيف في ظل تلك المشاهد الاستعراضية.
ولم تكن المرأة أقل جرأة وشجاعة من الرجل، حيث قدمت الصحافيتان في الإذاعة والتلفزيون الحكوميين نادية مداسي ومريم عبدو، استقالتهما من منصبيهما في أول أيام الحراك، احتجاجا على سياسة التعميم والتضييق التي تبنتهما المؤسستان، وكان ذلك إيذانا بفتح مسلسل طويل من احتجاجات الصحافيين العاملين في الإذاعة والتلفزيون من الرجال والنساء، للمطالبة برفع يد الوصاية عن المهنية والاحترافية.
ووفاء لتقاليد عريقة، اضطلعت الكثيرات، في مدن العاصمة ومدينتي وهران وبجاية، بمهمة طبخ طبق الكسكس لتوزيعه كغذاء على المتظاهرين القادمين من المناطق البعيدة، قبل بداية المسيرات التي تنطلق بعد الانتهاء من صلاة الجمعة.
وتقول راضية، ربة بيت، من مدينة بجاية، بأنها “أرادت المشاركة في عمل تطوعي وتقديم خدمة للحراك الشعبي، بالتعاون مع بعض الجارات في الحي، في إعداد وطبخ وجبة الكسكس، لتقديمها للمتظاهرين قبل بداية المسيرات، لاسيما وأن المحال والخدمات التجارية كانت تغلق تماما”.
وأضافت “المجتمع المحلي في منطقة القبائل معروف بخصال التطوع والتضامن الاجتماعي، ولما اقترح ناشطون هذه الفكرة، لم تتأخر النسوة في تلبية الدعوة، وكان عددنا في البداية 4 سيدات وبمرور الأيام صار 12 سيدة، نضبط برنامجا خاصا ليوم الجمعة من أجل توفير أكبر عدد من الوجبات للقادمين من المناطق الخارجية”.
وكما فاجأ الحراك الشعبي، السلطة والطبقة السياسية ومختلف النخب والمراقبين الأجانب، فإن الانخراط التلقائي للمرأة الجزائرية، كان المفاجأة الكبرى، وصارت الجزائريات من مختلف الأعمار والطبقات مهتمات بالشأن السياسي للبلاد.
ونقل تسجيل على شبكة التواصل الاجتماعي، نصائح عجوز طاعنة لصديقتها، بضرورة عدم القبول بالندوة الوطنية، لأنها التفاف على الثورة، خلال سعي الدبلوماسي السابق لخضر الإبراهمي، تنظيم ندوة وطنية شاملة، وفق ما كان يعرف بخارطة طريق الـ11 مارس للرئيس المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة.

المصدر : العرب
1