أحدث الأخبار
الخميس 24 تشرين أول/أكتوبر 2019
نكون أو لا نكون!!
بقلم :  مها صالح ... 19.09.2019

عندما قرأت عن التاريخ القديم وما حمل معه النقيضين, الأول حروب أثمرت نهايات مأساوية ومشاهد صورية تفطر القلب وتغذي الوجدان ألما وحزنا على ما تعرض له شريحة كبيرة من أفراد الوطن الواحد أو من أوطان مختلفة لأسباب سياسية وإجتماعية وغيرها من الأسباب التي كانت عند البعض تجيز أحكام الإعدام والقتل أو إعلان الحرب لتحقيق غاية ما. أما الثاني, تاريخ العرب القديم أيام إبن سيبنا والرازي, الشعراء والأدباء وقصص العشق والشجن. فقلت وقتها وتمنيت لو كانت هناك كاميرات سهلة الحمل والإستخدام كما العصر الحالي لتوثق المآسي و المجازر, أمجاد العلماء, وتاريخ العرب المشرق. لو أن هناك وسائل التواصل الإجتماعي تنشر الخبر بأي بقعة تكون فيها.
بعدما إنتشرت هذه الوسائل وعمت أرجاء البلاد المقطوعة والموصولة وبات طبق الغذاء ينقل مباشرة من المطبخ إلى العالم الخارجي, يوميات الأفراد وأماكن تواجدهم أصبحت مشاع. تمنيت لو أن تتوقف هذه التقنية لتحفظ ما تبقى من وجه الحياء والخصوصية. لا أدري وهنا أسأل نفسي كعربية تغار على عروبتها من المسخ الذي أصبح تقليدا نتغنى به ونتفاخر. أصبحنا أقزام في عالم عملاق نتقن فن التقليد ونفشل في الخلق والإبداع. يكفينا تشويه لحاضر مشوه بالأساس بفعل الحروب والعنصرية, يكفينا نسيان لماض سطر لنا فخرا لعلمائنا وإنجازاتهم, بطولات المحاربين القدامى وأهدافهم الوطنية النبيلة. نعيش الآن عصر النسخ والمسخ بكل أشكاله وحيثياته.
طرحت هذا الموضوع لا رغبة بأن نذكر أنفسنا كم نحن سطحيين أو مسيئين لأنفسنا قبل أن يسئ لنا أى طرف. طرحته رغبة مني بأن ننكأ هذا الجرح سعيا للأجتهاد نحو الإصلاح والتغيير. عندما أرى مقطع فيديو لوالدان يعذبان طفلة رضيعة بسبب بكائها, أو والدان يقيدان ولدهما بسبب لعبه مع ولد الجيران الذي ينتمي إلى طائفة أخرى. أو لبنت تبكي حرقة بسبب كرهها لمدرستها وتشجيعها على هذا الشعور, أو مشاهد تخدش الحياء, أو فيديو لتعذيب حيوان, وقطع رؤوس كجزء من العقاب,أو مشاهد لأناس يحتضرون ويإنًون ألما. والأنكى من كل هذا توثيق هؤلاء من فقدوا الحياء وتجرعوا الإبتذال بتصوير تلك المشاهد وتحميلها لوسائل التواصل الإجتماعي كنوع من الشهرة فارغة المضمون أو لحصر أعلى نسبة مشاهدة ولايكات.
هل سقطنا سهوا في مستنقع العالم المرئي والمسموع ؟ للإنصاف, لا أراه عيبا في التكنولوجيا, أراه عيبا فينا وهنا لا أستثني من نصف المشكلة شق العولمة التي لم تأت كل ثمارها, بل صدرت لنا سموم تجرعناها بكل أرادة. لكن يبقى العالم الغربي هو الأفضل في التقدم والإستخدام الإيجابي لتلك التقنيات ونبقى نحن من يلتقط الفتات من على الأرض نحو المسخ والتقليد الأعمى لما يجعلنا في الصفوف الخلفية من عالم متقدم.
أوجعني مشهد أناس يحاصرون ضحية, أو شخص يحتضر , أو آخر يحاول أن ينقذ نفسه من الموت... لكن ماذا !؟ هل يحركون ساكن؟ لا, فقط يحركون كامراتهم ليكونوا السباقين بنشر الفيديو أو الصورة. ثم يموت الضحية وتبقى الصورة الشاهد على موت ضمائرنا. هل ماتت الإنسانية فينا؟ أم نحن من مات وتناشد الإنسانية من ينقذها من الغياب؟
أتذكر في أحد الأيام عندما قرأت خبر لصحافي من أفريقيا الجنوبية وكان أسمه " كيفن كارتر" عندما كلًف لأداء مهمة صحافية إلى السودان والصومال عام 1993 لتغطية أحداث المجاعة التي كانت تعصف في البلاد آنذاك وصورته الشهيرة التي نال عليها أفضل صورة لعام 1994 ونشرتها حينها صحيفة "نيويورك تايمز" وكانت الصورة تحكي طفلة تزحف وتأن من الجوع والعطش وهي بطريقها لمركز توزيع الغذاء وعندما توقفت بعد أن أنهكها الجوع إذ بنسر يقف خلفها منتظرا موتها لينهش جسدها الصغير.
تلك الصورة أبكت الملايين من البشر لقسوتها وقسوة عالم يقف متفرجا على هؤلاء. تلك الصورة بقدر تداولها ونشرها لكنها حملت من اللوم والعتب الكثير لصاحب الصورة الذي إلتقطها من دون ان يتدخل لينقذ الطفلة او يمد يد العون لها. دخل الصحافي " كيفن كارتر" بحالة من الإكتئاب الشديد, ليس لقلة المال, أو لظروف إجتماعية, أو لمرض, بل لشعوره فيما بعد بتأنيب الضمير من فعل لا شئ لتلك الطفلة. فازت الصورة كأفضل صورة العام وكرًم الصحافي كأفضل صحافي محترف, لكن خسر" كيفن" حياته بعد أن قرر أن ينهيها هو بنفسه لأنه لم يحتمل عذاب الضمير.
أنا ضد الإنتحار بكل أشكاله ولا أؤيده مهما كانت الأسباب, لكن وبكل شفافية أحترم هذا الصحافي ليس لأنه إنتحر بل لإنه ندم وهبًة الإنسانية التي ألمت به جعلته ينهي حياته لأنه لم يحتمل القهر. نحن الآن لا شىء يحرك فينا غير مشاهد العري والإبتذال. الغريزة هي التي باتت تحكمنا لا الإنسانية والضمير الحي, لا أحد يأبه لمُصاب أحد, المهم السبق الصحفي.
عزيزتي الشابة, عزيزي الشاب...عزيزي المراهق, عزيزتي المراهقة :
أنا لا أدعوكم أن تهجروا التكنولوجيا, لكن أدعوكم أن تهجروا السطحية والقسوة وتخاطبوا العقل والمنطق. فلنوظف طاقاتنا ومواهبنا فيما يخدمنا كأفراد ويخدم المجتمع. لا وسطية في الضمير الحي, فإما أن تكون إنسان أو أن تكون لا شىء.ويبقى لنا الإختيار " نكون أو لا نكون"!

1