أحدث الأخبار
الجمعة 14 آب/أغسطس 2020
حوار : "دمٌ على حجر": سقوط يافا والفعل المقاوم بين خذلان الحماة وانهيار الحامية!!
بقلم : سليمان أبو إرشيد ... 02.05.2020

*بلال شلش:
> رصد للسجلات اليومية لحامية يافا من قرار التقسيم وحتى سقوط فلسطين
> الوثائق تظهر توازنا في الهجمات والخسائر البشرية المتبادلة
> الحزام الاستيطاني الذي التف حول عنق المدينة حولها إلى قلعة محاصرة
> أناس يدفعون إلى البحر لحشرهم في قوارب تقلهم إلى غزة
يقول المؤرخ إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" إن يافا كانت آخر مدينة فلسطينية يجري احتلالها، وحدث ذلك في 13 أيار/ مايو 1948 قبل يومين من انتهاء الانتداب؛ ويتابع أنه كان لدى الفلسطينيين في يافا قوة دفاعية أكثر مما كان لديهم في أي موقع آخر، 1500 متطوع مقابل 5000 جندي يهودي (صهيوني)، وقد صمدت المدينة ثلاثة أسابيع في وجه الحصار والهجوم الذي بدأ وسط نيسان/ أبريل وانتهى في أواسط أيار/ مايو.
ويورد بابه أنه عندما سقطت يافا، طُرد جميع سكانها البالغ عددهم 50 ألف نسمة (هناك مصادر تتحدث عن 90 ألف نسمة) بمساعدة وساطة بريطانية، الأمر الذي يعني أن "هروبهم" أقل فوضوية مما كان عليه "الهروب" في حالة حيفا، ومع ذلك لم يخل الأمر من مشاهد مروعة، تذكر بما حدث في حيفا حرفيا، أُناس يُدفعون إلى البحر في أثناء محاولةٍ لحشرهم في قوارب الصيد الصغيرة التي كانت ستقلهم إلى غزة، بينما كانت القوات اليهودية (العصابات الصهيونية) تطلق النار فوق رؤوسهم.
في كتابه "دمٌ على حجر- حامية يافا وفعلها العسكري"، الذي صدر حديثا عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، يحاول الباحث بلال شلش، إزالة التراب عن أيام مقاومة المدينة وفعل مقاوميها، الذي دفن تحت أنقاض أحياء المنشية وأبو كبير وتل الريش وجبهات يافا المختلفة، بعد أن أُسدل عليها ستار الهزيمة ونكبة الفلسطينيين والعرب الكبرى.
حول موضوع الكتاب ومقاومة يافا وسقوطها كان هذا الحوار مع الباحث بلال شلش:
"عرب 48": هي محاولة محفوفة بالمخاطر أن تبرز صفحات مضيئة في كتاب النكبة الأسود، ولكن الوقائع التي يشير إليها العديد من المؤرخين وتؤكدها أنت في كتابك، أن يافا قاومت حتى النهاية، وشهدت معارك سقط خلالها مئات الشهداء الفلسطينيين ومئات القتلى من صفوف العدو وكانت آخر المدن الفلسطينية التي سقطت؟
بلال شلش
شلش: الكتاب يعتمد أساسا على ملفات "حامية يافا" التي تضمنت تقارير عسكرية يومية كان يبعثها قادة الجبهات إلى اللجنة القومية والقيادة العسكرية في دمشق، كانت قد نهبتها دولة الاحتلال خلال الحرب، والملفات المخزنة في أرشيف دولة إسرائيل، والتي ترصد سير الأحداث في يافا منذ بداية كانون أول/ ديسمبر 1947، أي بعد صدور قرار التقسيم، ولغاية أواخر نيسان/ أبريل 1948، وهي فترة خمسة أشهر احتشدت بالمواجهات والمعارك منذ بدايتها وحتى نهايتها.
كما اعتمد البحث على المذكرات والسير التي كُتبت خلال المعارك وبعدها، إلى جانب العودة إلى النسخة الكاملة لصحيفتي فلسطين والدفاع وأعداد من صحف "الصريح" و"الوحدة و"الشعب"، ومصادر أولية أخرى صهيونية وعربية وبريطانية متعلقة بسير الحرب في يافا.
"عرب 48": ولكن الحرب على يافا وعلى فلسطين عموما لم تبدأ في الـ47 والـ48، والذي كان ربما تحصيل حاصل، فقد أوردت في كتابك بعض عناوين افتتاحيات الصحف الفلسطينية التي كتبت في الثلاثينيات والأربعينيات، وكانت تتحدث عن محاصرة يافا بالأطواق الاستيطانية وتدعو لإنقاذها من مخالب الصهيونية؟
شلش: صحيح، فالمشروع الصهيوني بدأ يضع اللبنات الأولى لكيانه في فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكانت المدن الفلسطينية الرئيسية، القدس ويافا وحيفا أحد أهدافه الرئيسية.
في يافا، شُرع ببناء أحياء استيطانية يهودية داخل حدود المدينة وخارجها في سنة 1887 وبنيت "أحوزات هبايت" - التي شكلت النواة الأولى لتل أبيب، في عام 1909، شمالي المدينة، في منطقة يسمونها كرم الجبالي، والتي كانت عبارة عن أراضي بساتين قبل أن يصبح حي المنشية هو المنطقة الفاصلة.
ثم بدأت تل أبيب تتطور كإطار مستقل، وتبني أحياء استيطانية جديدة، وتضم بعض الأحياء اليهودية التي كانت تتبع ليافا، مثل حي "نفيه تسيدك" وغيره، وقد استشعر سكان يافا العرب الخطر الذي يهدد مدينتهم مبكرا، خاصة في ظل الصراع الذي نشأ على ملكية أرض كرم الجبالي مع جمعية "أحوزات بايت"، كما استشعر ذلك حاكمها العثماني، حسن بك، الذي بنى مسجدا في أقصى حدود المدينة الشمالية – مسجد حسن بك - لوقف تمدد تل أبيب.
"عرب 48": حالة يافا شبيهة إلى حد ما بحالتي القدس وحيفا، علما بأنهم هناك سعوا إلى اختراق المدينتين من الداخل وتغيير التوازن الديموغرافي، بينما لم يكتفوا بذلك في يافا، فبنوا مدينة موازية وحزاما استيطانيا يلتف على عنق المدينة ويخنقها ويصادر خصائصها وصلاحياتها؟
شلش: يافا شكلت أبرز ساحات المواجهة مع المشروع ا الصهيوني، خاصة بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917، وتحول منطقتها إلى مركز الثقل الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، عدا عن أن مينائها كان مدخل المهاجرين الصهاينة إلى البلاد.
وكانت أبرز هذه المواجهات هبة أيار 1921، كما أن مينائها كان أحد أسباب ثورة 1936 - 39، إثر اكتشاف العمال العرب العاملين فيه شحنة أسلحة كبيرة مهربة للحركة الصهيونية، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1935، وكانت المدينة أولى ساحات المواجهة في نيسان/ أبريل 1936 وفي أحداث الثورة اللاحقة.
في غضون ذلك، ظلّت المدينة اليهودية الناشئة تتطور وتتوسع في كل الاتجاهات، وتحول مجلسها المحلي الذي تأسس عام 1929 إلى بلدية عام 1934، علما بأن هناك أحياء يهودية بقيت أيضا تابعة لبلدية يافا مثل حي "عزرا" وحي "هتكفا" حتى سقوط المدينة عام 1948.
أطفال يلعبون على أنقاض يافا القديمة، 1948
وكانت بلدية تل أبيب قد حاولت ضم هذه الأحياء إلى نفوذها عام 1945، إلا أنها اصطدمت بمعارضة عربية، خاصة أن طوقا استيطانيا بدأ يتشكل حول يافا يبدأ بتل أبيب من الشمال، حي "هتكفا" وحي "سلمة" و"مكفي يسرائيل" من الشرق، ومن الجهة الجنوبية "بات يام" ومجموعة مستوطنات تجمعت وسميت "حولون".
لكن بالرغم من ذلك، يافا توسعت وازدهرت عمرانيا وديمغرافيا واقتصاديا وارتفع عدد سكانها من 55 ألف نسمة عام 1933، إلى 94 ألف نسمة عام 1944، بينهم 8 آلاف يهودي عام 1931، تحلوا إلى 28 ألف يهودي عام 1941.
وتوسعت المدينة عمرانيا خارج البلدة القديمة، حيث امتدت شمالا أحياء إرشيد والمنشية، وجنوبا العجمي والجبالية، وشرقا النزهة والبصة وكرم التوت وأبو كبير وتل الريش وسكنة درويش وأحياء صغيرة أخرى. كما تطور اقتصاد المدينة بتضاعف إنتاجها من البرتقال وصيد السمك، واستعاد ميناؤها بعضا من عافيته، ونشأت بعض المصانع التي شكلت نقطة جذب للعمال.
"عرب 48": نحن نعرف أن الاستيطان الصهيوني سيطر في حيفا على المرافق الاقتصادية الأساسية، مثل الميناء وسكة الحديد والمصانع، كيف كان الحال في يافا؟
شلش: ميناء حيفا بناه الإنجليز، كما هو معروف، لتهميش والحد من قدرة وتأثير ميناء يافا الذي كان بوابة فلسطين الوحيدة على العالم، وكان يخضع للسيطرة العربية، وبنى المستوطنون لاحقا ميناء تل أبيب أيضا، وكذلك السكة الحديد المرتبطة بالميناء والمصانع، وقد يكون فشل الصهاينة في السيطرة على المراكز الاقتصادية للبلد هو ما دفعهم إلى تشكيل مركز اقتصادي سكاني مواز هو تل أبيب.
إلا أن الاستيطان الصهيوني تمكن من السيطرة على محاور الطرق الرئيسية ليافا، فقد سيطرت مستوطنات "حولون" على طريق يافا - اللد وسيطرت "مكفي يسرائيل" و"حي عزرا" على طريق يافا – القدس، وفصلت المدينة عن ريفها.
"عرب 48": عمليا يافا كانت محاصرة بحزام استيطاني صهيوني، ما هو التوازن الديموغرافي الذي كان قائما عشية الـ48؟
شلش: يافا وقعت في المنطقة التي فيها الكثافة السكانية الصهيونية الأكبر في فلسطين. تل أبيب ومنطقة المركز كانت تشكل ربع مليون مستوطن مقابل 60 - 70 ألف نسمة عدد سكان يافا العرب.
وقد أسماها المسؤول في اللجنة العربية العليا آنذاك، طه الهاشمي، في شباط/ فبراير 1948 "القلاع المحصورة"، وأعطاها أفضلية في الوظائف العسكرية وأتبعها مباشرة للقيادة العسكرية في دمشق، باعتبارها منطقة محاصرة.
"عرب 48": بعكس حيفا التي وقعت وفق قرار التقسيم في الدولة اليهودية، فإن يافا وقعت في الدولة العربية المفترضة، وبدأت المناوشات والمعارك فيها مبكرا وامتدت حتى الانسحاب البريطاني منها في 14 أيار/ مايو 1948؟
شلش: في دراستي تحققت من أن يافا شهدت معارك يومية تخللها معارك مركزية على مدى خمسة أشهر ابتداء من صدور قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 وحتى مطلع أيار/ مايو 1948، وإلى حين سقوط المدينة في 14 أيار/ مايو 1948.
وخلال تلك المعارك، كانت هناك محاولات من الطرفين لتعزيز خطوط القتال بشن عمليات مركزية، عمليات نسف مبان وبيوت متبادل وبناء استحكامات. وبمقابل سيطرة المستوطنات الصهيونية على الطرق الرئيسية، تمتع العرب بسيطرة نارية عن طريق منطقة تل الريش الكاشفة، وهي المسماة اليوم "تل هجيبوريم".
وقد اضطر الصهاينة لوقوعهم تحت مرمى النيران من هذه المنطقة لدى خروجهم إلى بات يام، إلى استحداث طرق بديلة عن طريق الرملة - بات يام – حولون، للخروج للشمال وتجاوز المنطقة العربية. لذلك بدأت أول عمليات الصهاينة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1947 بمحاولة احتلال تل الريش، التي أعقبها اشتباكات في الأحياء المشتركة، المنشية وحي الكرمل وسوق اليهود ومنطقة مسجد حسن بك.
العرب كان لديهم سلاح واستعداد وإن كان أقل من الكثافة الصهيونية، علما بأن التسلح الصهيوني المبكر كان متواضعا أيضا في هذه المنطقة، فمنطقة تل أبيب كانت الأكبر في "الهاعاناه"، إلا أن الأخيرة كانت قد دفعت بجنودها المحترفين إلى جبهات قتال أهم في الشمال والجنوب ومنطقة القدس، وبالتالي بقي في منطقة تل أبيب من هم أقل خبرة، إضافة إلى مقاتلي عصابة "ليحي" التي فجرت في وقت مبكر مبنى السرايا وقتلت العشرات.
من أرشيف الأمم المتحدة لمصور غير معروف، بداية النزوح من يافا
وتركزت المعارك بإطلاق نار متبادل ويومي واستهداف خطوط المواصلات وعمليات القنص، وكانت ساحتها منطقة حسن بك وتل الريش وأبو كبير، حيث كانت هذه المناطق تتمتع بسيطرة نارية على الأحياء الاستيطانية اليهودية المجاورة.
وتظهر الأرقام التي رصدناها لعمليات القنص وإطلاق النار وعمليات نسف البيوت والعمارات، حجم الاشتباك الكثيف الذي كان سائدا.
"عرب 48": بالعودة لعنوان الكتاب "حامية يافا"، ممن تشكلت هذه الحامية ومن كان يقودها؟
شلش: حامية يافا تشكلت بنواتها الأساسية من أبناء البلد، وانضم إليها عمال عرب يمنيون وحجازيون، كانوا يعملون كحراس بيارات في يافا، وهي متفرعة عن تنظيم عسكري تابع للهيئة العربية العليا أطلق على نفسه اسم "حماة الأقصى"، قاده المجاهد حسن سلامة، وهو أحد قادة ثورة 36، وكان من مسؤوليها البارزين حسن حسونة، من سكان يافا، الذي كان له أيضا دور بارز في ثورة 1936، إلى جانب صلاح الناظم، وهو خليلي انتدبته اللجنة القومية لتسلم ملف الأمن في يافا.
وقد استلم الاثنان زمام المسؤولية، إلى أن قررت اللجنة العسكرية العليا في دمشق، مطلع شباط 48، تحويل كل ما هو متعلق بملف الأمن في فلسطين لمسؤوليتها، وتحكمت بذلك بالقرار والتسليح والتمويل والتنظيم.
التغيير الذي حصل هنا هو إخراج يافا من منطقة نفوذ حسن سلامة، الذي كان بمثابة قائد القطاع الغربي في المنطقة الوسطى الممتد من اللد إلى يافا، واعتبار يافا "قلاع محصورة" يقتصر الفعل العسكري فيها على الدفاع، وتزويدها بسلاح دفاعي فقط، وتولى مسؤولية الحامية فيها ضابط عراقي يدعى عادل نجم الدين، وتم تعزيزها بـ50 مقاتلا عراقيا و40 مقاتلا أجنبيا من الألمان والأذريين.
"عرب 48": عندما نتحدث عن حامية ما هو عدد المقاتلين فيها؟
شلش: الحامية يتراوح عددها بين 950 و1100 مقاتل، معظمهم من أبناء البلد، وحتى نأخذ فكرة أوضح عن حجم المعارك، فقد نجحنا في رصد منذ بداية شباط/ فبراير وحتى نهاية نيسان/ أبريل 573 ألف طلقة و6 آلاف قنبلة يدوية ألقيت و649 قذيفة هاون أطلقت من مختلف الأعيرة.
وبرغم الفجوة التسليحية لصالح المنظمات الصهيونية، إلا أن التوازن على الأرض كان محتملا حتى دخول سلاح الصفقة التشيكية، وكانت المعارك في يافا كر وفر حتى نهاية نيسان/ أبريل ومطلع أيار/ مايو، ويمكن القول إن المدينة لم تسقط بالمعنى العسكري، كما يستدل من التوازن الذي كان قائما في الهجمات والخسائر البشرية المتبادلة، والتي أحصيناها بالأرقام والأيام استنادا لسجلات الحامية اليومية والمصادر الصهيونية والعربية الأخرى، بل إن تفكك الحامية و"حاميات" أخرى بفعل جملة من الأسباب الذاتية والمرتبطة بالجبهات الأخرى، هو الذي وفر النصر للصهاينة في يافا وفي عموم فلسطين.
**بلال شلش: باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن مشروع بحث القضية الفلسطينية وتوثيقها. مرشح دكتوراه علوم اجتماعية في جامعة بيرزيت. حائز على ماجستير التاريخ العربي والإسلامي في جامعة بيرزيت (2015)، وماجستير الدراسات الإسرائيلية (2018). حصل على جائزة إلياس خوري للتميز والإبداع من برنامج ماجستير الدراسات الإسرائيلية (2018). يعمل حاليًا على بحث الفعل العسكري الفلسطيني خلال حرب 1947-1948. صدر له عدة كتب وأوراق بحثية محكّمة، أهمها كتاب "يافا.. دمٌ على حجر: حامية يافا وفعلها العسكري دراسة ووثائق" في مجلدين عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2019، وسيصدر له قريبًا كتاب جديد بعنوان: "داخل السُّور القديم.. نصوص قاسم الريماوي عن "الجهاد المقدس": تحقيق ودراسة".
*المصدر عرب48

1