أحدث الأخبار
الجمعة 17 أيلول/سبتمبر 2021
الصهيونية والعنزة السوداء!! *الجزء الاول
بقلم :  جمال زحالقة ... 14.07.2021

**نبذة مختصرة:
نالت الماعز السوداء نصيبها من العداء الصهيوني لكل ما يمتّ بصلة إلى تاريخ الفلسطينيين وتراثهم وبيئتهم، فحُظرت بقانون سُنّ في سنة 1950، ولوحقت، وصُفيت، وضُربت البيئة الاجتماعية لتربيتها، بذريعة أنها مؤذية للبيئة، وارتكازاً إلى سياسة القضاء على كل ما هو فلسطيني. وبعد ستة عقود، تأكد الخطر البيئي الذي نتج من الحرب ضد العنزة السوداء، وبالتالي سُن قانون جديد أُلغي بموجبه القانون القديم، وباتت العنزة السوداء مرحباً بها.
*النص الكامل:
لم يعد هناك الآن (على الحائط) سوى وصية واحدة وهي:
جميع الحيوانات متساوية
لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها
جورج أورويل، "مزرعة الحيوان"
*الاستعمار والحيوان
نُشرت في الأعوام الأخيرة إصدارات كثيرة بشأن مسألة الاستيطان الكولونيالي والحيواني،1 وتناولت هذه الدراسات والمقالات حالات كندا والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأستراليا ونيوزلندا وجنوب أفريقيا، وإن لم يُنشر إلّا القليل عن علاقة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بالنباتات والحيوانات.2
ربطت هذه الأبحاث دراسات الحيوان النقدية بالتوجهات المناهضة للاستعمار الاستيطاني،3 ووصفت كيف جرى تقييم السكان الأصليين في البلاد المستعمرة بأنهم "دونيون وبشرٌ بشقّ الأنفس، فهم أقرب إلى الحيوان منهم إلى الإنسان المتحضر."4 وجرى بناء تراتبية في مقدمها الإنسان المستوطن المتحضر، وفي أسفلها الحيوانات، أمّا السكان الأصليون فهم في منزلة بين المنزلتين، فعند المستعمرين المتشددين هم بشر متوحشون أدنى إلى المرتبة السفلى، وعند المتنورين (إذا صح التعبير) هم أقرب إلى مصاف الإنسان.
كما تسلط هذه الدراسات الضوء على العنف والمحو الذي تعرضت له الحيوانات أيضاً خلال عملية محو السكان الأصليين،5 وتمزيق حضارتهم وتدمير تراثهم وطمس ما في صلب كيانهم من بنى معرفية واجتماعية وأساليب حياة، وفك ارتباطهم بالطبيعة وبحيواناتهم ونباتاتهم المدجنة والبرية، مع إدراك أن القمع والعنف والتمييز والإقصاء والتدمير والمحو والطمس، أمور كلها تدور حول محور مركزي هو مسألة الأرض – أرض السكان الأصليين.6
وبين المقاربات الخاصة بعلاقة الاستعمار الاستيطاني بالحيوانات، ما سُمي استعمار الحيوان، الذي عُرّف بأنه" ظاهرة مزدوجة مكونة من جهة من استغلال الحيوانات لاستعمار الأرض والناس والحيوانات المحلية، ومن جهة أُخرى فرض أنظمة وقوانين وممارسات أجنبية بشأن علاقة أهل البلد بحيواناتهم على المجتمعات المحلية وبيئتها"،7 إذ قام الأوروبيون "بتجنيد الماشية كشريكة في الاستيطان"، ودأبوا على استبدال الثروة الحيوانية والزراعية المحلية.. ومزّق هذا "الاجتياح البيولوجي"8 كيان السكان الأصليين وحياة حيواناتهم وظروف بيئتهم والعلاقات المتبادلة بين الإنسان والحيوان والبيئة في المجتمعات الواقعة تحت الاستعمار الاستيطاني.
قد تختلف حركات الاستعمار الاستيطاني في كثير من الأمور الظاهرية، بل حتى الجوهرية، غير أن أمراً مشتركاً ومحورياً يلازمها ويميزها كلها وهو أن هناك محتلاً يستولي ويقمع وينهب ويستغل، وهناك شعب يتعرض للاحتلال والاستغلال والإذلال والتهجير، ولهذه الحركات الرواية نفسها: سكان البلد المتخلفون جعلوا بلدهم أجرد أقفر، بينما جاء المستوطن الأبيض المتنور والمتحضر لينقذها ويطورها ويشيد التقدم والازدهار فيها. وفي حالتنا، لم يكن الفلسطيني المتهم الوحيد بجعل البلد "قفراً"، وإنما كان له شريكة في التهمة هي عنزته المحلية السوداء.
* الماعز في فلسطين
لعل الماعز من أوائل الحيوانات التي قام الإنسان بتدجينها في بداية الثورة الزراعية، إذ كانت الماعز البرية السوداء منتشرة في منطقة الهلال الخصيب ومناطق أُخرى. ويرجع هذا التدجين إلى نحو 10,000 عام في منطقة الشرق الأوسط،9 وفي فلسطين تحديداً أُقيمت أولى المدن في منطقة أريحا، وجرى مع بداية الانتقال إلى الزراعة تدجين الماعز. وعبر آلاف السنين لاءمت الماعز السوداء نفسها مع الظروف البيئية والطبيعية، كما أن الطبيعة في فلسطين التاريخية تكيفت مع هذه العنزة وسلوكها الرعوي، وأصبحت الماعز مركباً مهماً في حفظ التوازن البيئي. وأي حديث عن دورها البيئي يجب أن يبدأ من أنها ليست هي التي تغير البيئة، بل إن إبعادها عن البيئة هو ضربة للتوازن الإيكولوجي والتنوع البيولوجي، وهذه اليوم مقولة علمية سائدة.
العنزة السوداء.
تدل الأبحاث الموضوعية على أن رعي الماعز يساهم جدياً في حماية الغابات من الحرائق،10 عبر تنظيف أرض المناطق الحرشية من جميع أشكال النباتات، بما فيها الأشواك والأغراس الخشبية، الأمر الذي يوجِد شرائط عازلة تمنع امتداد النيران. كما أن الماعز تمنع هيمنة أنواع معينة من النباتات على حساب غيرها، وهناك دراسات علمية متزايدة تؤكد دور الماعز في زيادة التنوع البيولوجي النباتي والحيواني،11 فالماعز السوداء الفلسطينية قوية وتأكل ما لا يأكله غيرها، وتدخل مناطق لا تصمد فيها غيرها من الماشية، ولذا لا بديل منها في دورها "البيئي". لكن ومثلما سنرى لاحقاً، فإن للصهيونية وباحثيها وأبواقها رأياً مختلفاً.
لم تكن الماعز جزءاً من التوازن البيئي فحسب، بل كانت ولا تزال أيضاً مكوناً مهماً في أسلوب الحياة واقتصاد وثقافة طعام العائلة الفلسطينية قبل النكبة، وإلى حد ما بعدها، كما كانت مصدراً مهماً للطعام من لحم وحليب ولبن وأجبان وسمن. وكان شعر الماعز يُستخدم في صنع خيام "بيوت الشعر"، وجلدها لقِرب الماء وقِرب خضّ الحليب لإنتاج السمن، وكانت تساق أحياناً إلى قطع أرض لتنظيفها من الأشواك والشجيرات والأعشاب تمهيداً لزراعتها.
يسمي الفلسطينيون قطعان الماعز بالحلال، ولكل ماعز اسمها بحسب العمر:12 فحتى عمر سنة اسم الذكر سخل أو جدي والأنثى سخلة، وحتى سنتين الذكر صاعور أو ثني والأنثى جفرا أو شعرية، وحتى ثلاث سنوات الذكر ثليثي والأنثى عنزة، وحتى أربع سنوات الذكر رباع والأنثى ظهر، وأربع سنوات وما فوق الذكر تيس أو فحل أو عتيق أو كراز والأنثى ظهر أو عنزة. ويجري تمييز قطعان الماعز بعضها من بعض من خلال وسم على الأذن خاص بكل قبيلة، وأحياناً خاص بكل صاحب قطيع، وعادة ما يتم الوسم عن طريق الكي في الأذن.
وفي حديث لي مع رعاة ماعز من منطقة النقب والمثلث، تبيّن أنهم كانوا، حين يكون القطيع صغيراً، يطلقون أسماء على جميع الماعز، أمّا حين يكون القطيع كبير العدد فإن الأسماء "الشخصية" تطلَق فقط على ماعز لها خصوصية، فمثلاً إذا كانت كثيرة الحركة، تحظى بكنية تدل على ذلك، وإذا كانت تُكثر الهروب من القطيع يكون لها اسم مميز، وعندما تكون مدرّة للحليب أكثر من غيرها فلها اسم خاص بها، وذَكَر الماعز القوي الذي يتفوق في فحولته الجنسية تكون له كنية خاصة بذلك وهكذا.. وفي جميع الأحوال يعرف الراعي أو الراعية جيداً "شخصية" كل عنزة ويعرف كيف يتعامل معها. وتقود القطيع (قطيع الماعز أو قطيع مختلط مع الضأن وهذا أكثر انتشاراً) عادة عنزة تسمى "سحوب"، لها مواصفات مميزة، وأولها أن تكون قوية وذكية، تفهم الإشارات والأصوات التي تصدر عن الراعي وتستجيب لها، وثانيها أن تلحق بها الماعز حيث تسير، وثالثها ألّا تكون لها حركات مستقلة من دون أمر من الراعي. ويثبَّت في رقبتها جرس خاص يسمع رنينه وطنينه القطيع كله خلال سيره، وعن مِرياع الغنم قال محمود درويش، معبّراً عن ذاكرة جيل فلسطيني كامل سمع الأصوات نفسها:
ونَغْمات أجراس مرياع كل قطيعٍ
ترنّ بأذني إذا ما تباهى وحرك عِطفيهِ
ذات اليمين وذات الشمال
أخذت الماعز حيزاً مهماً في التراث والأدب الفلسطينيين، عبر كلمة "جفرا" التي تعني أنثى الماعز الصغيرة.13 ففي التراث يردد الفلسطينيون أغاني "جفرا ويا هالربع" ويدبكون بحماسة على إيقاعها في جميع أعراسهم التقليدية. أمّا في الأدب فقد أتحفنا الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة بقصائده الرائعة عن الشهيدة - الحبيبة "جفرا". وقد حملت بعض القصائد الجفراوية للمناصرة دلالات زراعية ورعوية، تبعاً للمعنى اللغوي لكلمة جفرا، والارتباط العميق بين ذاكرة الفلسطيني وهويته، والعنزة الفلسطينية السوداء ودلالاتها.
* انتداب ضد الماعز الفلسطيني
كانت تربية الماعز ركناً مهماً في الاقتصاد الفلسطيني في العهد العثماني، فقد شكّل الماعز نحو ربع الدخل من الزراعة، وكان مردود العنزة الواحدة أكثر من دخل دونم أرض مفلوحة. واستفاد الناس من كون العنزة ملائمة للأماكن الصعبة في الجبال وأطراف الصحراء، حتى إن أهل المدن اقتنوا قطعان ماعز وسلموها للرعاة دافعين إليهم أجر عملهم. وبموجب الإحصاء العثماني لسنة 1909، كان عدد الماعز المسجلة في فلسطين نحو 239,000 رأس، 14 لكن هذه الأعداد تراجعت بصورة عامة في نهاية العهد العثماني، بسبب انتشار أمراض وأوبئة أدت إلى نفوق عدد كبير من الماعز والخراف والبقر.
جاء في الإصدارات الصهيونية والانتدابية، العلمية منها والسياسية، أن التربة والأرض في فلسطين في العهد العثماني كانت في حالة مزرية: "من أهم أسباب تفتيت وتآكل التربة هو الرعي الجائر، وخصوصاً من قبل الماعز.. الأمر الذي أدى إلى تعطيل التشجير، وهجر ما كان آهلاً، وإهمال المدرجات الزراعية الواقية للتربة وانهيارها." وجاء فيها أيضاً: "جرت هذه العملية طوال الحقبة الإسلامية، ووصلت إلى الحضيض في القرن التاسع عشر، بما يتناقض والماضي النبيل الذي وصل إلى ذروته في العهد الروماني."15
في عهد الانتداب، وصل عدد الماعز الفلسطينية إلى 440,000 وفق الإحصاء البريطاني في سنة 1930، وإلى 475,000 في سنة 1942. 16 وكان هدف الإحصاء في العهدَين العثماني والبريطاني هو فرض الضرائب، إذ إن أصحاب قطعان الماعز كانوا يدفعون 48 مليماً للرأس، "وكثيراً ما تكررت الشكوى من ثقل هذه الضريبة والمطالبة بتخفيضها."17 ويميل معظم الباحثين إلى أن الاعداد الحقيقية للماعز أكبر من ذلك بسبب إخفاء ماعز عن الإحصاء تهرباً من الضرائب التي فُرضت على المنتوجات الزراعية والثروة الحيوانية، وهناك تقديرات بأن عدد الماعز في فلسطين عشية النكبة وصل إلى 750,000 رأس.18
امتلك الفلسطينيون في عهد الانتداب نحو 98% من الماعز في فلسطين.19 وبما أن الماعز السوداء كانت فلسطينية جسداً وعدداً، فإنه كان هناك توافق تام بين الانتداب والييشوف في معاداتها وفي ضرورة اتخاذ خطوات ضدها، إذ اعتبرت سلطات الانتداب مواشي الرعي الفلسطينية مسؤولة عن "الحالة البائسة للتربة في فلسطين." وأصدر المسؤول في هيئة حماية التربة الانتدابية، ف. تيلار، الذي اشتهر بمقولته إن الماعز هي "عدو الجمهور رقم واحد!"، كرّاساً حكومياً بعنوان: "أنقذوا تربتنا: كرّاس يشرح مخاطر تآكل التربة على التنمية في فلسطين، وطرق معالجتها".20
وفي محاضرة ألقاها في سنة 1928، أمام "الجمعية الاقتصادية الفلسطينية"، عبّر الكولونيل أ. ساوير، مدير الزراعة والغابات في حكومة الانتداب، عن الكراهية البريطانية للعنزة الفلسطينية قائلاً: "بقيت هناك مشكلة مستعصية وهي العنزة – ذلك المخلوق الشرير الذي سُنت ضده قوانين أكثر من أي حيوان أليف آخر." وعلى الرغم من اعترافه بفوائد الماعز في الوقاية من الحرائق، فإنه أوصى بفرض قيود شديدة على الرعي، واشتراط الرعي في الأراضي المفتوحة بالحصول على ترخيص خاص بذلك.21
وفي المسح الذي جرى تحضيره للجنة التحقيق الأنجلو أميركية في سنة 1946، حمّل البريطاني ج. شو، السكرتير الأول لحكومة فلسطين الانتدابية، الماعز السوداء وأصحابها المسؤولية المباشرة عن مشكلة تحويل الأرض في فلسطين إلى جرداء.22 وكذلك كان رأي عالم الجيولوجيا والحفاظ على التربة، والتر كلاي لوديرميلك، الذي زار فلسطين على رأس بعثة علمية أميركية لدراسة إمكانات الاستفادة من التجربة في معالجة خراب التربة لحل مشكلات مماثلة في بعض الولايات الأميركية، وكتب عن تخريب التربة عبر أهلها وماعزهم، واستبشر خيراً بالزراعة في المستعمرات الصهيونية.23 وكان لوديرميلك صهيونياً، وقد زار البلد عدة مرات، وعاد في بداية الخمسينيات وساهم في إقامة كلية الزراعة في معهد "التخنيون" في حيفا.
لم تكن العلاقة بين العلماء البريطانيين والعلماء الصهيونيين بشأن أحوال البيئة في فلسطين وهوية المسؤول عن هذه الأحوال مجرد توارد أفكار، ولا حتى توافقاً في الرؤيا، وإنما كانت وحدة حال وانسجاماً تاماً في معسكر "علمي" واحد، ليس في التشخيص والتحليل فحسب، بل في تحميل المسؤولية أيضاً. وكان من أهم علماء البيئة المؤثرين في سلطات الانتداب، ولاحقاً في السلطات الإسرائيلية، عالم التربة الصهيوني البروفسور أدولف ريفنبرغ، الذي أصدر في سنة 1938 كتاباً عن التربة والأراضي في فلسطين، اعتبر فيه العلاقة بين المنظر الطبيعي في فلسطين والزراعة والرعي التقليديين كارثة: "خمسة عشر قرناً والأرض تتعرض للتخريب الدائم. إهمال التلول الواقية، وإبادة الشجر، جعلا التربة عارية وعرضة لأشكال التآكل كافة.. فما كان يوماً أرضاً خصبة صار يغطيها كثبان الرمال.. الصحراء زحفت فوق البلد.. الرعي الجائر قضى على الغطاء النباتي وكشف التربة لتذروها الرياح.. وفي منطقة بئر السبع تندلع زوابع الغبار بوتيرة عالية."24 وقد شجّع مثل هذه الكتابات إدارة الانتداب على اتخاذ خطوات عملية، وأثّر في علماء بريطانيين وأميركيين، وكان لريفنبرغ لاحقاً تأثير مهم في الدفع نحو سنّ "قانون أضرار الماعز – 1950" وفي تسويغه.
وتبعاً لنصائح القيادات الصهيونية وعلمائها وأصدقائها، قامت سلطات الانتداب بسنّ مجموعة من القوانين تقلّص إمكانات رعي الماعز، ومنها قانون الغابات25 الذي يمنع رعي الماعز في الغابة وما حولها، إذ أعلن الانتداب أن 830,000 دونم هي مناطق حرشية موزعة على 430 غابة، كما سنّ قانون منع تجريد الرمل وقانون منع تجريد التراب وقانون ترخيص الرعاة وغيرها. وفرضت سلطات الانتداب الضرائب الباهظة نسبياً، وقامت بتشجيع أصحاب القطعان على بيع ماعزهم واستبدالها بالغنم، على الرغم من النقص في الماعز واستيراد عشرات الآلاف من الرؤوس للذبح سنوياً.26
لقد اعتبر الانتداب البريطاني الماعز مسألة توجب الضبط السلطوي، وشملت مواجهتها تسجيل أسماء أصحاب الماعز في مستندات خاصة تشمل قائمة بأسماء أصحاب الماعز وعدد الرؤوس التي في حيازتهم، وتلخصت سياسة الانتداب الرسمية تجاه الماعز بثلاثة إجراءات: إحصاء، وضرائب، وتقييد للحركة.27
لم يستسغ المستوطنون الذين جاءوا إلى فلسطين، شرب حليب الماعز واعتبروه "غير صحي وذا راحة نتنة ومذاق مقزز"، وأتوا بالأبقار مروجين لحليبها الصحي عذب المذاق.28 وعلى الرغم من حملات التسويق، فإن مستوطني القرية الزراعية "دجانيا" شكوا من أن سكان طبرية العرب واليهود يرفضون شرب حليب بقر المستعمرات بعد أن تعودوا على حليب طازج من عنزات حلوب تأتي به فلاحات من المنطقة إلى طبرية. واعتبر الييشوف حليب الماعز حليباً عربياً سيىء السمعة والمذاق، في حين مثّل حليب الأبقار المحسنة قمة الصحة والمذاق الحسن.
لا يُعرف بالضبط مصير نصف مليون رأس ماعز فلسطيني وغيرها من الحيوانات البيتية والأليفة خلال أحداث النكبة، غير أن هناك معلومات مؤكدة أن قوات الاحتلال الإسرائيلية استولت على أعداد كبيرة منها في عدد من القرى الفلسطينية، حتى في تلك التي لم تُهجّر في سنة 1948. وهناك عدد قليل من الحيوانات، وخصوصاُ الماعز والبغال، اصطحبها اللاجئون معهم خلال نزوحهم، لكن يبدو أن أغلبية الماعز والحيوانات الأُخرى بقيت في القرى المهجرة ولم يُعرف مصيرها، وعنها كتب محمود درويش رائعته "لماذا تركت الحصان وحيداً".
بعد النكبة بقي في حيازة الفلسطينيين الذي بقوا في وطنهم داخل الخط الأخضر ما يقارب 100,000 رأس ماعز،29 أمّا الباقي فتعرض للتهجير والذبح، ولا دليل على أن ماعزاً سوداء فلسطينية انتقلت إلى التربية في مزارع المستوطنين اليهود. وعلى الرغم من الانخفاض الكبير في عدد الماعز وفي انتشارها، فإن شحنات الكراهية الانتدابية الصهيونية ضد الماعز الفلسطينية لم تخفّ، وإنما استمرت بقوة أكبر بعد إقامة الدولة العبرية، وكان "من الصعب أن تجد نزعة للانتداب البريطاني انتقلت بسلاسة إلى إسرائيل أكثر من الكراهية العميقة للرعي غير المنظم، وخصوصاً من طرف الماعز."30
* قانون العنزة السوداء
سنّ الكنيست الإسرائيلي قانون "حماية النبات – أضرار الماعز"، في تموز / يوليو 1950، وكان الهدف منه، مثلما جاء في رسالة وجهتها وزارة الزراعة الإسرائيلية إلى لجنة الاقتصاد التابعة للكنيست، هو "القضاء على قطعان الماعز المتنقلة"، والقصد هو الماعز السوداء.31 ولم يكن هذا القانون إيذاناً ببداية عهد جديد في التعامل مع الماعز الفلسطيني، وإنما كان استمراراً طبيعياً للمواقف التي سادت في الييشوف بهذا الشأن، ولموقف الانتداب البريطاني الذي تميز بالحماسة والاندفاع في معاداته للماعز،32 وهي عداوة لم تكن خاملة. ويرجع العداء الصهيوني، وتلاه البريطاني، للماعز إلى أنها "متنقلة"، الأمر الذي يعرقل مشروع محاصرة الوجود الفلسطيني، إذ تجوع الماعز وتعطش، فيقوم أصحابها بالانتقال إلى حيث الكلأ والماء. والماعز الفلسطينية غير قابلة للحشر في مكان ثابت، ولذا لم تجرِ أي محاولة لفرض قيود معقولة عليها، وإنما جرى سنّ قانون هدفه القضاء عليها كلياً، وهذا ما قاله كثير من القيّمين على هذا القانون وعلى تطبيقه.
وينصّ القانون عملياً على منع تربية ورعي الماعز السوداء الفلسطينية، عبر فرض إجراءات صارمة تجعل امتلاك قطعان الماعز بشكل قانوني أمراً مستحيلاً. فالمسموح به وفق هذا القانون هو حيازة الماعز ورعيها في أراضي ملكيةٍ خاصة على أساس رأس ماعز واحد في 40 دونماً من الأراضي البعلية، أو 10 دونمات من الأراضي المروية، أي مساحة قرية كاملة لقطيع متوسط الحجم! كما يُمنع بتاتاً رعي الماعز في الغابات أو المناطق المعدة للتحريش، ويُمنع حتى مرورها وانتقالها إلى أراضٍ ليست ملكاً لصاحب القطيع، بما في ذلك الأراضي المسماة أراضي دولة. ويحقّ لمفتش مخوّل بذلك أن يدخل إلى أي مكان وفي أي وقت (سوى داخل البيوت) للبحث عن الماعز، كما يحقّ له أن يضع يده على "ماعز غير قانونية" فيبيعها بسعر يحدده ممثل وزارة الزراعة، ثم يسترد صاحب القطيع ثمن ماعزه بعد اقتطاع مصاريف النقل والحيازة والبيع. وبموجب هذا القانون تُفرض عقوبة على مَن يخالفه تصل إلى ستة أشهر سجن، أو غرامة تبلغ 150 ليرة، أو كلاهما.33
طُرح قانون "حماية النبات - أضرار الماعز"، الذي عُرف باسم "قانون العنزة السوداء" في القراءة الأولى في 15 /5 / 1950، وقال وزير الزراعة دوف يوسيف في معرض تقديمه للقانون، إنه جاء لمنع "الأضرار الكثيرة في البلد، والتي خلفتها قطعان الماعز التي أبادت كثيراً من النبات.."34
وجاء في الشرح المرفق بالقانون: "وجود قطعان الماعز المتنقلة هو حجر عثرة كبير في طريق مشروع غرس الأشجار، والذي يجري تنفيذه هذه الأيام على نطاق واسع. فالقانون المطروح يضع تقييدات شديدة على إمكان تربية الماعز التي ليست ماعزاً بيتية، والتي ترعى عادة في قطعان متنقلة. وبموجب قانون الغابات لا يُسمح بالرعي إلّا بترخيص، وهذا القانون يمنع ذلك حتى بترخيص. وجميع التقييدات الواردة في القانون لا تنطبق على الماعز البيتية التي لا خطر منها."35
فعلاً، وفي اليوم نفسه، جرى بموازاة سن قانون "العنزة السوداء" تعديل قانون "ترخيص الرعاة"، وهو قانون انتدابي ساري المفعول منذ سنة 1946، بحيث جرى شطب كلمة "ماعز"، والإبقاء على إمكان الحصول على ترخيص لرعي الغنم. وتساءل عضو الكنيست أهارون تسيزلنج من حزب مبام اليساري الصهيوني: "لماذا يحتاج الراعي إلى ترخيص؟ وهل ممارسة الرعي بحاجة إلى ترخيص؟"، فردّ عليه وزير الزراعة بأن الرعي في مناطق محددة بحاجة إلى رخصة. غير أن السؤال الذي طرحه عضو الكنيست شلومو ليفيه خلال النقاش، وهو: "لماذا التمييز بين الماعز والغنم؟"، بقي بلا جواب، كسؤاله التالي الذي لم يحظَ بجواب أيضاً: "تدّعون أن الماعز خربت النقب، ألم يخطر في بالكم أن ما خرّب النقب هو قلة الأمطار؟"36
أثار الشرح المرفق لقانون "أضرار الماعز" حفيظة عضو الكنيست المتدين إلياهو جنحوفسكي الذي شكا من أن الشرح لم يستند إلى التراث، وإلى ما جاء في المشناه: "لا تربّوا بهيمة نحيفة في أرض إسرائيل"،37 ودعا إلى تأصيل القوانين على تراث النصوص الدينية. وهو طبعاً، لم يكلف خاطره للشرح لماذا يطبّق هذا التحريم اليهودي على العرب، وعلى العرب وحدهم.
أمّا المدير العام لوزارة الزراعة فبقّ الحصاة، وقال في جلسة لجنة الاقتصاد، التي ناقشت قانون أضرار الماعز في 20 / 6 / 1950: "موضوع الماعز هو موضوع جدي وخطير ولا يمكن الاستهتار به. البلد أصبح قفراً وخراباً بسبب العرب وبسبب الماعز. لقد تخلصنا من العرب، وفي قدرتنا التخلص من الماعز.."38
جرت المصادقة النهائية على قانون "العنزة السوداء" نهائياً بالقراءة الثانية والثالثة في 10 تموز / يوليو 1950. وخلال طرحه للقانون قال رئيس لجنة الاقتصاد، مناحم بدر: "هدفنا علاج وباء الماعز المتنقلة التي لها ضلع كبير في إبادة النبات وفي تكوّن لعنة الإقفار. العنزة المتنقلة على عكس الخراف وماعز البيت، تقتلع الجذر من كل عشب ونبات، وتقضم وتعلك الأغراس وتقضي عليها. وهكذا لا يمكن أن نجد ما يمنع الفيضانات وجرف التربة، كما أن أراضي خضراء تحولت إلى رمل وحجر وصحراء. ولا يمكن وقف هذا الأمر ولا يمكن تطوير الزراعة في البلد، إذا لم نوفر لها الحماية، وإذا لم نوفر بكثرة أشجاراً وأغراساً، وهاكم شرطاً مسبقاً لوفرة الشجر والغرس وهو حمايتهما من كل ما يبيد النبات. الماعز المتنقلة تبيد النبات، ولهذا جاء القانون ليفرض قيوداً شديدة على تربيتها ورعيها."39
كان السبب المباشر لسنّ هذا القانون هو أن الماعز السوداء انقضّت على أغراس شجيرات الصنوبر التي غرسها "هكيرين هكييمت" (الصندوق القومي اليهودي)، في إطار حملة إسرائيلية محمومة بعد النكبة هدفت إلى محو وإخفاء آثار مئات القرى الفلسطينية المهجرة، وإلى سدّ الطريق نهائياً على عودة اللاجئين الذين هُجّروا قبل سنّ القانون بعام أو عامَين. الهدف الآخر لهذا الزرع المهووس فكان إضفاء منظر أوروبي مشابه لما اعتادت عليه أعين المستوطنين القادمين من بعيد. أمّا الهدف الثالث فهو خلق وقائع على الأرض، إذ يهدف التحريش إلى تثبيت الاستيلاء على الأرض، وجعلها احتياطاً يمكن تحويل استعماله إلى أغراض المشروع الإسرائيلي الصهيوني في أي وقت.
والادعاء أن إسرائيل تقوم بالتحريش لأغراض بيئية محضة، منافٍ للحقيقة وللوقائع على الأرض، فهو في الحقيقة مشروع كولونيالي شكلاً ومضموناً، إذ جاء الصهيونيون بأشجار الصنوبر وغرسوها بوحشية في أرض السنديان والزعرور والبطم والخروب والرمان والزيتون، وفي هذا يقول محمود درويش: "أُطلّ على نورس وعلى شاحنات الجنود تغير أشجار المكان..". ويُعتبر استبدال المشهد الفلسطيني بمشهد كولونيالي غريب عن المكان من الخطوات الأولى التي قامت بها إسرائيل بعد النكبة، وهو نوع من الإيكولوجيا الكولونيالية،40 ففي المكان الذي لا تقام مستعمرة، تُغرس أشجار الصنوبر الأوروبية كنوع من الاستعمار البيئي. لقد ساد إجماع في المؤسسات الصهيونية على أن وجود الغابات يمنع "غزو أراضي الدولة من طرف العرب"، ويبقيها في حيازة الشعب اليهودي ودولته الفتية.
لم تكترث الماعز السوداء بهذا المشروع الصهيوني، وإنما رأت في أغراس الصنوبر الغضة طعاماً لذيذاً فقامت بالتهامها بلا تردد. وهكذا اتُّهمت العنزة، من طرف النخبة السياسية والاستيطانية، بأنها ليست معادية للطبيعة فقط، بل إنها معادية للصهيونية أيضاً، مثلما وصفها، في تلك الفترة، الكتّاب والصحافيون والسياسيون وعامة الشعب والمختصون وعلماء النبات والحيوان في إسرائيل. ومن هنا جاء في الشرح المرفق بقانون "العنزة السوداء"، أن الماعز الفلسطينية هي عائق أمام مشروع غرس الأشجار، ويجب إزالتها عبر فرض قيود صارمة تجعل من المستحيل تربيتها.
لم يكن قضم أغراس الصنوبر الغضّة هو السبب الوحيد لموقف الصهيونية من الماعز السوداء، ففي النقب على سبيل المثال كان من النادر أن تدخل الماعز الغابات القليلة الموجودة هناك، فهي كانت ترعى في الأرض المفتوحة، ومع ذلك تركزت الحملة ضدها في النقب تحديداً، وبشكل أقل كثيراً في مناطق أُخرى. وما أزعج إسرائيل حقاً أن الماعز الفلسطينية تُعتبر أكثر الحيوانات حاجة وقدرة على التنقل ودخول مناطق جديدة، فحاجتها إلى الطعام والشراب تجعلها تتنقل باستمرار، ومع الماعز يأتي الرعاة وعائلاتهم، وهذا تحديداً ما أثار غضب الصهيونية على الماعز (وعلى أصحابها)، لأنها عصية على الضبط السلطوي وغير ملتزمة بالحدود الضيقة التي رسمتها الصهيونية للوجود الفلسطيني ولحيواناته الأليفة. لذلك، كان الهدف هو القضاء على العنزة الفلسطينية تماماً كي يلزم الفلسطيني الذي بقي في وطنه حدوده.
من وجهة نظر الراعي الفلسطيني وعنزته الفلسطينية، فإنهما لم يدخلا أرضاً ليست لهما، ولم يجتازا أي حدود، فهما لم يذهبا إلى أغراس الصنوبر، وإنما هي التي جاءت إليهما وغزت أرضهما. كما أن أحداً لم يطلب منهما أن يبتعدا عن أغراس الأشجار إلى مكان آخر، أو إلى غابة أو حرش آخر ليس فيهما أغراس جديدة، وهي أماكن كان هناك كثير منها، بل طُلب من الراعي أن يبيع ماعزه أو يذبحها، وإن لم يفعل هذا فإن الدولة ستقوم بذلك.
وماذا كان الرد؟ طبعاً الماعز لم تتكلم، فمع أن الماعز الفلسطينية، مثلما يقول الرعاة، "شاطرة وذكية"، إلّا إنها لا تجيد الثغاء بلغة البشر. أمّا الراعي الفلسطيني فيعتبر علاقته بالأرض وبالماعز أمراً ليس بحاجة إلى شرح وتفسير وتبرير، حتى إن "الراوي" الفلسطيني الذي يكتب الأدب والتاريخ والسياسة والجغرافيا، يسرد ما عنده وفي خلفية ذهنه أنه على حق يجب أن يصفه لا أن يشرحه ويساجل فيه ويسوّغه. وقصة الماعز هنا لا تختلف عن غيرها.. وفي رأيي، فإن علينا أن نكتب أكثر وفي كل مجال كي لا تضيع الحكاية.
لكن ماذا كان رأي المؤسسة العلمية الإسرائيلية؟ ففي نهاية المطاف استند القانون واستندت الحملة ضد الماعز إلى "معطيات علمية تجريبية" عن "أضرار الماعز". الملاحظ أنه كان هناك تأثير متبادل بين علماء صهيونيين وبحاثين بريطانيين وأميركيين زاروا البلد وأعجبوا بإنجازات المشروع الاستيطاني الزراعي في فلسطين، وأبدوا امتعاضهم من الخراب الذي يحدثه الفلسطينيون وماعزهم السوداء،41 وكانوا صهيونيين أكثر من الصهيونيين.
جاءت الكتابة العلمية الإسرائيلية في هذا الموضوع مشبعة بالانحياز الأيديولوجي ضد أهل البلد وماعزهم، وكتب أ. ريفنبرغ، المحاضر في علوم التربة، أن "إسرائيل مثلما نراها اليوم، ما هي إلّا خرابُ ما كان يوماً بلداً مزدهراً. التصحر هو من فعل البشر، إذ إن الرعي الجائر أدى إلى تعرية الأرض من الغطاء النباتي، وإلى أن تتعرض التربة إلى أنواع التآكل كافة. لقد جرى نسيان الاستثمار البارع للمياه، والذي كان متّبعاً في العهد القديم، وأصاب الخراب موارد المياه ووسائل الري إلى أن عاد الاستيطان اليهودي بعد مرور 2000 عام." وأضاف ريفنبرغ: "إنهم [الفلسطينيون] من صنع الصحراء لأنهم سمحوا لخرافهم غير الضارة وماعزهم المؤذية بإتلاف الغطاء النباتي عبر رعي جائر ووحشي." لقد كان هذا هو الرأي السائد لدى المؤسسة العلمية الإسرائيلية، ولم يصدر عنها حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين أي دراسة أو موقف يستأنفان أو يشككان في السياسة الرسمية، وفيما ساد الرأي العام من معتقدات وصلت إلى حد اعتبار الماعز السوداء "عدو الجمهور رقم واحد". وكان هناك أيضاً بعض الشائعات بأن عالماً زراعياً مهماً له رأي مختلف ويعتقد أن الماعز مفيدة جداً للبيئة وللغابات، إلّا إن آراءه بقيت شفوية.42
بعد سنّ القانون فوراً، وفي السنة نفسها (1950)، قامت وزارة الزراعة الإسرائيلية بإحصاء الماعز في التجمعات السكانية في الداخل الفلسطيني، وشملت الاستمارات التي استعملتها الوزارة لهذا الغرض خانة لعدد الماعز في كل بلدة، وخانة أُخرى لعدد الماعز التي يجب القضاء عليها، وكانت الخانتان متساويتين، إذ بلغ عدد الماعز في قرى الجليل الغربي مثلاً 21,000 رأس، وعدد الماعز المعدة للإبادة 21,000 أيضاً. وجاء في إحصاء الإبادة هذا أن عدد الماعز في عيلبون وسخنين هو 1914 رأساً، وعرّابة 1370، ويركا 1764، ومعليّا 1768، وهذه القوائم التي أعدتها الوزارة الإسرائيلية تشمل المناطق والبلدات العربية الفلسطينية كافة.43
مع تشديد المضايقات على الماعز وأصحابها وانخفاض إنتاج حليب المعزة، دخل إلى سوق الطعام الفلسطينية في الداخل حليب الأبقار الذي كان هامشي الاستهلاك طوال فترة الانتداب، إذ منذ البداية كان هناك رفض ونفور من هذا الحليب الدخيل وغريب الطعم. وأذكر جيداً كيف كانت والدتي تجبرني على الاستيقاظ مبكراً لشراء الحليب من جارتنا التي امتلكت عنزة وبقرة، فإذا وُفّقت وجئت بحليب ماعز كانت العائلة تتمتع بشربه، أمّا إذا تأخرت قليلاً، ووصلت بعد أن يكون حليب الماعز قد نفد، وجئت البيت بحليب البقر غير المرغوب فيه، كانت والدتي تقابلني بفتور، وكان والدي يشرب الحليب بنفور، وأحياناً يرفض شربه متقززاً.
* رابطة عزيزة
في سنة 1948، بدأت إسرائيل باستيراد ماعز أبيض سويسري من فصيلة "سانين"، للتربية في ساحات البيوت وعلى أسطح المنازل، وهذه الماعز لم تخرج إلى المراعي لأنها لم تكن كالماعز السوداء معتادة خلال آلاف الأعوام على طبيعة فلسطين وأجوائها الحارة.44
....*يتبع الجزء الثاني

*المصدر : مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 125..2021
1