logo
جرائم القتل في خدمة السياسة!!
بقلم : سهيل كيوان ... 06.07.2023

تلبية لطلب الأخ القارئ الكروي داود ـ النرويج المحترم- أكتب هذا المقال التوضيحي حول انتشار جرائم القتل في أوساط المجتمع الفلسطيني داخل منطقة 48. قُتل منذ بداية العام الجاري 112 من المواطنين العرب الفلسطينيين داخل منطقة 48، وجرح المئات بأيدٍ عربية، إضافة إلى مئات المرّات من إطلاق نار على بيوت أو أملاك أو إحراقها وإتلافها بهدف التهديد والترهيب، بزيادة كبيرة عن عدد قتلى السنة الماضية قد تبلغ الضِعف. ما دام العرب يقتلون بعضهم بعضا فما هو دور الحكومة ولماذا نتّهمها؟
لدى كُلِّ شعبٍ وفي كل زمان ومكان يوجد مجرمون بدرجات متفاوتة، لا توجد مُدن فاضلة على كوكب الأرض. الثواب والعقاب قاعدة قديمة قِدم البشر، والرّدع للمجرمين ضروري، العين بالعين والسِّن بالسِّن، قاعدة منذ ألوف السنين. وقد تطرّق القرآن الكريم إلى عقوبة جرائم القتل بأنواعها، العَمد وغير العمد والجروح، والسَّرقة وغيرها من جرائم.. في كل دولة توجد قوانين ردع للمجرمين، تختلف في حدّتها من بلد إلى آخر، من السّجن إلى الإعدام. من الواضح أنّه حيث يوجد ردع وجدّية من قبل السُّلطة في معاقبة المجرمين، تنخفض معدّلات الجريمة، ويشعر المواطن بأمن أكثر.
الشرطة تتابع جرائم القتل في المجتمع اليهودي، وتحلّ معظمها كما تثبت الإحصاءات، بينما تبقى أكثر الجرائم في المجتمع العربي بلا حلّ
عملت السُّلطات الإسرائيلية في مختلف المراحل منذ النكبة حتى يومنا هذا، بطرق كثيرة للتضييق على المواطنين العرب بشكل مدروس ومنهجي، لمنع أو إبطاء تطوّرهم الطبيعي، فقد تعاملت مع المواطنين العرب كخطرٍ مستقبلي سعت لاحتوائه، أحيانا بالتّدجين وعزل العرب عن أبناء شعبهم الفلسطيني وأمتّهم العربية وتاريخهم، وذلك من خلال سياسة التجهيل في مناهج التعليم وفي الإعلام الرسمي، ومن جِهة أخرى التضييق عليهم في مجالات العلم والعمل والتجارة والزراعة وغيرها، إلا أنَّ العرب رغم كل العوائق والحواجز تمكّنوا إلى حدٍّ كبير من تجاوز هذه العقبات، خصوصا في مجال التعليم العالي الذي تحوّل إلى ملاذ لهم بعد فقدانهم للأرض، ويعود هذا التطور إلى الانفتاح على دول العالم وإلى حاجة السُّوق الإسرائيلية نفسها. هذا التطوّر المتسارع ونشوء طبقة متوسّطة أسهم في إفشال فكرة التدجين، ومن ناحية أخرى أسهم في بلورة الشخصية الوطنية والقومية، وزيادة وعي العرب بحقوقهم والمطالبة بها، وهو ما ترى السُّلطات فيه خطرا يجب وقفه، بحجّة أنّها دعوات للانفصال عن الدولة. في هذه الأجواء والعلاقة العدائية من قبل السُّلطة للشعب العربي، نشأت عصابات الجريمة ببطء وفي مناطق محدودة في البداية، ثم انتشرت وباتت سرطانا يفتك بالمجتمع العربي في العقدين الأخيرين في تصاعد مستمر. بدأت هذه العصابات في العمل في سوق القروض المالية السّوداء والجباية وفرض الإتاوات وتجارة السّلاح، هذه السّوق ازدهرت وصار لها أقطاب، ولكل قطب منها جنوده الذين ينفذّون مهمات تصل إلى درجة القتل، وما يتخلّل هذا من صراعات في ما بينهم على مناطق النفوذ. جنود هذه العصابات هم شبان في مقتبل العمر، عاطلون عن العمل عادة يسعون للربح السّهل، وبعضهم متورّط في السموم. غضّت السلطات الطرف عن انتشار السّلاح ما دام أنّه موجّه إلى العرب، وتشير المعلومات إلى أن أكثر السّلاح مصدره قواعد الجيش الإسرائيلي نفسه، ثم التهريب من لبنان ومن الضفة الغربية. الشُّرطة تتابع جرائم القتل في المجتمع اليهودي، وتحلّ معظمها كما تثبت الإحصاءات، بينما تبقى أكثر الجرائم في المجتمع العربي بلا حلّ، علما أنّ أكثرها متوقّع ومصدره معروف. تساهل السُّلطة يعني أنها تستفيد من هذه الجرائم وتخدم استراتيجيتها السياسية.
أولا، مقتل هذا العدد الكبير من الشّبان، أكثر من 112 منذ بداية العام الجاري، والمئات في بضع سنوات، يعني الحد من تكاثر السّكان العرب الطبيعي، وما يمكن أن ينتجوه من نسل في الأجيال القادمة.
ـ نشوء عداوات بين الناس نتيجة جرائم القتل، يجعلهم متفرّقين أمام السّلطة، وعاجزين عن مواجهة مخطّطاتها.
– إظهار ضعف القيادات العربية الوطنية أمام الجمهور العربي، وزعزعة الثقة بها، وإطلاق اسطوانة يردّدها الإعلام الإسرائيلي ومن يخدمونه «ماذا فعلت قيادتكم! إنّها مشغولة في القضية الفلسطينية، وتنسى مشاكلكم الاجتماعية المتمثلة بجرائم القتل».
-عدم الشُّعور بالأمن يُشجّع على الهجرة، وهذا أصلا أحد أهداف التضييق المنهجي على العرب في كل مجالات الحياة.
– ضرب الاقتصاد العربي، هناك أصحاب مصالح يقعون تحت سطوة العصابات مقابل الحماية ومعاقبتهم، إذا ما رفضوا الدفع حتى القتل، إضافة إلى تبذير المال على السلاح وملحقات الجرائم وتوابعها.
– تشجيع الشُّبان العرب على الانضمام إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية لحماية أنفسهم.
-إشغال العرب بمشاكلهم ومنعهم من السعي لتحقيق طموحاتهم القومية أو الوقوف مع إخوانهم في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.
كل شارع وزاوية فيها كاميرات مراقبة وبإمكان الشرطة معرفة وحلّ معظم الجرائم، إلا أن النّية غير متوفرة في الكشف عن المجرمين، ونسبة كشف الجرائم في المجتمع اليهودي أعلى بكثير، علما أن الجريمة أقل بكثير، وفي مرحلة سابقة قمعت السُّلطات عصابات الإجرام اليهودية. تزعم الشُّرطة عدم تعاون المواطنين العرب في التحقيقات، ولكنها في الواقع تردع الذين يحاولون أن يتعاونوا معها في كشف المجرمين، وتكشفهم وتعرّض حياتهم للخطر، أي أنها لا تحمي من يشهد ضد مجرم. المفتش العام للشرطة شبتاي ليفي اعترف في حزيران/يونيو 2021 أن معظم قادة عصابات الإجرام يتعاونون مع الشاباك، وهذا يكبّل أيدي جهاز الشُّرطة، وأن الشاباك يتدخل في إطلاق سراح هذا المجرم أو ذاك، ووقف التحقيق معه، أي أن السُّلطات منحت المجرمين شبكة أمان، وهو ما يؤكد أن جرائم القتل هي جزء لا يتجزأ من جريمة السُّلطة الكبرى بحق المجتمع العربي الذي تسعى لتفكيكه وإضعافه وحرمانه من التطوّر والحياة الطبيعية.هذا واقع مرَّت به شعوب كثيرة وقعت تحت احتلال أجنبي، وله ديناميته وتطوّراته التي بلا شك يدفع الجميع ثمنه!!


www.deyaralnagab.com