logo
فضاء الحمامة
بقلم :  رشاد أبوشاور ... 06.04.2016

من تحت شجرة الزيتون انبثقت، تكرج مسرعة، لم تطر عندما رفعت رأسها ورأتني.
لونها بني فاتح، وريشات قليلة بيضاء في الجناحين المطويين لصق بدنها.
توقفت والتفتت خلفها، فتنبهت إلى قطة صغيرة تمط بدنها بمشية متربصة.
اندفعت الحمامة البريّة، ثم توقفت والتفتت خلفها.
أهي مريضة ولذا تعجز عن الطيران منقذة نفسها من القطة؟ أم تراها لا تخشى القطة لصغرها، وتلهو معها مطمئنة!
راقبتهما بحذر، وتهيأت لانقاذها من القطة إذا ما باتت في خطر.
دارت الحمامة حول ساق الزيتونة، فلحقت بها القطة، وهمّت مرارا بنتش ذيلها.
تساءلت إن كانت زغلولة صغيرة لم تتعلم الطيران بعد، ولكن حجمها، واكتساء بدنها بالريش، جعلني أتشكك بأمرها. رجّحت أنها مريضة، أو أن القطة الصغيرة هاجمتها من قبل، وما زالت تتعقبها.
عندما اقتربت القطة من ذيل الحمامة، فاتحة فمها، هّامة بمهاجمتها، انحنيت بسرعة، والتقطت الحمامة، ودفعت القطة بقدمي.
بحثت عن قفص عتيق كان ابني يربي فيهاعصافير الحب التي تعلّق بها، ثم أقلع عن هذه الهواية عندما كبر، وجين وجدت القفص فتجته وأدخلتها فيه، وأغلقته بابه الصغير .
وضعت لها ماء في صحن صغير، وفتات خبز، وتأملتها قليلاً، فاطمأننت أنها ستكون بخير، ما دامت قد تجمعت على نفسها في زاوية القفص.
أخذت قيلولة في هذا النهار التموزي شديد الجرارة، ثم استيقظت، ورششت بعض الماء على وجهي، واتجهت إلى الصالون حيث وضعت القفص على مائدة الطعام.
رأيت الحمامة تدور حول نفسها بجنون، بينما القفص يهتّز حتى ليوشك أن يتدحرج على الطاولة، وهي لا تتوقف إلاّ لتنهش الأسلاك، كأنما تريد انتزاعها، ثم حين تعجز تعود للدوران حول نفسها، بينما منقارها يرتطم بالأسلاك.
يا إلهي ! يبدو أن هذه الحمامة مصابة بالصرع! أم تراها تريد أن تقتل نفسها؟!
ولكن: أيصاب الحمام بالصرع؟
وعاء الماء مقلوب، وفتات الخبز متناثر في قاع القفص، وهي تدور، مع صوت مبهم يترافق مع دورانها الذي تغيّره من اتجاه لآخر.
حملت القفص، وفي مدخل البيت توقفت.
فتحت باب القفص، وأمسكت به من جانبيه، فاندفعت الحمامة، كما لو أنها رصاصة في الفضاء.
تابعتها بنظري، وهي ترتفع بسرعة أذهلتني، لتغيب في الفضاء تماما.
طوّحت بالقفص، وأنا أتأمل الفضاء الفسيح الذي اندفعت إليه الحمامة، التي امتلكت فجأة هذه القوّة العجيبة.
* نشرت على موقع ( الآداب) الإلكتروني في العدد الجديد يوم الإثنين 4 نيسان 2016


www.deyaralnagab.com