logo
هاري وميغان: الحب في خدمة بروباغاندا النظام الملكي…الحلقة الأخيرة من «التاج» قبل انطلاق «صراع العروش»!!
بقلم : ندى حطيط ... 01.06.2018

1.9 مليار من المشاهدين أفلتوا من إيقاع الزمن السائر دوما على حائط اليوميات الخانقة ليلتحقوا باللحظات الحالمة الآسرة، التي احتفت بها غالبية شاشات التلفزيون العالمية مباشرة على الهواء بتغطيتها حفل الزفاف الملكي البريطاني، الذي جمع الأمير هاري، حفيد ملكة بريطانيا، وخطيبته الممثلة الأمريكيّة ميغان برباط الزواج المقدّس.
وكما لو كان عرضا هائلا لبرنامج من «تلفزيون الواقع» قدمت المؤسسة الملكية البريطانية أبدع مسرحيّة رومانسيّة أعدّت بعناية حتى أدق التفاصيل على أرض قلعة وندسور التي أمّتها أعداد غفيرة من المدعوين الرسميين والطواقم الديبلوماسيّة والأمنية والإعلاميّة وعشرات المشاهير زادت بكل حال عن مجموع القوات التي حاصرت القلعة الملكية الحصينة قبل 800 عام أثناء ثورة البارونات.
أكوام المشاهدين جمعهم الفضول البشري والسعي لكسر رتابة أخبار الحروب والانتخابات وأحياناً السّذاجة وأوهام الرومانسيّة الفارغة التي ما فترت، رغم كل تقدم أدوات المعرفة تتحكم بعقول كثير من النساء المعاصرات فيحلمن بالأمير الفارس الآتي ببزة عسكريّة مزركشة ليخطفها على حصانه الأبيض ويتخذها أميرة في القلعة الملكيّة – ربما بانتظار موت الملكة الأم – كي تصير هي الملكة وسيّدة البلاد الأولى.
لكن الأمر كان بالنسبة للمؤسسة الملكيّة الحاكمة في بريطانيا انتصاراً اعلاميّاً هاماً ضمن استراتيجيّة نضال مستمر للبقاء على رأس الهرم الاجتماعي بتكلفة شبه معدومة – وإن تكلّف الحفل ما يقدر بخمسين مليون جنيه استرليني من جيب دافعي الضرائب البريطانيين -.
*استراتيجيّة إعلاميّة مدروسة
العائلة الملكيّة البريطانيّة تدرك حتى النخاع أن وجودها المُكلف (نصف مليار جنيه استرليني سنوياً تدفعها خزينة الدّولة) صار مصدراً للإحراج أمام غالبية المواطنين البريطانيين، الذين عضّهم الفقر بنابه أو كاد، لا سيّما بعد سياسات التقشف المقيتة وميزانيّات تقليص الإنفاق على الخدمات العامة والتقدمات الاجتماعيّة، التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ أزمة 2008 الماليّة الأخيرة.
وحتى بمقاييس الدّول الأوروبيّة المجاورة فإن التكاليف المباشرة للاحتفاظ برأس شكلي للحكم البريطاني، متمثلاً في العائلة الملكيّة تزيد عن تلك التي تتكلفها رئاسة الجمهوريّة الإيرلنديّة الفاعلة سياسيّاً مثلاً بـ12 مرّة، ناهيك عن التكاليف غير المباشرة التي تتحملها ميزانيات الأمن والاستخبارات لتوفير الحماية لأفراد السّلالة حيثما ذهبوا.
ولذا فإن استراتيجيّة صراع البقاء التي تقودها الملكة العجوز – ومنذ ستينيّات القرن الماضي و ثورات الطلاب – تقوم على التظاهر بالاقتراب من الشعب، وهي استراتيجيّة تعلمتها الملكة طويلة العمر من جدّها الملك إدوارد السابع، الذي عاصر وقت زوال ملكيّات برّ أوروبا الباذخة وأراد حفظ مُلك أسرته من ذلك المصير فاختط سياسة دعائيّة قوامها التغطيّة على حقيقة اعتلاء العائلة قمّة الهرم الاجتماعي البريطاني من خلال مخاطبة مشاعر العامة مباشرة ودفع الكتل الشعبيّة للوقوع في غرام أفرادها.
*حلقة ديانا وتشارلز خدمت الاستراتيجيّة قبل أن تتحول وبالاً عليها
كانت سياسة أليزابيث الثانية تعمل كما يرام في هذا الاتجاه، إذ وجد الكثيرون بأن الملكة التي لا تحكم ولا تُسأل عن شيء وفق العرف السائد للبلاد – المفتقدة إلى دستور ناظم حتى اليوم – تُكسب البلاد نوعاً من صورة جاذبة للسياح ورمزاً للقيم القوميّة والليبراليّة، التي تقول الرواية الرسميّة إن بريطانيا خاضت من أجلها الحرب العالميّة الثانية وقدّمت على مذبحها ملايين الضحايا والكثير من التضحيات.
وهي كانت تأمل بتحقق انتقال سلس للتاج إلى يد ابنها تشارلز فحوّلت قصّة زواجه من الأميرة الساحرة ديانا سبنسر إلى همروجة استعراض إعلامي عالمي أعادت لمؤسسة الملكيّة البريطانيّة شعبيتها من جديد وأطفأت الأضواء عن الجمهوريين البريطانيين القلائل الذين تواروا وراء ستار الرومانسيّة العصريّة المستعادة.
لكن انكشاف حقيقة أسطورة الرومانسيّة تلك بخروج ديانا عن النص ومقتلها الغامض في حادث سيارة في باريس، وظهور السيّدة كاميلا عشيقة الأمير تشارلز قبل وأثناء وبعد مرحلة الأميرة الراحلة أضاع كل جهود الملكة الأم المتراكمة لعقود، وبدأت الأصوات تتعالى من جديد عن معنى الاحتفاظ بالعائلة الرمزيّة المعنى عالية التكلفة في وقت تتناثر فيه فضائح أفرادها عبر كل أثير.
*أولاد ديانا أمل الملكيّة الأخير
استوعبت الملكة الأم برصيدها الشخصي في قلوب البريطانيين نكسة تشارلز – ديانا، وكانت تعلم بأن تصعيد ولدها – وهو الأمر الإجباري وفق العرف البريطاني – وزوجته الجديدة إلى العرش سيكون بمثابة ضربة قاصمة لحظوظ استمراريّة الحكم البريطاني في البلاد. فتشارلز و كاميليا كلاهما لا يمتلكان أي شعبيّة حقيقية، ويراهما الكثيرون بمثابة كهنة فاسدين تآمروا على ملكة القلوب ديانا وتسببوا في قهرها وربما مقتلها بشكل أو بآخر، ولذلك فإن أعين النظام الملكي اتجهت إلى الجيل الجديد: الأميرين وليم وهاري. فهما كأولاد ديانا لا شك سيكونان أقرب إلى الشعب من والدهما، وهما ما زالا في ريعان الشباب – مقارنة بتشارلز العجوز – وبالتالي فإن تولي أحدهما العرش سيكون بمثابة ضمانة ديمومة واستقرار.
لذلك عوملت مسألة تزويج الأميرين بكثير عناية وكأنها مسألة أمن الإمبراطوريّة فلم تُترك أي مساحة للارتجال ونفذت مسرحيات الحب والزفاف والإنجاب الملكي لوليم وكيت بدقّة إنجليزيّة متناهية. وهو ما حدث مرّة أخرى في زواج هاري وميغان.
*قصّة حب: أم عمل مؤسسي ممنهج؟
حتى لو صدّقنا الرواية الرسميّة المكتوبة بدّقة عن قصة الغرام المزعوم بين هاري وميغان، وقبلنا أن كيوبيد – وليس منسوبي القصر – هو وراء اللقاء الأوّل المرتّب الذي أشعل القلبين، فإن ميغان تمثل اختراقاً عبقرياً في خدمة استراتيجيّة العائلة للبقاء. فالأمير هاري ترتيبه في أولوية تولي العرش متأخر (السادس) وبالتالي فإن حظوظه قليلة بحمل لقب ملك المملكة المتحدة الأمر الذي يجعل المغامرة باستقطاب نموذج جديد من الأميرات يحقق الأهداف الاستراتيجيّة بعيدة المدى أمراً ممكناً.
ميغان إلى جوار أنها تتمتع بصحة جيّدة للإنجاب، فهي وجه مقبول شعبياً، وتحسن بحكم خبرتها المهنيّة الهوليوودية التصرّف في المجال العام. كما أن انحدارها من دماء مختلطة (سوداء الأم) يمنح العائلة الإرستقراطيّة الحاكمة الصرف وجهاً عصرياً مختلفاً، وكذلك جنسيتها الأمريكيّة التي تجعل العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة ذات نفس عائلي حميم.
*إستعراض لا يلغي الواقع: إنها الحلقة الأخيرة من مسلسل «التاج»
وهكذا دبّر أمر الزواج بليل، وبذلت المؤسسة الملكيّة جهداً هائلاً لإظهار حفل الزّفاف كما يليق برومانسيات فانتازيّة تفوقت فيها ربما على هوليوود ذاتها، وأخفت كل تعاسات ودوافع ومشاعر العائلتين وراء الابتسامات المرسومة وباقات الأزهار الباذخة.
لكن الواقع الموضوعي يقول إن هذا الاستعراض الملكي بالتحديد هو أشبه بحلقة أخيرة من مسلسل (التاج) الذي أنتجته نيتفليكس أخيراً ليحكي قصة الملكة الأم وفق الرواية الرسميّة للقصر والمتسمة باللّطف وتصاعد شذى السعادة والحبور في كل وقت.
فالخبراء في الشأن البريطاني يعتقدون أن هذا العرض هو بمثابة آخر إنجاز شخصي للملكة كصانعة أفلام، وأن غيابها المحتّم بحكم تقدّم السّن سيفتح على العائلة الحاكمة بوابات تحديات وصراعات وضغوطات محليّة ستجعل من الموسم القادم من مسلسل أسرة وندسور أشبه بمسلسل (صراع العروش) أكثر منه بمسلسل (التاج).
وليس هنالك شك بأن ميغان المقبلة من قلب مؤسسة صناعة الأساطير الأمريكيّة الهوليوودية ستحسن لعب دورها بإتقان في ذلك الصراع، الذي يحتمل كل المفاجاءات الدراميّة بما فيها إمكان تصعيد ملك ربع دمائه إفريقيّة على عرش الدّولة التي اخترعت العنصريّة للعالم.

المصدر..القدس العربي

www.deyaralnagab.com