تحتل بورسعيد موقعا شديد الخصوصية في الجغرافيا المصرية؛ فهي المدينة التي تقف عند المدخل الشمالي لقناة السويس، حيث يلتقي البحر المتوسط بالممر الملاحي الذي يصل البحرين المتوسط والأحمر، وتصبح المسافة بين مصر وأوروبا وآسيا أقرب عبر طريق مائي غير وجه حركة التجارة العالمية.
لكن تاريخ المكان أقدم من بورسعيد الحديثة بقرون طويلة. فعلى مسافة إلى الشرق والجنوب الشرقي من المدينة الحالية تقع منطقة تل الفرما، التي ارتبطت بمدينة الفرما القديمة، أو بلوزيوم كما عرفها اليونان والرومان، وهي إحدى المدن المهمة شمال سيناء خلال العصور الفرعونية المتأخرة واليونانية والرومانية والبيزنطية، ومرت بها طرق التجارة والجيوش والحجاج بين مصر وبلاد الشام. وكشفت بعثات الآثار خلال السنوات الأخيرة عن بقايا معابد ومنشآت تؤكد الأهمية الدينية والتجارية للموقع، ومنها اكتشافات حديثة مرتبطة بمعبد للإله بيلوسيوس، إلى جانب بقايا معبد زيوس كاسيوس. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الفرما وبورسعيد: الفرما مدينة تاريخية قديمة في شمال شرق الدلتا وسيناء، بينما بورسعيد مدينة حديثة نشأت في القرن التاسع عشر مع مشروع قناة السويس، لكن الموقعين ينتميان إلى المجال الجغرافي نفسه الذي جعل شمال شرق مصر ممرا دائما للحركة بين وادي النيل وسيناء والبحر المتوسط.
قبل منتصف القرن التاسع عشر كان الموقع الذي قامت عليه بورسعيد الحديثة عبارة عن لسان رملي ضيق بين البحر المتوسط وبحيرة المنزلة، تحيط به المياه والمستنقعات والأراضي منخفضة الارتفاع، وكانت المنطقة تفتقر إلى المقومات التقليدية لقيام مدينة كبيرة. تغير كل شيء مع مشروع حفر قناة السويس، الذي احتاج إلى ميناء عند المدخل الشمالي، ومن هنا بدأت عملية تحويل الشريط الساحلي إلى مدينة ومرفأ ومنطقة خدمات بحرية. وفي الخامس والعشرين من نيسان/ابريل عام 1859 بدأ العمل في حفر قناة السويس في بورسعيد، وضرب فرديناند دي ليسيبس أول معول إيذانا ببدء المشروع. وكانت فكرة اختيار هذا الموقع مرتبطة أيضا بالدراسات التي أجرتها اللجنة الدولية التي تشكلت في خمسينيات القرن التاسع عشر، وانتهت الدراسات إلى ملاءمة المدخل الشمالي في المنطقة التي أصبحت لاحقا بورسعيد، مع إقامة حواجز أمواج وفنار لحماية المدخل.
ويرتبط اسم بورسعيد نفسه ببدايات مشروع القناة؛ فقد ظهر الاسم في خمسينيات القرن التاسع عشر نسبة إلى سعيد باشا، الذي منح دي ليسيبس امتياز حفر القناة. وترد في المصادر التاريخية رواية اختيار الاسم بواسطة لجنة دولية في عام 1855، في إطار الدراسات والمداولات الخاصة بالمشروع. وهكذا حملت المدينة منذ البداية اسما يكشف عن طبيعتها الجديدة: ميناء ارتبط بمشروع عالمي وبحاكم مصري في الوقت نفسه، في لحظة كانت فيها مصر تدخل مرحلة جديدة من تاريخها الاقتصادي والسياسي.
كانت ولادة بورسعيد عملية هندسية شاقة. فقد كان الشريط الصالح للبناء في بدايات المشروع ضيقا للغاية، وتطلب إنشاء المدينة ردم مساحات من بحيرة المنزلة واستخدام نواتج أعمال التكريك في البحر والميناء لرفع مناسيب الأرض وتوفير مساحات للمساكن والمخازن والورش. كما ظهرت أزمة مياه الشرب منذ الأيام الأولى، فجرى الاعتماد على نقل المياه بالمراكب، ثم حفرت ترعة المياه العذبة لتصل بالمياه إلى المنطقة وتوفر احتياجات العمال والمنشآت. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن شركة القناة أقامت ورشا ميكانيكية للحدادة والخراطة والنجارة وغيرها، ومصنعا للطوب، كما بدأت في إنشاء الميناء والمنشآت التي تحتاج إليها السفن والمعدات. وبذلك ظهرت بورسعيد منذ نشأتها باعتبارها مدينة مرتبطة بالبنية التحتية: الميناء، والورش، والمخازن، والمياه، والنقل، وخدمات السفن.
وفي عام 1859 أقيم فنار خشبي مؤقت لإرشاد السفن، ثم جاءت مرحلة الفنار الدائم المرتبط بتاريخ المدينة المعماري. وقد أنشئ الفنار القديم في عهد الخديوي إسماعيل، واكتمل تشغيله مع اقتراب افتتاح قناة السويس، وأصبح من أبرز منشآت بورسعيد التاريخية. ويعده عدد من المصادر الرسمية والسياحية أقدم فنار في العالم شيد باستخدام الخرسانة المسلحة، وظل قائما حتى اليوم بوصفه شاهدا على مرحلة مبكرة جدا من تاريخ استخدام هذه المادة في المنشآت الكبرى.
ومع افتتاح قناة السويس رسميا في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1869، دخلت بورسعيد مرحلة جديدة تماما. جاء الافتتاح في احتفالية دولية كبرى حضرتها الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث وعدد من ملوك وأمراء وممثلي الدول، وأقيمت السرادقات وأقواس النصر لاستقبال الضيوف. ومنذ تلك اللحظة تحولت بورسعيد إلى محطة رئيسية للسفن العابرة، تقدم خدمات التزود بالوقود والمياه والإمدادات والصيانة، وبدأت حركة تجارية وبحرية واسعة حول الميناء. ومع مرور السفن القادمة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، أصبحت المدينة نقطة احتكاك يومي بين لغات وثقافات ومهن مختلفة، وهو ما ترك أثره العميق في شخصيتها الاجتماعية والمعمارية.
ولحماية الميناء من الأمواج والتيارات والرمال، أقيمت حواجز الأمواج الشرقية والغربية، وتطورت المنشآت المرفئية تدريجيا لاستقبال أعداد أكبر من السفن والبوارج التجارية. ومع توسع النشاط البحري جاءت موجات من العمال والتجار والمهندسين والموظفين من أنحاء مصر، إلى جانب الجاليات اليونانية والإيطالية والفرنسية والمالطية وغيرها، فبدأت تتشكل مدينة ذات طبيعة مختلفة عن المدن المصرية التقليدية. وكان وجود الأجانب فيها مرتبطا بالعمل والتجارة والملاحة وإدارة شركة القناة، بينما تشكل المجتمع المصري من العمال والحرفيين وأصحاب المهن والتجار والصيادين وأبناء المحافظات الذين انتقلوا إليها مع اتساع فرص العمل.
مدينة صممتها القناة
انعكس هذا التاريخ على شكل بورسعيد نفسها. فقد جاء تخطيطها العمراني وفق نظام شبكي واضح، بشوارع مستقيمة ومتقاطعة، ومساحات تسمح بالتهوية والحركة، وواجهات تجمع بين الوظيفة التجارية والتأثيرات الأوروبية. وظهرت البواكي والفرندات الخشبية في المباني السكنية والتجارية، وهي عناصر ارتبطت بطبيعة المدينة الساحلية وحاجتها إلى توفير الظل والحماية من الشمس والأمطار مع الحفاظ على انفتاح الواجهات على الشارع.
ولذلك تبدو بورسعيد في أحيائها القديمة مختلفة عن كثير من المدن المصرية التي نشأت حول نواة تاريخية دينية أو سوق قديم. هنا كانت القناة والميناء هما نقطة الانطلاق، ولذلك جاء الشارع مرتبطا بالحركة، وجاء المبنى مرتبطا بالتجارة والسكن والخدمة البحرية، وأصبحت الواجهة المعمارية نفسها تعكس طبيعة مجتمع يعيش على اتصال دائم بالعالم الخارجي.
ومن أبرز شواهد هذه المرحلة مبنى هيئة قناة السويس المعروف بمبنى القبة، الذي يرجع إلى عام 1895 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ونفذته شركة فرنسية، ويتميز بالقباب الثلاث والزخارف الداخلية ذات الطابع الإسلامي، مع تكوين معماري يجمع تأثيرات أوروبية وعناصر شرقية.
وأصبح المبنى واحدا من أهم معالم المدينة التاريخية، كما ارتبط بمراحل لاحقة من تاريخ القناة وبأحداث سياسية وطنية مهمة. أما أحياء بورسعيد، فتحكي كل واحدة منها مرحلة من مراحل نمو المدينة. فقد ظهر حي الشرق في أواخر القرن التاسع عشر، وارتبط في بداياته بسكن العاملين والمهندسين والموظفين الأجانب، ولذلك انتشرت فيه الفيلات والشرفات والحدائق والمباني ذات التأثيرات الأوروبية. ثم نشأ حي العرب، الذي ارتبط بالسكان المصريين والعمال والحرفيين، وتحول مع الوقت إلى واحد من أهم مراكز الحياة الشعبية والتجارية في المدينة. وبعد ذلك جاءت بورفؤاد على الضفة الشرقية للقناة عام 1926، لتضيف إلى المشهد العمراني للمنطقة مدينة ذات تخطيط هادئ وفلل وحدائق وشوارع أكثر اتساعا، ثم اتسعت بورسعيد غربا وجنوبا مع ظهور المناخ والضواحي والزُهور والجنوب وغرب بورسعيد، وكل حي منها يعكس مرحلة من مراحل الزيادة السكانية والامتداد العمراني.
وتحمل شوارع مثل محمد محمود وفلسطين والكورنيش آثار تلك المرحلة في مبانيها وفنادقها ومحالها القديمة، حيث تظهر الأعمدة الحديدية والمداخل الرخامية والزخارف الجصية والتفاصيل التي تأثرت بالعمارة الإيطالية والفرنسية. هذه العمارة لا تحكي قصة ذوق معماري فقط، بل تكشف أيضا طبيعة مدينة نشأت حول حركة دولية واسعة، فكانت البضائع والبحارة والمهندسون والتجار والسياح يعبرون شوارعها بالتوازي مع حركة السفن في القناة.
من الميناء إلى مدينة المقاومة
ارتبطت بورسعيد منذ وقت مبكر بالحركة الوطنية، لكن لحظة 1956 وضعت المدينة في قلب التاريخ المصري الحديث. ففي السادس والعشرين من تموز/يوليو 1956 أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، فانتقل الصراع حول القناة من ملف اقتصادي إلى مواجهة دولية انتهت بالعدوان الثلاثي على مصر. وكانت بورسعيد هدفا رئيسيا للهجوم البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، وتعرضت للقصف الجوي والبحري، بينما حاولت قوات العدوان السيطرة على الميناء والمدينة والمدخل الشمالي للقناة.
تحولت الشوارع والمباني إلى ساحات للمواجهة، وظهرت المقاومة الشعبية والفدائيون في قلب المعركة. وتشير الروايات التاريخية المرتبطة بالمقاومة في بورسعيد إلى تنظيم العمل السري وتوزيع الأسلحة على المتطوعين والتنسيق بين المقاومة والقيادة السياسية والعسكرية، كما ارتبط منزل يحيى الشاعر بأحد مواقع الاتصالات السرية للمقاومة. وكان الهدف الرئيسي تعطيل قدرة قوات العدوان على تثبيت وجودها داخل المدينة، وتحويل الاحتلال إلى عبء عسكري مستمر.
وسجلت المقاومة عمليات شهيرة ضد قوات الاحتلال، من بينها عملية أسر الضابط البريطاني أنتوني مورهاوس، وعمليات استهدفت قيادات بريطانية، إضافة إلى مواجهات مباشرة مع القوات والدبابات في حي العرب. ومن أشهر الوقائع ما عرف باسم معركة يوم الدبابات في كانون الأول/ديسمبر 1956، التي ارتبطت بمقاومة الفدائيين للمدرعات البريطانية داخل المدينة. وتظل تفاصيل بعض هذه العمليات حاضرة في الذاكرة الشعبية البورسعيدية، لأنها نقلت المواجهة من مستوى القصف والإنزال العسكري إلى مواجهة داخل الشوارع وبين السكان وقوات الاحتلال.
وكان للمرأة البورسعيدية حضور واضح في المقاومة. ويبرز اسم زينب الكفراوي، التي ارتبطت وهي في سن صغيرة بنقل الأسلحة والرسائل والمهمات بين الفدائيين. كما شاركت فرق الهلال الأحمر والإسعاف والممرضون والمواطنون في علاج المصابين وتوفير الغذاء والمساعدات، وتحولت القوارب التي كانت تنقل المؤن عبر بحيرة المنزلة إلى جزء من منظومة البقاء في المدينة المحاصرة.
انتهت المواجهة بانسحاب قوات العدوان، وأصبح الثالث والعشرون من كانون الأول/ديسمبر يوما وطنيا لبورسعيد يرتبط بذكرى جلاء القوات المعتدية. وفي تلك اللحظة أيضا تحطم تمثال دي ليسيبس المقام عند مدخل القناة، في مشهد شديد الدلالة على التحول من مدينة أنشأتها شركة أجنبية حول مشروع عالمي إلى مدينة تتعامل مع القناة باعتبارها جزءا من السيادة المصرية. وبقيت صورة التمثال المحطم حاضرة في الذاكرة السياسية للمدينة، قبل أن تتغير علاقتها بتمثال دي ليسيبس لاحقا ضمن نقاشات واسعة حول الذاكرة الاستعمارية وتاريخ القناة.
من 1967 إلى العودة
بعد عشر سنوات فقط دخلت بورسعيد مرحلة حرب جديدة. تعرضت المدينة للقصف خلال حرب حزيران/يونيو 1967، وكانت بورفؤاد، على الضفة الشرقية للقناة، في قلب التطورات العسكرية. وفي الأول من تموز/يوليو 1967 وقعت معركة رأس العش، حين تقدمت قوة إسرائيلية باتجاه بورفؤاد، وهي المنطقة الوحيدة في سيناء التي ظلت تحت السيطرة المصرية بعد حرب يونيو. تصدت قوة من الصاعقة المصرية للقوات المتقدمة، وتمكنت من تدمير عدد من الدبابات وإجبار القوة المهاجمة على الانسحاب. وظل قطاع بورفؤاد تحت السيطرة المصرية حتى حرب أكتوبر 1973.
أثرت سنوات الحرب والاستنزاف على الحياة اليومية في بورسعيد، وجرى تهجير أعداد من السكان إلى محافظات الدلتا والصعيد بعيدا عن مناطق القتال. وحين جاءت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 بدأت مرحلة العودة وإعادة البناء، فعاد السكان إلى المدينة واستؤنفت عملية إعادة إعمارها واستعادة نشاطها الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تظهر سمة أخرى في شخصية بورسعيد: المدينة عاشت أكثر من مرة تجربة الانقطاع القسري عن الحياة الطبيعية ثم العودة إليها، ولذلك ارتبطت فكرة العودة وإعادة البناء بذاكرة أهلها كما ارتبطت ذاكرة المدينة بالمقاومة.
المنطقة الحرة والتحول الاقتصادي
دخل اقتصاد بورسعيد مرحلة مختلفة بعد تحويلها إلى منطقة حرة تجارية في السبعينيات. ساعد القرار على توسيع نشاط الاستيراد والتجارة وجذب أعدادا كبيرة من التجار والمتعاملين إلى المدينة، وأصبحت بورسعيد لسنوات طويلة مرتبطة في الوعي المصري بالتجارة الحرة والأسواق والمحال وحركة البضائع.
لكن التحول الاقتصادي اللاحق اتجه تدريجيا نحو توسيع قاعدة النشاط لتشمل الصناعة والخدمات اللوجستية والموانئ والاستزراع السمكي. وأصبحت بورسعيد جزءا رئيسيا من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع تطوير ميناء شرق بورسعيد باعتباره مركزا لإعادة الشحن والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتجارة الدولية. وتشير بيانات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن حوض ميناء شرق بورسعيد يصل إلى عمق 18.5 متر، وأن توسعات الميناء رفعت إجمالي أطوال الأرصفة إلى نحو 7.4 كيلومتر، مع وجود مناطق لوجستية خلف الميناء، بينما يجري تنفيذ توسعات إضافية.
والأهم أن التحول الاقتصادي هنا يعيد إنتاج الفكرة التي قامت عليها بورسعيد في الأصل: مدينة تتأسس حول حركة السفن والبضائع، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. فالميناء الحديث يرتبط بمحطات الحاويات والبضائع متعددة الأغراض ومحطات الحبوب ومناطق الخدمات اللوجستية، بينما تمتد المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد على مساحة كبيرة وتضم قطاعات مثل الملابس الجاهزة والمنسوجات والصناعات الهندسية والأجهزة والإلكترونيات والأغذية والخدمات اللوجستية.
أنفاق ومزارع وأسواق جديدة
كان افتتاح أنفاق 3 يوليو في بورسعيد عام 2019 محطة مهمة في إعادة تعريف موقع المدينة بالنسبة إلى سيناء. فالأنفاق تنقل الحركة من جنوب بورسعيد إلى شرق القناة وسيناء عبر مسار مباشر تحت المجرى الملاحي، وتضم نفقين للسيارات، أحدهما في اتجاه سيناء والآخر في الاتجاه المقابل، بما يخدم حركة الأفراد والبضائع ويربط سيناء بالوادي والدلتا.
وفي قطاع الثروة السمكية ظهر مشروع الفيروز بشرق بورسعيد، الذي أقيم على مساحة تقارب 26 ألف فدان وبواجهة تمتد لنحو 17 كيلومترا على ساحل البحر المتوسط. ويضم المشروع 5908 أحواض للاستزراع السمكي، بطاقة إنتاجية تتجاوز 13 ألف طن سنويا من الأسماك والجمبري، إلى جانب بحيرات للصيد البحري وأحواض للسفن ومناطق للفرز والتعبئة ومصانع للثلج ومخازن أعلاف ومعامل بحثية. وهنا تستعيد بورسعيد علاقتها القديمة بالماء والأسماك، لكن من خلال منظومة إنتاج حديثة تجمع الاستزراع والصيد والتصنيع والخدمات اللوجستية.
كما ارتبطت بورسعيد بمحور 30 يونيو الذي وفر اتصالا أفضل بين المدينة وشبكة الطرق القومية ومحافظات الدلتا، وهو ما يخدم حركة السلع القادمة من المناطق الصناعية والميناء والمشروعات السمكية إلى الأسواق المصرية وخطوط التوزيع المختلفة.
وفي مجال الخدمات، كانت بورسعيد أول محافظة بدأ فيها تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل عام 2019، وتحولت المحافظة إلى واحدة من ساحات اختبار التحول الرقمي في الخدمات الحكومية والصحية. وبحلول تموز/يوليو2026 أعلنت هيئة الرعاية الصحية تقديم أكثر من 14 مليون خدمة رعاية أولية للمستفيدين في بورسعيد، بما يعكس اتساع نطاق المنظومة بعد سنوات من إطلاقها.
البورسعيدي.. مجتمع ولد من البحر
يصعب فهم بورسعيد من دون فهم تركيبتها الاجتماعية. فالمدينة تشكلت من عمال وتجار وصيادين وحرفيين جاءوا من مناطق مصرية مختلفة، إلى جانب جاليات أوروبية ارتبط وجودها بالميناء والقناة. لذلك نشأ مجتمع ساحلي متعدد اللهجات والخبرات، يحمل تأثيرات مصرية محلية واضحة إلى جانب آثار تركتها اللغات والثقافات التي مرت بالمدينة.
ومن أكثر التعبيرات وضوحا عن هذه الحياة مهنة البمبوطية. كان البمبوطية يصلون إلى السفن العابرة في قوارب صغيرة، ويحملون السلع والهدايا والمنتجات التي يمكن بيعها أو مبادلتها مع البحارة. ومن هذا الاحتكاك اليومي بالعالم الخارجي اكتسب بعضهم معرفة بلغات. ومصطلحات أجنبية، ودخلت كلمات إنكليزية وفرنسية وإيطالية إلى الكلام الشعبي المرتبط بالمهنة. ولم تكن البمبوطية تجارة فقط؛ كانت وسيلة اتصال بين المدينة والسفن والعالم الذي يمر أمام شاطئها.
أما السمسمية فقد أصبحت واحدة من أهم العلامات الموسيقية المرتبطة ببورسعيد ومدن القناة. وتعددت الروايات حول جذورها القديمة ومسارات انتقالها إلى مدن القناة، فيما استقرت في الحياة الشعبية من خلال جلسات الضمة التي شارك فيها العمال والصيادون وأبناء الأحياء. ومع الحروب تحولت الأغنية المصاحبة للسمسمية إلى وسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية وتسجيل الأحداث اليومية والتعبير عن الصمود، ثم حملت فرق مثل الطنبورة هذا التراث إلى مسارح ومهرجانات داخل مصر وخارجها.
وهكذا أصبحت الموسيقى في بورسعيد جزءا من الذاكرة الجماعية. الأغنية تسجل ما عاشه الناس، والسمسمية تحفظ أسماء وأحداثا وأماكن، والضمة تمنح المجتمع مساحة يتوارث فيها الحكايات. لذلك يصعب التعامل مع السمسمية كنوع موسيقي منفصل عن المدينة؛ فهي مرتبطة بتاريخ العمل والميناء والحرب والهجرة والعودة.
وينطبق الأمر نفسه على الطعام. فالمطبخ البورسعيدي يعتمد بصورة كبيرة على الأسماك والمأكولات البحرية القادمة من البحر المتوسط وبحيرة المنزلة، وتبرز الصيادية والأرز المتبل وشوربة المأكولات البحرية وأسماك القاروص والدنيس والجمبري. وتظهر هذه الأكلات في الحياة اليومية والمناسبات والمواسم، إلى جانب العادات الشعبية المرتبطة بشم النسيم واحتفالات عيد النصر.
لماذا يحتل نادي المصري مكانة خاصة في بورسعيد؟
تحتاج علاقة بورسعيد بكرة القدم إلى قراءة تتجاوز نتيجة مباراة أو عدد بطولة. فالنادي المصري تأسس في 18 اذار/مارس 1920، بعد ثورة 1919، وسط أندية ارتبطت في ذلك الوقت بالجاليات الأجنبية، وأصبح أول ناد مصري في بورسعيد يجمع المصريين في مواجهة تلك الأندية. ولهذا ارتبط تأسيسه منذ البداية بفكرة الهوية الوطنية، وأصبح النادي مع مرور الوقت جزءا من تعريف المدينة لنفسها.
هذه الخلفية تفسر جانبا من شغف البورسعيدية بالنادي المصري. فالمصري بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبناء المدينة يرتبط بالانتماء إلى المكان نفسه، مثلما ارتبطت السمسمية بالميناء والمقاومة، وارتبطت البمبوطية بالسفن، وارتبط استاد بورسعيد بذاكرة الأجيال. ولذلك تتعامل جماهير المصري مع النادي باعتباره مساحة للتعبير عن هوية المدينة، وهو ما يفسر استمرار حضوره القوي حتى مع تغير الأجيال وتبدل شكل كرة القدم.
ويملك المصري تاريخا طويلا في المسابقات المصرية، من بينها ألقاب كأس السلطان حسين ودوري منطقة القناة وكأس مصر عام 1998. وفي 2026 أضاف النادي إلى سجله لقبا جديدا بعد تتويجه بكأس عاصمة مصر، ليواصل حضوره في المنافسات المحلية.
وفي المقابل، ارتبط اسم بورسعيد أيضا بواحدة من أكثر المآسي إيلاما في تاريخ الرياضة المصرية، وهي كارثة استاد بورسعيد في الأول من شباط/فبراير 2012 عقب مباراة المصري والأهلي. وقعت أعمال عنف وتدافع بعد المباراة، وسقط 72 من مشجعي الأهلي قتلى، وأصيب مئات آخرون. وأصبحت الواقعة قضية عامة امتدت آثارها إلى القضاء والرياضة والأمن والمجتمع، وأعيد فتح نقاش واسع حول أمن الملاعب ومسؤولية المؤسسات الرياضية والأمنية وتنظيم الجماهير.
أغلقت منشآت الاستاد لفترات طويلة، وتوالت المحاكمات والإجراءات القانونية، ثم دخل موقع الاستاد في مسار إعادة تخطيط وتطوير رياضي. وبقيت الحادثة في الذاكرة المصرية باعتبارها واحدة من أكثر الوقائع تأثيرا في علاقة كرة القدم بالمجتمع والدولة بعد ثورة يناير، كما تركت أثرا عميقا في الذاكرة البورسعيدية نفسها.
ورغم ذلك تستمر الرياضة في المدينة خارج كرة القدم أيضا، خاصة الرياضات المرتبطة بالماء، مثل السباحة والتجديف والشراع والغوص، مستفيدة من طبيعة بورسعيد الجغرافية التي تجمع البحر المتوسط وقناة السويس وبحيرة المنزلة وشبكة من الممرات المائية.
وتبدو بورسعيد اليوم امتدادا لتاريخ بدأ قبل أكثر من قرن ونصف، مع جذور أقدم في المجال الجغرافي الذي احتضن الفرما القديمة. الفارق أن المدينة التي كانت في البداية ورشة ضخمة لخدمة حفر قناة السويس أصبحت مركزا للملاحة والتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية والثروة السمكية. وبين الفرما وبورسعيد، وبين القناة والميناء، وبين مقاومة 1956 وذاكرة 1967، وبين السمسمية ومدرجات المصري، تتشكل حكاية مدينة ارتبط وجودها دائما بالحركة: حركة السفن والبضائع والبشر والأفكار، وحركة التاريخ نفسه.











