أحدث الأخبار
الجمعة 10 نيسان/أبريل 2026
دروس مجانية لكن ثمينة من الحرب على إيران!!
بقلم : توفيق رباحي ... 05.03.2026

هناك دروس كثيرة (مجانية) على كل عاقل، خصوصا في هذه المنطقة الموبوءة بالصراعات والأزمات، استخلاصها من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ووضعها عقيدة في حياته. من هذه الدروس:
1 – هناك مثل إنكليزي فحواه: “اخدعني مرة ويكون العيب عليك، واخدعني مرتين ويكون العيب علي”. إيران، القوة النووية التي زرعت الذعر بين قادة منطقة الشرق الأوسط والخليج لعقود، ليست كما توهمها المغرمون بها: تحكمها شلّة من الكسالى الفاشلين المخترَقين. لا شيء إلا الفشل والاختراق يفسر كيف تتعرض لهجومين غادرين خلال شهور معدودة بالطريقة نفسها والسياق نفسه. في صيف 2025 تعرضت إيران لحرب بدأها الأمريكيون والإسرائيليون بينما كانت إيران تحلم بنجاح مفاوضات مسقط. وحاليا تتعرّض لحرب أشد فتكا في سياق وطريقة مشابهَين للحرب الماضية. في الحالتين كان الفشل مضاعفا، سياسيا وأمنيا، وخسرت إيران خيرة قادتها وعلمائها. وقبل الحالتين قتلت إسرائيل إسماعيل هنية في موقع يُفترّض أنه من الأكثر تحصينا في طهران، وقتلت عشرات العلماء النوويين بسهولة كبيرة تحت شمس النهار في شوارع طهران.
العالم كله انتظر لحظة الحرب الحالية إلا القادة الإيرانيون. من الصعب استيعاب أن كبار القائمين على المنظومة الأمنية والعسكرية في طهران يلتقون في مكان واحد وتوقيت واحد بينما طبول الحرب تصم الآذان منذ أسابيع. لا أصدق أن المرشد يواصل عمله في مكتبه المألوف في مجمعه المعروف بينما تتوعد إسرائيل وأمريكا منذ شهور بتصفيته وتُعدان العدَّة لذلك على بُعد أميال من طهران.
أين الأجهزة الإيرانية وغيرها مما يجب أن تملك دولة تدّعي أنها تخوض صراعا مع أكبرى القوى العالمية؟ لُدغت إيران من الجحر نفسه مرتين، وخسائرها فادحة لا تُعوض. وبهذه الذهنية ستُلدغ مرة ثالثة ورابعة.
إذا كانت عقيدة الشهادة واسترخاص الحياة المتجذرة في الطائفة هي الدافع، فهذا أيضا تقصير وحان وقت مراجعتها.
العبرة: كن قويا أو ادّعي القوة كما شئت، لكن كدولة وكمنظومة حكم، تحتاج إلى أن تكون ذكيا وتطوِّر قدراتك الاستشرافية مثل العسكرية تماما وأكثر. إيران بعيدة عن هذا.2 – ما أن تلقت إيران الضربات الأولى صباح السبت حتى تبيّن أن ردات فعلها تنم عن صدمة كبرى وارتباك. وما أن حلَّ اليوم الثالث من الحرب حتى كانت قد خسرت ما اكتسبت من تعاطف في أوساط العرب بسبب استهدافها الدول العربية القريبة منها بصواريخ ومسيّرات.
مهما كانت الذرائع، يبقى استهداف دول الخليج بغرض إلحاق أكبر قدر من الأذى تصرفا أرعن جعل إيران معزولة في بيئة معادية، وأفقدها الرصيد السياسي الذي راكمته خلال السنتين الماضيتين وتُرجم تقاربا مع دول الجوار العربية.
العبرة: بغض النظر عن فرضية أن بعض القصف والأعمال التخريبية في الخليج من صنع الموساد، خسرت إيران معركة القلوب. هذا الأمر يكمّل التسيّب الأمني والاختراق الكبير في إيران: من تتسبب تصرفاته في مقتل المرشد الأعلى بأول صاروخ، لا يُستغرب منه القصف العشوائي نحو جيران، في الحد الأدنى، برهنوا له عن حسن نواياهم قبيل الحرب.
3 – عدة قادة عرب حاولوا جاهدين إقناع الرئيس ترامب بتفادي شنّ حرب على إيران. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عمل في الاتجاه الآخر. حاول جاهداً إقناع ترامب بشن الحرب (زار واشنطن 6 مرات خلال سنة واحدة). فشل القادة العرب، وهم مجموعة، ونجح نتنياهو، وهو فرد.
المصالح العربية، خصوصا الخليجية، مع الولايات المتحدة كبيرة، لكنها مهما كبرت ستبقى أقل من مصالح إسرائيل. ومهما اعتقد القادة العرب أنهم قادرون على التأثير على ترامب، يبقى تأثيرهم أقل من تأثير أيّ رئيس وزراء إسرائيلي.
العبرة: يُفترض أن القادة العرب أدركوا مرة أخرى، أتمنى أن تكون الأخيرة، مكانتهم عند مَن يحكم أمريكا،. وأدركوا أن “صاحبهم” الحالي محتال. وإذا لم يجتمعوا بعد أن تنتهي الحرب الحالية لتفعيل استراتيجية لمستقبل يقوم على فكاك تدريجي من التبعية للولايات المتحدة، فمعنى ذلك أنهم يرسمون نكسات أخرى لأنفسهم وبلدانهم. مخطئون إذا صدّقوا أن المفرمة ستتوقف عند إيران.
** لا تصدّقوا المنظومة الإعلامية الغربية. هي مجرد مرآة عاكسة للتركيبة الذهنية الغربية القائمة على عنصرية “مُمَـأسسة”
4 – بذل الرئيس جورج بوش الابن جهودا مضنية لانتزاع شرعية دولية لاحتلال العراق في 2003. فعل المستحيل، داخليا وخارجيا، لإقناع حلفائه المترددين. وعندما فشل، مضى في تنفيذ ما أراد أو أراد منه الذين يتحكمون في السياسة الأمريكية والعالم.
بعد نحو ربع قرن، لم يخطر ببال الرئيس دونالد ترامب مجرد التفكير في استشارة أحد لشنِّ حرب على إيران. استسلم للضغط الإسرائيلي، وهذا الضغط كاف ويغني عن المجتمع السياسي والتشريعي الأمريكي، وعن رأي الحلفاء التقليديين لبلاده وخصومها أيضاـ وعن الأمم المتحدة ورأيها.
العبرة: العالم تغيّر نحو الأسوأ. ومن لا يزال يعوّل على الشرعية والقوانين الدولية والأمم المتحدة، بحاجة إلى مراجعة نفسه قبل فوات الآوان.
الحكام العرب، أكثر من غيرهم وقبل الكل، بحاجة إلى هذه المراجعة.
5 – في الأيام التي سبقت بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شهدت وسائل الإعلام الغربية، بمختلف مكوناتها وأنواعها، نقاشات حول إيران وما يُخطط لها الرئيس ترامب وإسرائيل.
تلقائيا يتمحور النقاش حول الخطط العسكرية والأهداف التي يمكن، أو يجب، ضربها داخل إيران وكيف ومتى.. إلخ.
بسرعة يحسم المتحدثون النقاش ويحصرونه تحت عنوان ضرورة ضرب إيران. لا يرون في ذلك أي مانع قانوني أو سياسي أو أخلاقي. لا يرون أيّ مشكلة في دولتين تحشدان قوة عسكرية هائلة لضرب دولة ذات سيادة بعيدا عن أيّ تفويض دولي أو حتى إبلاغ الأمم المتحدة، كما فعل بوش الابن قبل 23 سنة. لم يستوقفهم أن تلك القوة الخارقة ستقتل مدنيين أبرياء في إيران، منهم حتما شبان كان الغرب يصفق لهم قبل أيام وهم يتظاهرون لإسقاط النظام، وبينهم نساء لطالما ذرف عليهن الإعلام الغربي دموع التماسيح، منذ مقتل الشابة مهسا أميني، ولا يزال.
العبرة: لا تصدّقوا المنظومة الإعلامية الغربية. هي مجرد مرآة عاكسة للتركيبة الذهنية الغربية القائمة على عنصرية “مُمَـأسسة” تُطبّع الحديث عن شن الحروب والقتل وتجعله مقبولا إذا كان الهدف دولة عربية أو مسلمة. عنصرية متجذرة تخرج تلقائيا إلى السطح عند الحاجة. وفي التاريخ الحديث والقديم مئات الوقائع والأمثلة.

*كاتب صحافي جزائري..** القدس العربي
1