يكفي أن يدخل الإنسان إلى أي مستشفى في حيفا أو الناصرة أو تل أبيب أو القدس، حتى يكتشف حقيقة أن الكوادر الطبية في جميع الأقسام، هي خليط من العرب واليهود و»الروس».
الطبيب الذي يعاينك قد يكون عربياً والممرضة يهودية، أو العكس، طبيب التخدير يهودي والجرّاح عربي، أو العكس. أجهزة تخطيط القلب لا تعرف إن كان هذا قلب يهودي أم عربي أم هندي أوصلته الصدف إلى هذه البلاد.
في بلادنا المنكوبة، لا بد أن تدخل السياسة بوجهها الأكثر قذارة حتى إلى أجهزة التنفس. كانت الكوادر الطبية العربية التي تزداد حضوراً في المستشفيات ورَقةً يلوّح بها المسؤولون في الحكومات المختلفة بأنّها مصدر فخر للدولة كبرهان على أن الدولة تتيح الفرص للجميع. إلا أن هذه الورقة لها وجه آخر للاستعمال والاستثمار، وهو الوجه العنصري البغيض للسّاسة الذين يغذّون شعبيتهم من التحريض والعنصرية.
مع ابتداء حملة انتخابات الكنيست التي ستجري في أكتوبر من العام الجاري، اشتعل التحريض ضد أحزاب المعارضة بدعوى أنها ستعتمد على النواب العرب «غير الصهاينة»، لتشكيل ائتلاف حكومي ضد نتنياهو، وردّت المعارضة بأنها لن تشكل حكومة إلا من الأحزاب الصهيونية.
مع احتدام النقاش لكسب أصوات اليمين ونزع الشرعية عن الصوت العربي، الذي يشكل نسبة تقترب من 17% من مجمل الأصوات، بدأت حملة خلال الأيام الأخيرة ضد الطواقم الطبية العربية، بدأت بشكوى مثل أي شكوى تتعلق بعلاج مريض، ممكن أن تُعالج مهنياً وبهدوء.
**الانتخابات تقترب، وترتفع معها حرارة الخطاب العنصري، والشاطر من يثبت أنه أكثر تشدداً وتحريضاً على العرب، وكبش الفداء في هذه المرحلة الطواقم الطبية
شقيق جندي أصيب في لبنان ادعى أن الجريح لم يتلقَّ المعاملة المناسبة خلال إحدى المناوبات في مستشفى (رمبام) في حيفا، وأشار في روايته بصورة خاصة إلى أن أفراد الطاقم كانوا يتحدثون بالعربية.
القضية الأساسية إذن ليست تقصير الطاقم في علاج مريض أو مصاب، بل هو أن اللغة العربية تشكل عامل خوف وعدم طمأنينة للمريض، وهذا جرّ إلى التساؤل «هل يمكن الوثوق بطاقم عربي وهو يعالج جنودنا»؟، ثم احتدم الهجوم بصورة منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل» أولادنا يخدمون في الجيش بينما يلتحق العرب بالجامعات لدراسة الطب». «كيف يمكن أن نثق بمؤيدي حماس»! «الجندي يجب أن لا يسمع لغة من يقاتلهم».
وزير الحرب يسرائيل كاتس طالب الجيش بفحص القضية، وقال إنه «ينظر بخطورة بالغة إلى الشهادات المنشورة بشأن التعامل مع الجنود الجرحى، وإن الجنود الذين أصيبوا وهم يدافعون عن إسرائيل يستحقون أفضل علاج ومعاملة محترمة». وتوعّد باتخاذ خطوات حازمة إذا ثبت سوء التصرف. يُذكر أن لوزير الحرب كاتس «مواقف تاريخية»، فقد طالب بمعاقبة فريق برشلونة بسبب رفع لامين يامال لعلم فلسطين خلال احتفال فوزه بالدوري الإسباني.
التحقيق في شكوى مريض هو أمر مشروع، قد يكون المريض عربياً أو يهودياً، وقد يكون المعالِج كذلك عربياً أو يهودياً أو غير ذلك. هنالك حوالي ألفي شكوى سنوياً عن إهمال طبي، أو سوء تقدير حالة، أو تأخير في تلقي العلاج أو في وصول سيارة إسعاف. كذلك يمكن مشاهدة مشادات يومية في صالات استقبال المرضى، بسبب وقاحة الكثيرين من ذوي المرضى الذين يتعاملون مع الطواقم الطبية بقلة أدب، أو نتيجة خوف على أحبائهم، نتيجة النقص في الأيدي العاملة، رغم وجود آلاف الأطباء العرب العاطلين عن العمل، تدّعي الحكومة عدم وجود ميزانيات لتوظيفهم، وهذا يعني أن يعمل الطبيب الواحد ساعات وورديات أكثر، تصل إلى درجة الإرهاق الشديد.
الطامة الكبرى تبدأ عندما تتحول هوية الممرض أو الطبيب القومية ولغته إلى تهمة.
في نقاش رسمي في لجنة الصحة في الكنيست في مارس 2026، عرضت وزارة الصحة معطيات تفيد بأنه بين العاملين في المستشفيات حتى سن الستين هناك نحو 20 ألف طبيب يهودي ونحو 11 ألف طبيب عربي و»درزي». أي أننا لا نتحدث عن مجموعة هامشية في جهاز الصحة، بل عن أحد أعمدته البشرية الأساسية. وفي الوقت نفسه هناك خلاف حول توظيف آلاف الخريجين العرب، الذين ينتظرون، بينما تعاني المنظومة نفسها نقصاً في الأطباء والممرضين والمتخصصين، هنالك من يدعو إلى تحديد نسبة العرب العاملين في المستشفيات، وهنالك من يدعو إلى استيراد طواقم طبية من خارج البلاد، بدلاً من توظيف الخريجين العرب.
الانتخابات تقترب، وترتفع معها حرارة الخطاب العنصري وقذارته، والشاطر هو من يثبت أنه أكثر تشدداً وتحريضاً على العرب، وكبش الفداء في هذه المرحلة هي الطواقم الطبية.
السياسي الإسرائيلي لا يستطيع أن يعد الناخب بالسلام والرفاهية، ولكنه يستطيع دائماً أن يعده بأنه سيحميه من خطر العرب والمسلمين المحدق به وبنسله، وهذه وصفة سياسية قديمة في السياسة الإسرائيلية، فالعداء للعرب مربح، والتقرب منهم صفقة غير ناجحة محفوفة بالمخاطر. حين تضيق مساحة الإنجازات في الحياة اليومية وتتراكم الإخفاقات تتسع مساحة العدو. يصبح العربي سبب البطالة لأنه يحتل أمكنة العمل، وتصبح الأقلية هي سبب هجرة أبناء الشرائح العليا من البلاد، ولا بأس من تحميل مليوني إنسان مسؤولية فشل عملية جراحية لمريض، أو حالة ذعر يصاب بها لسماعه «لغة العدو» حول سريره، ويصبح الطاقم الطبي طابوراً خامساً ينهش الدولة من داخلها، إضافة إلى الادعاء بأن العرب يملكون مئات الآلاف من قطع السلاح غير المرخص، وأن هذا السلاح الذي يستخدم اليوم للجرائم، «سوف يتحوّل في يوم ما ضد اليهود للقضاء على الدولة».
في ألمانيا النازية لم يبدأ اضطهاد اليهود بالمحرقة، سبقها بناء صورة اليهودي بوصفه جسماً غريباً داخل المجتمع الألماني، ثم انتقل الأمر إلى الوظائف والجامعات والمهن الحرة، بما فيها الطب. الطبيب اليهودي الذي كان يعالج مرضاه الألمان سنوات طويلة أصبح فجأة، بفعل القانون والدعاية، يهودياً يحمل كل الصفات السيئة قبل أن يكون طبيباً. لم تتغير شهادته الطبية في ليلة واحدة، ولم تنقص معرفته بالتشريح أو الدواء، الذي تغير هو نظرة المجتمع له.
في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، تحول عشرات آلاف الأمريكيين من أصل ياباني، بفعل الخوف والحرب والدعاية، إلى جماعة مشكوك في ولائها، وانتهى الأمر باحتجاز أكثر من مئة ألف منهم في معسكرات، رغم أن أكثرهم كانوا مواطنين أمريكيين. لم تكن التهمة مبنية على فعل فردي، بل على الأصل القومي.
هناك أمثلة كثيرة في التاريخ، حيث يبدأ الأمر باللغة قبل أن يصبح سياسة، تعميم صفة على جماعة كاملة، ثم تكرارها حتى تصبح مألوفة، ثم التعامل مع أفراد الجماعة وفق هويتهم القومية أو الدينية أو العرقية. قد يخطئ طبيب أو ممرض عربي في عمله، فهو ليس معصوماً، ولكن خطأ الفرد إذا حدث هنا يتحول بسهولة إلى عمل مقصود وإلى مؤامرة جماعية وإلى طابور خامس. الصحافة والإعلام المجنّد يضخّم هذه الآلية، ويكف عن كونه ناقلاً للخبر، بل يشارك في إنتاجه سياسياً وتحريضياً. إدخال العنصرية إلى المستشفيات أخطر من بقائها في استوديو تلفزيوني، أو مهرجان انتخابي. فالسياسي يستطيع أن ينهي خطابه ويغادر المنصة، والمذيع يستطيع أن ينهي برنامجه وتُطفأ الكاميرات، ولكن المريض سيبقى في سريره محتاجاً إلى الطبيب، والطبيب يحتاج إلى الأمن والثقة بينه وبين المريض كي ينجز عمله، من غير أن ترتجف يداه. الطبيب منذ أن يرتدي ثوبه الأبيض مطالب بأن يرى أمامه إنساناً، لا بطاقة هوية. ولعل هذا هو أكثر ما يزعج السياسي الذي يبني شعبيته على الخوف من الآخر، المستشفى يفضحه، فهنالك آلاف من الأسر التي تشكر الطواقم الطبية من العرب على المهنية والتعامل الإنساني مع المرضى. في غرفة الطوارئ تسقط الشعارات الكبيرة، ويتبين أن العربي الذي حذروا من وحشيته طوال الحملة الانتخابية، قد يكون هو نفسه الإنسان الذي تنتظر وصوله بفارغ الصبر كي ينقذ حياتك أو حياة ابنك. إدارة مستشفى (رمبام) أصدرت بياناً أوضحت فيه وقوفها إلى جانب الطواقم الطبية، كذلك أصدر رئيس نقابة الأطباء بيانا استنكر الهجمة على الأطباء العرب، وارتفعت أصوات كثيرة من اليهود ترفض إدخال هذه المساحة الإنسانية المتبقية إلى سياسة التحريض والشعبوية للكسب السياسي.
المعركة على مكانة الطبيب العربي ليست معركة الأطباء العرب وحدهم، إنها معركة على السؤال: هل بقي في هذه البلاد مكان يستطيع فيه الإنسان أن يكون إنساناً قبل أن يكون عربياً أو يهوديا؟ المقلق جداً هو سرعة ردود الفعل العمياء الحاقدة على العرب، حتى على أولئك الذين يقدمون أرقى الخدمات الإنسانية، في أجواء تبدو مثل برميل من البارود القابل للانفجار من شرارة شرّيرة صغيرة.
الطبيب الذي يعاينك قد يكون عربياً والممرضة يهودية، أو العكس، طبيب التخدير يهودي والجرّاح عربي، أو العكس. أجهزة تخطيط القلب لا تعرف إن كان هذا قلب يهودي أم عربي أم هندي أوصلته الصدف إلى هذه البلاد.
في بلادنا المنكوبة، لا بد أن تدخل السياسة بوجهها الأكثر قذارة حتى إلى أجهزة التنفس. كانت الكوادر الطبية العربية التي تزداد حضوراً في المستشفيات ورَقةً يلوّح بها المسؤولون في الحكومات المختلفة بأنّها مصدر فخر للدولة كبرهان على أن الدولة تتيح الفرص للجميع. إلا أن هذه الورقة لها وجه آخر للاستعمال والاستثمار، وهو الوجه العنصري البغيض للسّاسة الذين يغذّون شعبيتهم من التحريض والعنصرية.
مع ابتداء حملة انتخابات الكنيست التي ستجري في أكتوبر من العام الجاري، اشتعل التحريض ضد أحزاب المعارضة بدعوى أنها ستعتمد على النواب العرب «غير الصهاينة»، لتشكيل ائتلاف حكومي ضد نتنياهو، وردّت المعارضة بأنها لن تشكل حكومة إلا من الأحزاب الصهيونية.
مع احتدام النقاش لكسب أصوات اليمين ونزع الشرعية عن الصوت العربي، الذي يشكل نسبة تقترب من 17% من مجمل الأصوات، بدأت حملة خلال الأيام الأخيرة ضد الطواقم الطبية العربية، بدأت بشكوى مثل أي شكوى تتعلق بعلاج مريض، ممكن أن تُعالج مهنياً وبهدوء.
**الانتخابات تقترب، وترتفع معها حرارة الخطاب العنصري، والشاطر من يثبت أنه أكثر تشدداً وتحريضاً على العرب، وكبش الفداء في هذه المرحلة الطواقم الطبية
شقيق جندي أصيب في لبنان ادعى أن الجريح لم يتلقَّ المعاملة المناسبة خلال إحدى المناوبات في مستشفى (رمبام) في حيفا، وأشار في روايته بصورة خاصة إلى أن أفراد الطاقم كانوا يتحدثون بالعربية.
القضية الأساسية إذن ليست تقصير الطاقم في علاج مريض أو مصاب، بل هو أن اللغة العربية تشكل عامل خوف وعدم طمأنينة للمريض، وهذا جرّ إلى التساؤل «هل يمكن الوثوق بطاقم عربي وهو يعالج جنودنا»؟، ثم احتدم الهجوم بصورة منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل» أولادنا يخدمون في الجيش بينما يلتحق العرب بالجامعات لدراسة الطب». «كيف يمكن أن نثق بمؤيدي حماس»! «الجندي يجب أن لا يسمع لغة من يقاتلهم».
وزير الحرب يسرائيل كاتس طالب الجيش بفحص القضية، وقال إنه «ينظر بخطورة بالغة إلى الشهادات المنشورة بشأن التعامل مع الجنود الجرحى، وإن الجنود الذين أصيبوا وهم يدافعون عن إسرائيل يستحقون أفضل علاج ومعاملة محترمة». وتوعّد باتخاذ خطوات حازمة إذا ثبت سوء التصرف. يُذكر أن لوزير الحرب كاتس «مواقف تاريخية»، فقد طالب بمعاقبة فريق برشلونة بسبب رفع لامين يامال لعلم فلسطين خلال احتفال فوزه بالدوري الإسباني.
التحقيق في شكوى مريض هو أمر مشروع، قد يكون المريض عربياً أو يهودياً، وقد يكون المعالِج كذلك عربياً أو يهودياً أو غير ذلك. هنالك حوالي ألفي شكوى سنوياً عن إهمال طبي، أو سوء تقدير حالة، أو تأخير في تلقي العلاج أو في وصول سيارة إسعاف. كذلك يمكن مشاهدة مشادات يومية في صالات استقبال المرضى، بسبب وقاحة الكثيرين من ذوي المرضى الذين يتعاملون مع الطواقم الطبية بقلة أدب، أو نتيجة خوف على أحبائهم، نتيجة النقص في الأيدي العاملة، رغم وجود آلاف الأطباء العرب العاطلين عن العمل، تدّعي الحكومة عدم وجود ميزانيات لتوظيفهم، وهذا يعني أن يعمل الطبيب الواحد ساعات وورديات أكثر، تصل إلى درجة الإرهاق الشديد.
الطامة الكبرى تبدأ عندما تتحول هوية الممرض أو الطبيب القومية ولغته إلى تهمة.
في نقاش رسمي في لجنة الصحة في الكنيست في مارس 2026، عرضت وزارة الصحة معطيات تفيد بأنه بين العاملين في المستشفيات حتى سن الستين هناك نحو 20 ألف طبيب يهودي ونحو 11 ألف طبيب عربي و»درزي». أي أننا لا نتحدث عن مجموعة هامشية في جهاز الصحة، بل عن أحد أعمدته البشرية الأساسية. وفي الوقت نفسه هناك خلاف حول توظيف آلاف الخريجين العرب، الذين ينتظرون، بينما تعاني المنظومة نفسها نقصاً في الأطباء والممرضين والمتخصصين، هنالك من يدعو إلى تحديد نسبة العرب العاملين في المستشفيات، وهنالك من يدعو إلى استيراد طواقم طبية من خارج البلاد، بدلاً من توظيف الخريجين العرب.
الانتخابات تقترب، وترتفع معها حرارة الخطاب العنصري وقذارته، والشاطر هو من يثبت أنه أكثر تشدداً وتحريضاً على العرب، وكبش الفداء في هذه المرحلة هي الطواقم الطبية.
السياسي الإسرائيلي لا يستطيع أن يعد الناخب بالسلام والرفاهية، ولكنه يستطيع دائماً أن يعده بأنه سيحميه من خطر العرب والمسلمين المحدق به وبنسله، وهذه وصفة سياسية قديمة في السياسة الإسرائيلية، فالعداء للعرب مربح، والتقرب منهم صفقة غير ناجحة محفوفة بالمخاطر. حين تضيق مساحة الإنجازات في الحياة اليومية وتتراكم الإخفاقات تتسع مساحة العدو. يصبح العربي سبب البطالة لأنه يحتل أمكنة العمل، وتصبح الأقلية هي سبب هجرة أبناء الشرائح العليا من البلاد، ولا بأس من تحميل مليوني إنسان مسؤولية فشل عملية جراحية لمريض، أو حالة ذعر يصاب بها لسماعه «لغة العدو» حول سريره، ويصبح الطاقم الطبي طابوراً خامساً ينهش الدولة من داخلها، إضافة إلى الادعاء بأن العرب يملكون مئات الآلاف من قطع السلاح غير المرخص، وأن هذا السلاح الذي يستخدم اليوم للجرائم، «سوف يتحوّل في يوم ما ضد اليهود للقضاء على الدولة».
في ألمانيا النازية لم يبدأ اضطهاد اليهود بالمحرقة، سبقها بناء صورة اليهودي بوصفه جسماً غريباً داخل المجتمع الألماني، ثم انتقل الأمر إلى الوظائف والجامعات والمهن الحرة، بما فيها الطب. الطبيب اليهودي الذي كان يعالج مرضاه الألمان سنوات طويلة أصبح فجأة، بفعل القانون والدعاية، يهودياً يحمل كل الصفات السيئة قبل أن يكون طبيباً. لم تتغير شهادته الطبية في ليلة واحدة، ولم تنقص معرفته بالتشريح أو الدواء، الذي تغير هو نظرة المجتمع له.
في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، تحول عشرات آلاف الأمريكيين من أصل ياباني، بفعل الخوف والحرب والدعاية، إلى جماعة مشكوك في ولائها، وانتهى الأمر باحتجاز أكثر من مئة ألف منهم في معسكرات، رغم أن أكثرهم كانوا مواطنين أمريكيين. لم تكن التهمة مبنية على فعل فردي، بل على الأصل القومي.
هناك أمثلة كثيرة في التاريخ، حيث يبدأ الأمر باللغة قبل أن يصبح سياسة، تعميم صفة على جماعة كاملة، ثم تكرارها حتى تصبح مألوفة، ثم التعامل مع أفراد الجماعة وفق هويتهم القومية أو الدينية أو العرقية. قد يخطئ طبيب أو ممرض عربي في عمله، فهو ليس معصوماً، ولكن خطأ الفرد إذا حدث هنا يتحول بسهولة إلى عمل مقصود وإلى مؤامرة جماعية وإلى طابور خامس. الصحافة والإعلام المجنّد يضخّم هذه الآلية، ويكف عن كونه ناقلاً للخبر، بل يشارك في إنتاجه سياسياً وتحريضياً. إدخال العنصرية إلى المستشفيات أخطر من بقائها في استوديو تلفزيوني، أو مهرجان انتخابي. فالسياسي يستطيع أن ينهي خطابه ويغادر المنصة، والمذيع يستطيع أن ينهي برنامجه وتُطفأ الكاميرات، ولكن المريض سيبقى في سريره محتاجاً إلى الطبيب، والطبيب يحتاج إلى الأمن والثقة بينه وبين المريض كي ينجز عمله، من غير أن ترتجف يداه. الطبيب منذ أن يرتدي ثوبه الأبيض مطالب بأن يرى أمامه إنساناً، لا بطاقة هوية. ولعل هذا هو أكثر ما يزعج السياسي الذي يبني شعبيته على الخوف من الآخر، المستشفى يفضحه، فهنالك آلاف من الأسر التي تشكر الطواقم الطبية من العرب على المهنية والتعامل الإنساني مع المرضى. في غرفة الطوارئ تسقط الشعارات الكبيرة، ويتبين أن العربي الذي حذروا من وحشيته طوال الحملة الانتخابية، قد يكون هو نفسه الإنسان الذي تنتظر وصوله بفارغ الصبر كي ينقذ حياتك أو حياة ابنك. إدارة مستشفى (رمبام) أصدرت بياناً أوضحت فيه وقوفها إلى جانب الطواقم الطبية، كذلك أصدر رئيس نقابة الأطباء بيانا استنكر الهجمة على الأطباء العرب، وارتفعت أصوات كثيرة من اليهود ترفض إدخال هذه المساحة الإنسانية المتبقية إلى سياسة التحريض والشعبوية للكسب السياسي.
المعركة على مكانة الطبيب العربي ليست معركة الأطباء العرب وحدهم، إنها معركة على السؤال: هل بقي في هذه البلاد مكان يستطيع فيه الإنسان أن يكون إنساناً قبل أن يكون عربياً أو يهوديا؟ المقلق جداً هو سرعة ردود الفعل العمياء الحاقدة على العرب، حتى على أولئك الذين يقدمون أرقى الخدمات الإنسانية، في أجواء تبدو مثل برميل من البارود القابل للانفجار من شرارة شرّيرة صغيرة.









