عمان - تكشف تجربة الأردن مفارقة تتجاوز حدوده، فبينما قطعت النساء شوطًا كبيرًا في التعليم، لا يزال انتقال هذا التقدم إلى سوق العمل والدخل أبطأ بكثير. وفي بلد قلص فجوة الأجور بين الرجال والنساء إلى 7.3 بالمئة في القطاعين العام والخاص مجتمعين، وفق أحدث البيانات المنشورة، بقيت مشاركة النساء الاقتصادية عند مستويات منخفضة، ما يعيد طرح سؤال أوسع عربيًا حول المسافة بين التحسن التعليمي للمرأة وموقعها الاقتصادي.
ولا تعني هذه المفارقة أن فجوة الأجور في الأردن تسير في اتجاه واحد أو أنها اتسعت خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن الفجوة تراجعت من 13.7 بالمئة عام 2009 إلى 7.3 بالمئة في 2023، لكنها ظلت أعلى في القطاع الخاص، حيث بلغت 13.7 بالمئة، مقابل 8.5 بالمئة في القطاع العام. كما سجلت بعض القطاعات فجوات أكبر بكثير، بينها التعليم والعقارات والصناعة التحويلية.
تكتسب القضية أهميتها من أن الفجوة بين الجنسين في التعليم أصبحت محدودة نسبيًا في المنطقة العربية. ويشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 إلى أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اقترب من تحقيق التكافؤ التعليمي، بعدما بلغت درجة التكافؤ في التحصيل التعليمي 97.8 بالمئة، مع تحقيق التكافؤ في الالتحاق بالتعليم الابتدائي والعالي، واقتراب المنطقة من التكافؤ في التعليم الثانوي.
لكن الصورة تتغير عندما ينتقل القياس من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل. فقد بلغت نسبة التكافؤ بين الرجال والنساء في المشاركة الاقتصادية والفرص في المنطقة 44.8 بالمئة فقط، بينما سجلت فجوة المشاركة في قوة العمل تراجعًا منذ 2006، بحسب التقرير نفسه.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: لم تعد القضية العربية في كثير من الحالات هي قدرة الفتيات على الوصول إلى التعليم، وإنما قدرة النساء بعد التخرج على تحويل هذا التعليم إلى وظيفة مستقرة ودخل وفرص للترقي.
تقدم الأردن مثالًا واضحًا على هذه الحلقة. فقد أظهرت بيانات منظمة العمل الدولية أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء بلغ 14.5 بالمئة في الربع الأول من 2025، مقابل 51.2 بالمئة للرجال. وفي سبتمبر 2026، بدأت الحكومة الأردنية ومنظمة العمل الدولية العمل على آلية وطنية موحدة لزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، بعدما تداخلت أكثر من 30 مؤسسة وبرنامجًا في مجالات تشمل التوظيف والمهارات والنقل والحماية الاجتماعية والرعاية وريادة الأعمال.
السؤال الذي تطرحه التجربة الأردنية لا يتعلق فقط بمقدار ما تعلمته النساء، وإنما بما يحدث بعد التخرج: هل يجدن وظائف تتناسب مع مؤهلاتهن؟
ويشير هذا التحرك إلى أن معالجة المشكلة لم تعد تُطرح باعتبارها قضية تعليم فقط، وإنما باعتبارها قضية سوق عمل وسياسات اجتماعية واقتصادية أيضًا.
فوجود الشهادة لا يلغي عوائق أخرى، بينها مسؤوليات الرعاية المنزلية، وتوافر خدمات الطفولة المبكرة، والنقل الآمن، وطبيعة الوظائف المتاحة، إضافة إلى الفروق في الأجور وآليات الترقي. وهي عوامل يمكن أن تحد من استفادة الاقتصاد من ارتفاع مستوى تعليم النساء.
ولا تقتصر هذه المفارقة على الأردن. فتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يظهر أن المنطقة العربية وشمال أفريقيا حققت تقدمًا كبيرًا في التعليم، بينما لا تزال المشاركة الاقتصادية تمثل إحدى أضعف حلقات المساواة بين الجنسين. وفي الوقت نفسه، تختلف الصورة من بلد إلى آخر، بحسب مستويات التنمية وطبيعة سوق العمل والتشريعات والخدمات الاجتماعية.
وتشير منظمة العمل الدولية في تقرير حديث عن الدول العربية إلى الحاجة إلى تحسين البيانات المتعلقة بمشاركة النساء وفجوة الأجور والعمل غير المدفوع والرعاية، باعتبار أن نقص البيانات الدقيقة والمصنفة حسب الجنس يصعّب قياس حجم المشكلة وتحديد السياسات الأكثر تأثيرًا.
وفي تونس، على سبيل المثال، خلصت دراسة حديثة للبنك الدولي إلى أن تقدم التعليم والحقوق القانونية لم ينهِ انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل، مع استمرار عوائق تشمل عدم تطابق المهارات مع الوظائف، وفجوات الأجور، وصعوبة التنقل، وتوزيع مسؤوليات الرعاية بصورة غير متكافئة.
وتضع هذه المؤشرات مسألة تعليم المرأة في سياق مختلف. فالنجاح في تقليص الفجوة التعليمية يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى المساواة الاقتصادية.
المسافة بين الشهادة والوظيفة قد تكون قصيرة بالنسبة إلى بعض النساء وطويلة بالنسبة إلى أخريات، بحسب مكان الإقامة والحالة الاجتماعية والقطاع الاقتصادي وتوافر خدمات الرعاية والنقل. كما أن الوصول إلى العمل لا يعني بالضرورة الوصول إلى الأجر نفسه أو إلى مواقع صنع القرار.
ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه التجربة الأردنية لا يتعلق فقط بمقدار ما تعلمته النساء، وإنما بما يحدث بعد التخرج: هل يجدن وظائف تتناسب مع مؤهلاتهن؟ وهل يستطعن الاستمرار فيها؟ وهل يحصلن على أجر عادل وفرص متساوية للترقي؟
وتشير التجربة العربية إلى أن المرحلة المقبلة قد تتطلب الانتقال من التركيز على إتاحة التعليم للنساء إلى بناء بيئة اقتصادية تجعل هذا التعليم قابلًا للتحول إلى مشاركة ودخل واستقلال اقتصادي.
وبذلك، لا تبدو قضية فجوة الأجور منفصلة عن قضية المشاركة في سوق العمل، بل جزءًا من مسار أوسع: فكلما اتسعت الفجوة بين التعليم والفرص الاقتصادية، بقي جزء من الاستثمار في تعليم النساء خارج الاستفادة الكاملة للاقتصاد والمجتمع.











.jpg)