أحدث الأخبار
الجمعة 10 تموز/يوليو 2026
موريتانيا وظاهرة ختان الإناث… تراجع بطيء أمام سطوة العادات الاجتماعية!!
بقلم : عبد الله مولود ... 05.07.2026

نواكشوط : رغم الجهود الحكومية والدولية المتواصلة خلال العقدين الأخيرين، لا تزال ظاهرة ختان الإناث تمثل واحدة من أكثر التحديات الاجتماعية والصحية تعقيداً في موريتانيا، حيث تكشف أحدث المعطيات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة عن استمرار انتشار هذه الممارسة على نطاق واسع، خاصة في المناطق الداخلية، وسط صراع متواصل بين حملات التوعية ومتطلبات الأعراف الاجتماعية المتجذرة.
وأظهر التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن البرنامج المشترك بين صندوق الأمم المتحدة للسكان وصندوق الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» للقضاء على ختان الإناث، أن نسبة انتشار هذه الممارسة بين الفتيات والشابات الموريتانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً بلغت 56 في المئة سنة 2022، مقارنة بـ66 في المئة سنة 2000، ما يعكس تراجعاً بنحو عشر نقاط مئوية خلال أكثر من عقدين. غير أن التقرير يؤكد أن هذا التقدم لا يزال بعيداً عن الوتيرة المطلوبة لتحقيق هدف القضاء على الظاهرة بحلول عام 2030، إذ يتطلب الأمر تسريع معدل التراجع الحالي بنحو عشرين مرة.
وتعد موريتانيا إحدى الدول الثماني عشرة المشمولة بالبرنامج الأممي المشترك لمناهضة ختان الإناث، وهو أكبر برنامج عالمي مخصص لمكافحة هذه الممارسة، ويعتمد مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب الصحية والاجتماعية والقانونية والدينية والتربوية.
خريطة انتشار غير متكافئة
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير أن الظاهرة لا تتوزع بشكل متساوٍ بين الولايات الموريتانية، إذ تسجل ولاية الحوض الغربي أعلى نسبة انتشار تصل إلى 94 في المئة، تليها تكانت بنسبة 88 في المئة، ثم كيدي ماغه بنسبة 85 في المئة، ولعصابه بنسبة 82 في المئة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ختان الإناث لا يزال أكثر رسوخاً في المناطق الريفية وشبه الريفية، حيث تلعب الأعراف الاجتماعية والتقاليد المحلية دوراً حاسماً في استمرار الممارسة، بينما تبدو نسب التراجع أكبر في المدن الكبرى والمراكز الحضرية التي شهدت خلال السنوات الماضية حملات توعية أكثر كثافة وانتظاماً.
ويرى مختصون في قضايا النوع الاجتماعي أن المعدلات المرتفعة المسجلة في بعض الولايات تعكس ارتباط الظاهرة بمنظومات اجتماعية تعتبر الختان جزءاً من متطلبات التنشئة التقليدية للفتيات، أكثر مما تعكس قناعات صحية أو دينية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في التقرير الأممي قصة السيدة الموريتانية السالكة منت الناتي، التي أقرت بأنها كانت تدرك المخاطر الصحية للختان، لكنها خضعت لضغوط المجتمع والأسرة ووافقت على إخضاع ابنتها للعملية.
وكادت الطفلة أن تفقد حياتها نتيجة نزيف حاد أعقب العملية، وهو ما دفع الأم لاحقاً إلى التحول إلى ناشطة في حملات التوعية ضد الختان داخل محيطها الاجتماعي.
وتبرز هذه القصة واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه جهود القضاء على الظاهرة، إذ إن المعرفة بالمخاطر الصحية لا تؤدي دائماً إلى التخلي عن الممارسة.
ففي كثير من الحالات تستمر الأسر في اللجوء إلى الختان خوفاً من الوصم الاجتماعي أو من تأثير ذلك على فرص زواج الفتيات مستقبلاً.
ويؤكد خبراء اجتماعيون أن ختان الإناث في موريتانيا لم يعد مرتبطاً بالجهل الطبي فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة ضغط اجتماعي تدفع كثيراً من الأسر إلى الامتثال للأعراف السائدة حتى عندما تكون مقتنعة بالأضرار الصحية والنفسية المترتبة على هذه الممارسة.
هيمنة الممارسات التقليديات
ورغم التطور النسبي في الخدمات الصحية، تشير بيانات التقرير إلى أن 92 في المئة من عمليات الختان التي تتعرض لها الفتيات بين سن صفر و14 عاماً ما تزال تنفذ على أيدي ممارسات تقليديات، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية المرتبطة بالنزيف والالتهابات والمضاعفات طويلة الأمد.
وتحذر المنظمات الدولية من أن استمرار الاعتماد على الممارسات التقليدية يجعل مراقبة الظاهرة أكثر صعوبة، خاصة في القرى والمناطق النائية التي تفتقر إلى آليات فعالة للإبلاغ والمتابعة.
وعلى مستوى المكافحة، أفاد التقرير بأن البرنامج المشترك نجح خلال عام 2025 في إشراك 36 ألفاً و893 فتاة وشابة في أنشطة التوعية والتغيير السلوكي، كما أسهمت أنظمة المراقبة المجتمعية في حماية 22 ألفاً و925 فتاة من التعرض للختان. كما تم تدريب 88 قاضياً وعنصراً من الشرطة على التعامل مع القضايا المرتبطة بهذه الممارسة، وأحيلت ثلاث قضايا إلى القضاء.
غير أن التقرير يقر بوجود تحديات كبيرة ما تزال تعرقل تحقيق تقدم أسرع، من أبرزها ضعف مشاركة النساء والفتيات في برامج التغيير الاجتماعي، وتراجع التغطية الإعلامية للقضية، ومحدودية إدماج موضوع مكافحة الختان في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية.
كما يشير التقرير إلى أن استدامة النتائج المحققة تظل رهينة بقدرة المؤسسات الرسمية والشركاء الدوليين والمجتمعات المحلية على توسيع نطاق التدخلات الحالية وتحويلها إلى سياسات مجتمعية طويلة الأمد.
معركة 2030
وعلى الرغم من التراجع المسجل خلال العقدين الماضيين، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن القضاء الكامل على ختان الإناث في موريتانيا خلال السنوات الأربع المقبلة ما يزال هدفاً صعب المنال؛ فالمعركة لم تعد قانونية أو صحية فقط، بل أصبحت معركة تغيير ثقافي واجتماعي طويل المدى تتطلب إعادة النظر في منظومة من الموروثات والعادات الراسخة. ولهذا يدعو التقرير إلى توسيع دور القادة الدينيين والوجهاء المحليين في حملات التوعية، وزيادة التمويل الوطني المخصص لمكافحة الظاهرة، وتعزيز خدمات الحماية داخل المرافق الصحية، فضلاً عن منح النساء والفتيات دوراً أكبر في قيادة جهود التغيير داخل مجتمعاتهن.
وبينما تؤكد الأرقام أن موريتانيا أحرزت تقدماً مقارنة ببداية الألفية، فإن استمرار تعرض أكثر من نصف الفتيات والشابات لهذه الممارسة يكشف أن الطريق إلى القضاء عليها لا يزال طويلاً، وأن نجاح الجهود المستقبلية سيعتمد بالدرجة الأولى على قدرة المجتمع نفسه على مراجعة واحدة من أكثر العادات الاجتماعية رسوخاً وإثارة للجدل، بما يضمن حماية الأجيال المقبلة من تبعاته الصحية والنفسية والاجتماعية.
ويظل البعد الديني أحد أكثر الجوانب حساسية في النقاش الدائر حول ختان الإناث في موريتانيا؛ فبينما تؤكد المنظمات الدولية والهيئات الصحية أن الممارسة لا تستند إلى ضرورة طبية وتدعو إلى القضاء عليها لما تسببه من أضرار جسدية ونفسية، يرى عدد من العلماء والفقهاء أن بعض أشكال الختان ارتبطت تاريخياً بآراء فقهية متباينة داخل المذاهب الإسلامية، الأمر الذي جعل التعاطي مع القضية أكثر تعقيداً من مجرد اعتبارها عادة اجتماعية.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت السلطات الموريتانية وشركاؤها الدوليون إلى إشراك العلماء والأئمة في حملات التوعية، انطلاقاً من أن تأثير الخطاب الديني يظل كبيراً داخل المجتمع.
وقد ساهمت هذه المقاربة في دفع عدد من رجال الدين إلى التركيز على قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، والتأكيد على أن أي ممارسة يثبت ضررها الصحي لا يمكن تبريرها شرعاً.
ويرى مراقبون أن نجاح جهود القضاء على ختان الإناث في موريتانيا سيظل مرتبطاً بقدرة الفاعلين الرسميين والمجتمعيين على بناء خطاب ديني وصحي متوازن، يراعي خصوصيات المجتمع ويقنع الأسر بأن حماية الفتيات من الأذى تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس وصون الكرامة الإنسانية.

1