في رائعته «حي ابن يقظان»، حاول «ابن طفيل» تقديم توصيف لجزيرة الواقواق، لعل أغرب وأعذب ما في التوصيف أن النساء فيها يأتين في شكل ثمار من الشجر. شيء من التركيب الضوئي وقليل من الماء ينتجان صبايا. يحضر الحديث عن فيلسوف الأندلس هذه الأيام، والنسوة تشغلن التريندات من ليبيا وحتى المغرب الأقصى.
حياء الصبايا في ليبيا!
للجمع قواعده في اللغة العربية، كما في كثير من اللغات منه ما يحتمل التأنيث ومنه التذكير، ويحدث بحكم الأسلاف تغليب التذكير على كل ما هو مؤنث. لكن يبدو أن الأمور قد اختلطت عمن صاغ عنوان «موسم صيف شباب ليبيا» الذي ترعاه وزارة الشباب في حكومة الوحدة الوطنية. الحدث الذي أريد له أن يعيد الحياة للعاصمة طرابلس خلال عطلة الصيف تحول لمادة جدل واسع.
«فرع ليبيا» لمواقع التواصل الاجتماعي انشغل خلال الأيام الأخيرة بصور وفيديوهات حفلة المغني التونسي «نوردو» (مروان الجبالي اسمه الحقيقي) في العاصمة طرابلس.
السبب المعلن كان اللباس الذي اعتمده المغني الشاب، سترة واقية من الرصاص اعتلى بها المسرح الذي امتلأ عن آخره، بجمهور ردد كلمات أغانيه، وتفاعل معها.
ما كادت المقاطع المصورة تصل وسائل التواصل حتى تحول الحفل إلى مادة لنقاش «عميق».
البعض وجد في لباس المغني انتقاصا من قيمة الدولة المضيفة، إذ أعطى انطباعا بغياب الأمن في البلد المضيف، الأمر الذي يرفضه الليبيون، وإن انتشرت كل ميليشيات الأرض في البلاد.
«افتراء» نسفه المغني الذي أكد لجمهوره أن السترة جزء من إطلالة نسقها وفريقه بعيدا عن أي خلفية، أما تيار واسع من المتفاعلين فقد لاموا الحضور الكثيف لحفل الرجل: «لو قدم درسا دينيا لما جاءه أحد»، «أهبل آخر يدعونه للبلد؟ لقلتهم ربما؟» علق كثر.
الحضور الكثيف لمغن محبوب أمر متوقع، بل ومستحب في تظاهرة كتلك التي دعي إليها الشاب التونسي، لكنه سرعان ما تحول لموضوع «ملامة شعبية واسعة» بسبب مغن آخر.
«الشامي» الشاب السوري، الذي يحقق أرقام استماع خيالية، وشعبية متصاعدة ألغي حفله أياما قليلة قبل حفل «نوردو»، بعد أن أثارت دعوته جدلا واسعا، وقسم الشارع الليبي – أكثر مما قسمته أمريكا وحلفاؤها.
إلغاء حفل الشاب السوري وإن أخمد الفتنة إلا أن الحرقة ظلت حاضرة: «نوردو يغني في هناء والشامي لا!»، «الآن صار الفن لا يخدش الحياء، وصار الغناء لا يتعارض مع الدين، لماذا ألغيتم حفل الشامي وسمحتم بهذا الحفل؟».
الجواب بدا جاهزا عند القلة التي اختارت التعبير عن رأيها بصراحة: «فكروا قليلا من كان سيحضر لحفل الشامي، نساء، ونحن لا نقبل أن تحضر بناتنا حفلات»، «لمن سيغني الشامي للنساء، من سيقبل أن تخرج ابنته للسهر، نحن بلد محافظ»، «نوردو للرجال عادي، الشامي للنساء ممنوع»! (في النهاية هو موسم الشباب دون الشابات حصرا، مؤكد!).
فتنة العنف ضد المغربيات
تعيش فرنسا من بين ما تعيش على وقع سلسلة فضائح ضمن صناعة الترفيه وآخرها تلك التي فجرتها إحدى أشهر وجوه التلفزيون الفرنسي خلال العقود الثلاثة الماضية، مقدمة برامج وعارضة تدعى «فلافي فلامان» تجاه مغن شعبي، اتهمه فيها باغتصابها حين كانت بعمر السادسة عشر، وكانت قد فجرت من سنوات فضيحة مشابهة بتعرضها للاعتداء الجنسي من طرف المصور البريطاني الشهير «دافيد هاميلتون» بسن الثالثة عشر، في كتاب سيرة عنونته حينها بـ»مواساة».
إذا لم يكتب للأخير أن يستدعى أمام المحاكم، لانتحاره عقب صدور الكتاب الذي ذكر فيه صراحة فالقضية التي رفعتها أمام المحاكم اتجاه المغني «باتريك برويال» تواجه الكثير من اللغط.
من جهة تنادي الكثير من الأصوات بمقاطعة حفلات الرجل الذي لم يُدن بعد، نظرا لطول الإجراءات التي تعرفها مثل هذه القضايا، ومن جهة أخرى يطالب محبوه بمواصلة دعمه، منكرين كل الاتهامات (التي تضاعفت بفعل خروج الكثير من النسوة باتهامات مماثلة)، وفي أحسن الأحوال ينتظرون إدانة رسمية حتى يفعلوا. بين «فلامان» و»برويال» تلتهب أتون حرب «تأثير» واسعة، بين مشهورين، رجل وامرأة، يعيش فيه مد «مي تو: أنا أيضا» تحولات عميقة بعد أزيد من عقد من انطلاق شرارته، خصوصا في مجال صناعة الترفيه، وفي ظل بروز تيارات رقمية مناوئة ذكورية جديدة.
في المنطقة العربية عرفت السنوات الأخيرة تحرر الكثير من الألسنة النسائية حول قضايا التحرش والاغتصاب، وعلى الرغم من ضعف الخطاب النسوي العربي حضورا وطرحا، إلا أن ارتدادات «مي تو» قد لقيت طريقها إلى الجماهير الواسعة وإن لم تغادر بعض الفضاءات «المحمية».
اهتزت السوشيل ميديا في المملكة المغربية خلال الأيام الأخيرة على وقع شهادة ممثلة كوميدية معروفة تدعى «لبنى الجوهري»، وسرعان ما تحول اسمها إلى تريند.
الشابة ظهرت في مقطع مصور تتحدث إلى جمهورها حول سر يكون قد أثقل قلبها لسنوات طويلة حول تعرضها للاغتصاب في فترة مراهقتها، بالإضافة إلى الكثير من القصص الجانبية.
ما كادت الفتاة تنهي كلامها حتى تحولت شهادتها إلى مادة للتحليل والنقاش «العارم»، ولا تزال.
كالعادة انقسم المتفاعلون بين داعم للفتاة وجد في كلامها شجاعة منقطعة، وفعلا سيساعد الكثير من السيدات على التحرر من ثقل ذنب لم تقترفنه، وبالفعل شهدت الساعات التالية خروج شهادات لسيدات من فئات عمرية متنوعة تدلين بشهاداتهن حول تجارب مشابهة، وتأثيرها في حياتهن.
في المقابل تفاعل سلبي كبير لحق الفتاة خصوصا من نسوة ومشهورات مغربيات، وجدت بعضهن في شهادة «الجوهري» إساءة للنساء المغربيات، ووصما سيطال نساء البلاد كلها. بعضهن رأين فيما أتته تلطيخ لسمعة البلد ورجالها، خصوصا صورته كوجهة سياحية مهمة. كثيرات اتهمن الجوهري بركوب الموجة وخلق «التريند»، ولو على حساب فضيحة الفضائح.
أما التعليقات من العوام فتراوحت بين يتهمها بالكذب والاختلاق، نسج قصص خيالية، و «مكانة الستر من الإعراب في حياتها» (هي التي سبق وصرحت أنها فتاة متبناة). كثر تمنوا للشابة شفاء، مع ضرورة الحديث إلى مختص نفساني، في حين عبر كثير من الأولياء عن خوفهم على أولادهم حين يستمعون إلى مثل هذه القصص.
إن مقارنة ما تعرفه شخصية عامة كـ«لبنى الجوهري» من محاكمة شعبية رقمية أخلاقية بما تعيشه شخصية فرنسية مشهورة (ولو أن وجه المقارنة ضعيف لعدة أسباب منها طبيعة شهرة الأولى وامتدادها، بالإضافة إلى معرفة الجلاد في قصة وغيابه في الأخرى) يضعنا أمام واقع مكانة وتأثيرات الحدود الزائلة التي يفرضها عالم الشبكات، وقدرة الجماهير على التفاعل معها، في ظل تآكل المؤسسات التقليدية التي تضمن نوعية النقاش، وتخرجه من فقاعة «التريند» إلى النقاش المجتمعي الحقيقي الذي يكفل مصالح جميع الأطراف، كما تقدم قراءة واقعية لطريقة تفكير الشعوب، خصوصا في ما تعلق بالنساء، بل يسائل وزن الوسائط الرقمية وتأثيرها أمام مؤسسات رسمية ومجتمعية فاعلة.

