لم تعُد الشاشات تكتفي بأن تعرض علينا العالم، إنها تُعيد ترتيبه كي يصبح صالحاً للعرض على الآخرين. السفر، الحب، الأسرة، تناول الطعام، الحزن، الطلاق، وحتى المخاطرة بالموت، كلها باتت قابلة لأن تُختصر في صورة منتقاة، ومشاهد فيديو قصيرة، وقصص مصممة بعناية لجمهور لا نعرف عنه شيئاً، لكنه حاضر دائماً على مدار الساعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وهنا ربما يكمن التحول الأعمق، الذي أحدثته تلك المنصات في حياتنا خلال القرن الحادي والعشرين: فنحن لم نعد نعيش التجربة ثم نحكيها، بل أخذنا، شيئاً فشيئاً، نعيشها ونحن نفكر في الطريقة التي ستظهر بها على الشاشة.
تلتقط الباحثة والكاتبة الاجتماعية كاثرين جيزير- مورتون جانباً مهماً من هذا التحول في كتابها الصادر للتوّ «قصة حياتك»، حين تتتبع انتقال مفهوم العلامة التجارية الشخصية من لغة تسويقيّة كانت مرتبطة في أواخر القرن الماضي بعالم الأعمال والمجلات المتخصصة، إلى ممارسة يومية تكاد تشمل الجميع. أصبح الفرد مديراً دائماً لصورته: ينتقي من حياته ما يصلح للعرض، ويرتب التجربة في سرديّة قابلة للمشاركة، ثم ينتظر من الآخرين الإعجاب والتعليق والتأكيد.
لا تتعامل جيزير- مورتون مع الظاهرة بنبرة الوعظ أو الذعر الأخلاقي، بل تضعها ضمن تاريخ أطول من رغبة البشر في تسجيل حياتهم وعرضها، من بطاقات البريد وألبومات الصور إلى الطقوس الاجتماعية الموروثة. الجديد ليس رغبتنا في أن يرانا الآخرون، وإنما دخول الخوارزمية بيننا وبينهم، وتحولها إلى طرف خفي يقرر أي المشاعر أكثر قابلية للانتشار، وأي الصور تستحق البقاء، وأي القصص تحقق التفاعل وتحصد الإعجابات.
في هكذا بيئة تتراجع مساحة إنسانية شديدة الأهمية: الالتباس العاطفي. فالحياة الحقيقية تسمح بأن نحب ونغضب في الوقت نفسه، وأن نسافر ونشعر بالوحدة، وأن ننجح ونشك في نجاحنا. أما الشاشة فتفضل المشاعر الواضحة والحادة والقابلة للاستهلاك السريع حيث فرح مطلق، وغضب كامل، جمال تام، وكوارث كبرى. وهكذا تتحول الرحلات والتفاصيل الأسرية والمنازل والأطفال وحتى الأزمات الشخصية إلى استثمارات بصرية موجهة نحو أعين المتابعين.
تذكرة لحفل طلاق: سيريالية الابتذال
يبلغ ابتذال المعنى عبر وسائل التواصل درجة سيريالية حين لا يعود المعروض على الجمهور هو النجاح أو استعراض طبقات الفرح المتعدد أو السفر أو الإنجاز، بل تنظيم احتفال تجاري بانهيار العلاقة الحميمية حباً أو زواجاً.
لا بد أن البعض سمع بحكاية صانعة المحتوى «شروق» التي تنظم إقامة حفل علني بمناسبة طلاقها من زوجها صانع المحتوى الملقب بدكتور فود، ببطاقات دخول مدفوعة، كنموذج جليّ الدلالة على ما يمكن أن تفعله ثقافة الاستعراض بالحياة الخاصة. فالطلاق، بما يحمله عادة من ألم وارتباك وانكسار وإعادة ترتيب للحياة، يتحول عبر المنصات إلى مناسبة عامة تباع لها تذاكر للجمهور وتنفذ من أجلها حملات تسويق، ويروج لها بإعلانات مصورة.
المثير في الواقعة ليس غرابتها وحدها، بل اكتمال منطق المنصة فيها. فالعلاقة التي كانت مادة للمحتوى أثناء قيامها يمكن أن تصبح مادة للمحتوى عند انهيارها أيضاً. الحب موضوع للعرض، وكذلك الزواج، والفضائح، والخلافات، ثم يأتي الطلاق ليصبح بدوره حدثاً قابلاً للبيع، لتتآكل المسافة بين العيش والاستعراض، وتغدو أكثر لحظات الإنسان خصوصية جزءاً من اقتصاد ابتذال المعنى.
غزوة سبتة: فتش عن وسائل التواصل
إن ما يبدأ باستعراض الذات قد لا يبقى محصوراً فيها. فحين تصبح الصورة أكثر إقناعاً من الواقع، يمكن للوهم الرقمي أن يغادر الشاشة الذكية إلى الشارع، ومنه إلى الحدود، بل إلى البحر.
هذا ما كشفته بصورة مأساوية الأحداث على الشواطئ الممتدة بين المغرب وإسبانيا في منطقة سبتة. فقد أسهم تداول كثيف لمقاطع على «تيك توك» و»إنستغرام» تُظهر شابات مغربيات يتجولن بحريّة عقب عبورهن البحر سباحة، بالتوازي مع تأويلات مضللة لقرارات قضائية إسبانية بشأن اللاجئين، في خلق وهم لدى أعداد كبيرة من الشباب المغربي المهمش بأن اختراق حدود الإقليم الخاضع للسلطة الإسبانية قد أصبح أكثر سهولة، وأن من يصل لن تجري إعادته.
كانت الصورة أسرع من التصحيح، فحققت المقاطع المثيرة انتشاراً واسعاً، بينما بقيت التكذيبات والمعلومات الرسمية عاجزة عن اللحاق بها. ومع إعادة النشر والتضخيم الخوارزمي ودخول شبكات استغلت الرغبة في الهجرة لتشجيع عمليات العبور، لم تعد اللقطات بالنسبة إلى بعض المتلقين مجرد محتوى على الهاتف، وإنما دليلٌ على واقع متخيل.
وهكذا اندفع آلاف الشباب باتجاه الحدود البحرية، لينتهى حلم الهجرة الذي بدأ بمقاطع قصيرة على الهاتف بمشاهد غرق وفقد وموت.
تكشف مأساة غزوة سبتة عن وجه مختلف تماماً لاقتصاد وسائل التواصل: فالمنصات لا تحتاج إلى أن تكون المعلومة صحيحة كي تكافئها، إذ يكفي دائماً أن تكون قادرة على استقطاب المتابعين عبر الشاشات. أما الثمن الذي يدفع خارجها فلا يدخل بالضرورة في حسابات الخوارزمية.
حدود المسؤولية
أمام هذي التداعيات الميدانية والآثار النفسية المتفاقمة، تقف المؤسسات الرسمية والحكومية في حالة من الارتباك التشريعي والتطبيقي، وقد اتجهت عواصم متعددة نحو تبني سياسات تقييد استخدام المنصات الرقمية لمن هم دون السادسة عشرة، كما في التجربة الأسترالية وتوجهات مماثلة في بريطانيا وماليزيا والبرازيل ودول أخرى. إلا أن هذه المبادرات تصطدم بصعوبات التطبيق، وبقدرة الجيل الرقمي الالتفاف على قيود السن، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالخصوصية والوثائق المطلوبة لإثبات الهوية.
لكن المشكلة الأعمق أن كثيراً من هذه الإجراءات يُلاحق المستخدم أكثر مما يواجه المنصة. فهي تسأل كيف نمنع الصغار من الدخول، بينما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بطريقة تصميم هذه المنصات نفسها، وبالخوارزميات التي تكافئ الإثارة والمحتوى الأكثر قدرة على استدعاء الانتباه، بصرف النظر عن دقته أو أثره.
لذلك تبدو الحاجة اليوم أبعد من مجرد قيود عمرية، وقد تتمثل في تحميل الشركات مسؤولية أكبر عن تصميم منتجاتها، وعن أنظمة التوصية والتصفح اللانهائي وآليات تضخيم المحتوى المضلل، مع تطوير أدوات أسرع للتحقق والتصحيح حين يتحول التضليل الرقمي إلى خطر فعلي على الأرض.
ما يجمع حفل طلاق مدفوع الأجر بشبان يطاردون وهماً على شاطئ سبتة ليس تشابه الحدثين، فالفارق الإنساني بينهما هائل، لكنها البيئة التي جعلت الصورة قادرة في الحالة الأولى على تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة، وفي الثانية على تحويل الشائعة إلى سلوك متهور. فلم تعد آثار المنصات محصورة بما يحدث داخل الهواتف، بل هي قادرة على أن تزلزل العلاقات الإنسانية، وتصنع الأسواق، وتؤثر في القرارات، وتدفع إلى المخاطرة بالحياة والموت.
ولذلك فإن التعامل معها بوصفها مجرد وسائل ترفيه أو تواصل لم يعد كافياً. إنها صناعة ضخمة تصمم ما نراه وكيف نراه وما يصل إلينا أولاً، ومن الطبيعي أن تخضع لمسؤولية تتناسب مع حجم تأثيرها.
وهنا ربما يكمن التحول الأعمق، الذي أحدثته تلك المنصات في حياتنا خلال القرن الحادي والعشرين: فنحن لم نعد نعيش التجربة ثم نحكيها، بل أخذنا، شيئاً فشيئاً، نعيشها ونحن نفكر في الطريقة التي ستظهر بها على الشاشة.
تلتقط الباحثة والكاتبة الاجتماعية كاثرين جيزير- مورتون جانباً مهماً من هذا التحول في كتابها الصادر للتوّ «قصة حياتك»، حين تتتبع انتقال مفهوم العلامة التجارية الشخصية من لغة تسويقيّة كانت مرتبطة في أواخر القرن الماضي بعالم الأعمال والمجلات المتخصصة، إلى ممارسة يومية تكاد تشمل الجميع. أصبح الفرد مديراً دائماً لصورته: ينتقي من حياته ما يصلح للعرض، ويرتب التجربة في سرديّة قابلة للمشاركة، ثم ينتظر من الآخرين الإعجاب والتعليق والتأكيد.
لا تتعامل جيزير- مورتون مع الظاهرة بنبرة الوعظ أو الذعر الأخلاقي، بل تضعها ضمن تاريخ أطول من رغبة البشر في تسجيل حياتهم وعرضها، من بطاقات البريد وألبومات الصور إلى الطقوس الاجتماعية الموروثة. الجديد ليس رغبتنا في أن يرانا الآخرون، وإنما دخول الخوارزمية بيننا وبينهم، وتحولها إلى طرف خفي يقرر أي المشاعر أكثر قابلية للانتشار، وأي الصور تستحق البقاء، وأي القصص تحقق التفاعل وتحصد الإعجابات.
في هكذا بيئة تتراجع مساحة إنسانية شديدة الأهمية: الالتباس العاطفي. فالحياة الحقيقية تسمح بأن نحب ونغضب في الوقت نفسه، وأن نسافر ونشعر بالوحدة، وأن ننجح ونشك في نجاحنا. أما الشاشة فتفضل المشاعر الواضحة والحادة والقابلة للاستهلاك السريع حيث فرح مطلق، وغضب كامل، جمال تام، وكوارث كبرى. وهكذا تتحول الرحلات والتفاصيل الأسرية والمنازل والأطفال وحتى الأزمات الشخصية إلى استثمارات بصرية موجهة نحو أعين المتابعين.
تذكرة لحفل طلاق: سيريالية الابتذال
يبلغ ابتذال المعنى عبر وسائل التواصل درجة سيريالية حين لا يعود المعروض على الجمهور هو النجاح أو استعراض طبقات الفرح المتعدد أو السفر أو الإنجاز، بل تنظيم احتفال تجاري بانهيار العلاقة الحميمية حباً أو زواجاً.
لا بد أن البعض سمع بحكاية صانعة المحتوى «شروق» التي تنظم إقامة حفل علني بمناسبة طلاقها من زوجها صانع المحتوى الملقب بدكتور فود، ببطاقات دخول مدفوعة، كنموذج جليّ الدلالة على ما يمكن أن تفعله ثقافة الاستعراض بالحياة الخاصة. فالطلاق، بما يحمله عادة من ألم وارتباك وانكسار وإعادة ترتيب للحياة، يتحول عبر المنصات إلى مناسبة عامة تباع لها تذاكر للجمهور وتنفذ من أجلها حملات تسويق، ويروج لها بإعلانات مصورة.
المثير في الواقعة ليس غرابتها وحدها، بل اكتمال منطق المنصة فيها. فالعلاقة التي كانت مادة للمحتوى أثناء قيامها يمكن أن تصبح مادة للمحتوى عند انهيارها أيضاً. الحب موضوع للعرض، وكذلك الزواج، والفضائح، والخلافات، ثم يأتي الطلاق ليصبح بدوره حدثاً قابلاً للبيع، لتتآكل المسافة بين العيش والاستعراض، وتغدو أكثر لحظات الإنسان خصوصية جزءاً من اقتصاد ابتذال المعنى.
غزوة سبتة: فتش عن وسائل التواصل
إن ما يبدأ باستعراض الذات قد لا يبقى محصوراً فيها. فحين تصبح الصورة أكثر إقناعاً من الواقع، يمكن للوهم الرقمي أن يغادر الشاشة الذكية إلى الشارع، ومنه إلى الحدود، بل إلى البحر.
هذا ما كشفته بصورة مأساوية الأحداث على الشواطئ الممتدة بين المغرب وإسبانيا في منطقة سبتة. فقد أسهم تداول كثيف لمقاطع على «تيك توك» و»إنستغرام» تُظهر شابات مغربيات يتجولن بحريّة عقب عبورهن البحر سباحة، بالتوازي مع تأويلات مضللة لقرارات قضائية إسبانية بشأن اللاجئين، في خلق وهم لدى أعداد كبيرة من الشباب المغربي المهمش بأن اختراق حدود الإقليم الخاضع للسلطة الإسبانية قد أصبح أكثر سهولة، وأن من يصل لن تجري إعادته.
كانت الصورة أسرع من التصحيح، فحققت المقاطع المثيرة انتشاراً واسعاً، بينما بقيت التكذيبات والمعلومات الرسمية عاجزة عن اللحاق بها. ومع إعادة النشر والتضخيم الخوارزمي ودخول شبكات استغلت الرغبة في الهجرة لتشجيع عمليات العبور، لم تعد اللقطات بالنسبة إلى بعض المتلقين مجرد محتوى على الهاتف، وإنما دليلٌ على واقع متخيل.
وهكذا اندفع آلاف الشباب باتجاه الحدود البحرية، لينتهى حلم الهجرة الذي بدأ بمقاطع قصيرة على الهاتف بمشاهد غرق وفقد وموت.
تكشف مأساة غزوة سبتة عن وجه مختلف تماماً لاقتصاد وسائل التواصل: فالمنصات لا تحتاج إلى أن تكون المعلومة صحيحة كي تكافئها، إذ يكفي دائماً أن تكون قادرة على استقطاب المتابعين عبر الشاشات. أما الثمن الذي يدفع خارجها فلا يدخل بالضرورة في حسابات الخوارزمية.
حدود المسؤولية
أمام هذي التداعيات الميدانية والآثار النفسية المتفاقمة، تقف المؤسسات الرسمية والحكومية في حالة من الارتباك التشريعي والتطبيقي، وقد اتجهت عواصم متعددة نحو تبني سياسات تقييد استخدام المنصات الرقمية لمن هم دون السادسة عشرة، كما في التجربة الأسترالية وتوجهات مماثلة في بريطانيا وماليزيا والبرازيل ودول أخرى. إلا أن هذه المبادرات تصطدم بصعوبات التطبيق، وبقدرة الجيل الرقمي الالتفاف على قيود السن، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالخصوصية والوثائق المطلوبة لإثبات الهوية.
لكن المشكلة الأعمق أن كثيراً من هذه الإجراءات يُلاحق المستخدم أكثر مما يواجه المنصة. فهي تسأل كيف نمنع الصغار من الدخول، بينما يبقى السؤال الأهم متعلقاً بطريقة تصميم هذه المنصات نفسها، وبالخوارزميات التي تكافئ الإثارة والمحتوى الأكثر قدرة على استدعاء الانتباه، بصرف النظر عن دقته أو أثره.
لذلك تبدو الحاجة اليوم أبعد من مجرد قيود عمرية، وقد تتمثل في تحميل الشركات مسؤولية أكبر عن تصميم منتجاتها، وعن أنظمة التوصية والتصفح اللانهائي وآليات تضخيم المحتوى المضلل، مع تطوير أدوات أسرع للتحقق والتصحيح حين يتحول التضليل الرقمي إلى خطر فعلي على الأرض.
ما يجمع حفل طلاق مدفوع الأجر بشبان يطاردون وهماً على شاطئ سبتة ليس تشابه الحدثين، فالفارق الإنساني بينهما هائل، لكنها البيئة التي جعلت الصورة قادرة في الحالة الأولى على تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة، وفي الثانية على تحويل الشائعة إلى سلوك متهور. فلم تعد آثار المنصات محصورة بما يحدث داخل الهواتف، بل هي قادرة على أن تزلزل العلاقات الإنسانية، وتصنع الأسواق، وتؤثر في القرارات، وتدفع إلى المخاطرة بالحياة والموت.
ولذلك فإن التعامل معها بوصفها مجرد وسائل ترفيه أو تواصل لم يعد كافياً. إنها صناعة ضخمة تصمم ما نراه وكيف نراه وما يصل إلينا أولاً، ومن الطبيعي أن تخضع لمسؤولية تتناسب مع حجم تأثيرها.










