أحدث الأخبار
الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2026
فلسطين ومفارقة الحب والكراهية!!
بقلم : إبراهيم نصر الله ... 30.07.2026


في العام 1980، كان أول حوار صحفي معي. يومها قال ابن السادسة والعشرين من عمره: «نحن نقف مع فلسطين، لا لأننا فلسطينيون أو عرب، بل لأن فلسطين امتحان يومي لضمير العالم». وفي العام 2002، صدرت روايتي «زيتون الشوارع»، وجاء على لسان الشخصية الرئيسية فيها: «لقد أُعطيت الإنسانيةُ مدةً كافية لتثبت أن لها ضميرًا في المسألة الفلسطينية، لكنها للأسف أثبتت، حتى اليوم، أنها بلا ضمير».
هل نرى اليوم بدايات بزوغ فجر الضمير، أم أن هذا الضمير لن يبلغ ضحاه ولا ظهيرته، أم سيقفز من مرحلة فجره إلى مرحلة غروبه؟
في الحكاية الفلسطينية، هناك ما أثبت كل يوم منذ أكثر من مائة عام، أن هذه القضية اختبار لمعنى الإنسان نفسه، فهي قضية استطاعت أن تعيش متجاوزة جدران التاريخ التي عملت المستحيل لتحجبها، ومتجاوزة جدران الجغرافيا أيضًا، بمساحتها الصغيرة. لذا، نرى اليوم حولها الجدران العنصرية والسياسية التي يُسهم كل نظام في هذا العالم ببناء الجدار الذي يستطيع بناءه حولها.
لم تعد فلسطين، الحبّ وتاريخه، زمانًا ومكانًا محددين فحسب، بل أصبحت أيضًا اختبار الأفكار والقيم التي تفاخرت الإنسانية بامتلاكها منذ أن تفتّحت عيناها على فكرة الأمان، والتكافل، والألفة والمحبة، والرحمة والعدل، والجمال والبناء، وصولًا لفكرة الحرية.
على المستوى الشخصي، وإضاءة لما سبق، أصدرت ستًّا وعشرين رواية وأربعة عشر ديوانًا شعريًّا، تعدّدت مواضيعها، وامتدت من بداية وجود البشر على هذه الأرض، آدم وحواء، في «كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر»، وصولًا إلى «حرب الكلب الثانية» في المستقبل القريب، والرواية التي ستصدر في الشهر المقبل، وتدور أحداثها في المستقبل البعيد، «نصف الطريق إلى الجنّة»، مرورًا بأعمالي الشعرية أيضًا. وفي كل مرة أحسست أن فلسطين موجودة في كلّ ما كتبت. وإذا أردت أن أورِدَ مثالًا آخر، فهو ديوان «مرايا الملائكة»، 2001، السيرة المتخيلة للطفلة إيمان حجو، ابنة الأشهر الأربعة، التي استشهدت بقذيفة دبابة صهيونية في غزة. قلت يومها: في هذا الجسد الصغير، كلّ ما شغَل الفكر الإنساني من قضايا كبيرة اعتصرت روح البشر وعلّقتهم في مهبّ أسئلة لا تنتهي: سؤال الموت، سؤال الحياة، سؤال الحرية، سؤال العدالة، سؤال المصير، سؤال الطريق، سؤال الغامض، سؤال الحبّ، سؤال البراءة، سؤال القسوة.. وسؤال الجمال.
فما الذي يمكن أن نقوله اليوم عن الحبّ في عصر الكراهية، حين بات القتلة يتسابقون لكسر الأرقام التي حققها كلّ قاتل قبلهم، وهم يتفاخرون حقًا بكل رقم جديد لعدد الضحايا يتجاوزونه، ثم وهم يفتخرون بوجود أسمائهم في قوائم الطغاة الأكثر فتكًا في التاريخ؟
كل هذا يتجمّع في فلسطين، ويتكثف في غزة، إبادةً، لكي تبلغ الكراهية أوجَهَا. كراهية لا تضمر في داخلها فكرة القتل وحدها، بل فكرة المحو التي تشكل هراوة الكراهية الأكبر منذ بدايات تفتح المشروع الصهيوني، ولم تتوقف يومًا واحدًا، ويفسِّر ذلك كيف شكّل القائمون على المشروع الصهيوني لجنة التّسميات عام 1920، لاستئصال الأسماء الفلسطينية للمدن والقرى والجبال والأنهار والوديان، ووضع أسماء عبْرية بديلة عنها.
عام 1984 أتيحت لي زيارة فلسطين للمرّة الأولى، وعندما طلبتُ من الأصدقاء زيارة قريتي التي تبعد 28 كيلومترًا عن مدينة القدس، قالوا لي إن ذلك مستحيل، فالقرية منطقة عسكرية أقيمت فوق أراضيها مصانع أسلحة. لم يكن ذاك حال قريتي وحدها، بل حال أكثر من أربعمائة وخمسين قرية فلسطينية تمّ محوها.
إن الكراهية التي تشكل رؤية للعالم، تأخذ أسماءً متعددة كثيرة، من أبرزها السّطو أيضًا، وشيطنة الكائنات، ونزع الصفة الإنسانية عن الكائن البشري، وتحويله إلى ما هو أقل من رقم، وعدم الاكتفاء بقتل الإنسان، بل تحويله إلى بُخار، كما فعل الصهاينة في هذه الإبادة المتواصلة، حين استخدموا قنابل تمحو الإنسان حقًا من الوجود، بحيث تبخرت أجساد أكثر من ألفين وثمانمائة إنسان في غزة عند استخدام هذه القنابل، فلم يبقَ منهم أي أثر.
لقد ترسخت الحرية حبًّا جارفًا، في التاريخ البشري كقيمة كبرى، أحد أهدافها الدفاع عن حقّ الإنسان في البقاء، لكن ما شهده الإنسان طوال التاريخ من استباحة لها دفعه إلى أن يضحّي ببقائه من أجل أن تعيش هذه الحرية، من أجل أن يعيش الحب.
وهذا ما يفعله الفلسطيني؛ لا أحد يحبُّ الحياة أكثر من إنسان يحبُّ الحرية، ولا يتعب من الدفاع عنها، حتى من دون أن يكلِّف العالم نفسه أن يسأل: لماذا يحتمل الفلسطيني كل هذه الحروب التي تُشنُّ عليه، كل هذا الموت اليومي، كل هذه الحواجز وجدران الفصل العنصري، وكل هذه السجون، وكل هذه الوحشية في تدمير بيوته وقتل أطفاله وقطع الملايين من أشجاره؟
لم يُجرِّح الفلسطيني حريّته طوال تاريخه براية بيضاء، فلا شيء يُقفل طريقه نحو هذه الحرية مثل راية بيضاء، لأنه يدرك أن الحرية هي الجوهر الحقيقي للتجربة الإنسانية، ضد السيطرة وضد الطغيان وضد قوى الدمار، ولكي تكون ممكنةً كلّ حقوقه في حياته ووطنه وعقله وجسده وكرامته وذاته وموته كما يريد أن يموت، أيضاً.
**على أرض فلسطين تتجلّى الكراهية الصهيونية إبادةً ومحوًا، متجاوزة فكرة القتل الجماعيّ، وهي تسعى لمحو ذاكرته واسمه وقصته وغده.
لا تبدأ الإبادة بالقنابل والطائرات، بل بكراهية تجعل الوجود البشري موضع سؤال، وهي تؤكد حقها في الحياة مقابل ضرورة فناء الآخرين، وهي تنصّب نفسها فوق كل قانون. إنها، باختصار، عدم احتمال وجود بشري آخر غير وجودها، لأن العنصري هو ذلك الشخص الذي لا آخر له.كل كراهية تضمر في داخلها شيئًا من العنصرية، وكل نضال ضدها يُضمِر في داخله شيئًا من معنى الحبّ، والحرية في جوهرها شكلٌ من أشكال الحبّ، والدفاع عن فلسطين هو واحد من أنقى أشكال السمو في الحبّ، لأن ما يحدث على أرضها ليس صراعًا فحسب، بل مواجهة قاطعة بين تصوُّرَيْن للإنسان. كما أن الحرية ليست مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل هي سؤال إنساني شامل ضد معنى الكراهية.وبعد:
في الزمن الإنساني، يكون الحبّ والكراهية نقيضين واضحين؛ الحب ألفة واقتراب، والكراهية بغض وابتعاد؛ الحب يبني والكراهية تدمر؛ الحب إقرار بوجود الآخر والكراهية نفي لهذا الوجود. لكن حين يعمّ الظلام يصبح الأمر أعقد، فكل شيء واضح في زمن الإبادة الجماعية، حيث لا يعود الحب مجرد عاطفة شخصية، ولا تبقى الكراهية مجرد انفعال أخلاقي أو نفسي؛ بل يغدو كلٌّ منهما قوة تاريخية تتصارع على معنى الوجود نفسه، فكل انتقاص من حرية وطن/إنسان هو انتقاص من المعنى الذي يجعل الحرية قيمة كونية، فالحرية ليست نقيض الإبادة فحسب، بل نقيض العدم ذاته.
من محاضرة للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله في الدّورة العشرين من «مهرجان ثويزا»، مدينة طنجة، 23 إلى 26 من هذا الشهر، شارك فيه مفكرون وكتّاب من المغرب وخارجها.

1