
الضفة : لم يكن القطاع الرياضي الفلسطيني يوما خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي، غير أن ما شهده خلال الحرب الأخيرة تجاوز حدود التقييد التقليدي ليصل إلى مستوى التدمير الشامل للبنية الرياضية واستنزاف مواردها البشرية، في سياق أوسع يعكس محاولة منهجية لتقويض أحد أبرز تجليات الهوية الوطنية الفلسطينية.
فمع تصاعد وتيرة حرب الإبادة الإسرائيلية، لم تعد الرياضة مجرد نشاط مجتمعي أو تنافسي، بل تحولت إلى ساحة مواجهة إضافية يستهدف فيها الوجود الفلسطيني بكل رمزيته، بما يحمله من دلالات سياسية ووطنية.
الرياضة رافعة للهوية الوطنية
على مدار السنوات الأخيرة، برزت الرياضة الفلسطينية كرافعة حقيقية للهوية الوطنية، بعدما استطاعت أن تشكل مساحة جامعة للفلسطينيين في ظل الانقسام السياسي والجغرافي. وقد ترافق هذا الدور مع تطور ملحوظ في الأداء الفني والتنظيمي، انعكس في حضور متنام للمنتخبات الفلسطينية في المحافل الإقليمية والدولية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ صورة فلسطين ككيان قائم في الوعي العالمي.
حراك فلسطيني في المحافل الرياضية الدولية في وجه العدوان
غير أن هذا الحضور لم يكن بمعزل عن الضغوط، إذ سبقت الحرب سياسات إسرائيلية ممنهجة هدفت إلى تقييد الحركة الرياضية الفلسطينية، من خلال فرض قيود صارمة على تنقل اللاعبين والفرق، وعرقلة مشاركتهم في البطولات الخارجية، فضلا عن التضييق على استضافة الفعاليات داخل الأراضي الفلسطينية. كما سعت هذه السياسات إلى تصوير الرياضة الفلسطينية باعتبارها امتدادا للعمل السياسي، في محاولة لعزلها دوليا وإضعاف تأثيرها المتنامي.
تدمير واسع للبنية التحتية الرياضية
ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة، دخل الاستهداف مرحلة أكثر قسوة، حيث طال بشكل مباشر البنية التحتية الرياضية، خصوصا في قطاع غزة، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي لحق بهذا القطاع الحيوي. فقد أظهرت البيانات أن غالبية المنشآت الرياضية دمرت بشكل كامل أو تعرضت لأضرار جسيمة.
خسائر المنشآت الرياضية
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى حجم الخسائر المادية في المنشآت الرياضية على النحو الآتي:
في ما يتعلق بالملاعب والاستادات الكبيرة، فإنه من أصل 23 ملعبا، دمر 19 بالكامل، ودمرت 4 جزئيا. أما الصالات الرياضية المغطاة، فمن أصل 35 صالة، دمرت 28 بالكامل، و7 جزئيا. وفي ما يخص المقرات الإدارية للأندية، فمن أصل 58 مقرا، دمر 45 بالكامل، و13 جزئيا.
خسائر غير مسبوقة تعرض لها قطاع الرياضة والرياضيون الفلسطينيون
أما ملاعب «فيفا»، فقد دمرت جميعها، وعددها 12 ملعبا كانت ممولة من «فيفا». وفي ما يتعلق بالمسابح، فمن أصل 3 مسابح، دمرت جميعها كليا. كما دمر 14 ملعبا من أصل 15 ملعبا لكرة السلة والطائرة والتنس بشكل كامل، فيما دمر ملعب واحد جزئيا.
وفي ما يخص مضمار ألعاب القوى «التراك»، وهو الوحيد في غزة في ملعب اليرموك، فقد تعرض للدمار الكلي. أما صالات الجيم وكمال الأجسام، فقد تم تدمير جميع الصالات البالغ عددها 49 تدميرا جزئيا، مع وجود صالات أخرى لم يتم إحصاؤها بسبب مناطق القتال. وفي قطاع الفروسية، تعرضت 9 أندية وإسطبلات، على مساحة إجمالية تبلغ 75 دونما، للدمار الكلي.
وبالنسبة إلى شبكات وآبار المياه، فقد تم تدميرها بالكامل في منشأة واحدة. أما الملاعب الخماسية التابعة للأندية، فمن أصل 17 ملعبا، دمر 12 كليا و5 جزئيا، في حين دمرت جميع الملاعب الخاصة، وعددها 23 ملعبا، بشكل كلي. وفي قطاع التعليم الرياضي، فمن أصل 19 مؤسسة، دمرت 17 بالكامل، و2 جزئيا.
خسائر بشرية غير مسبوقة
وبالتوازي مع هذا التدمير الواسع، تكبدت الأسرة الرياضية الفلسطينية خسائر بشرية غير مسبوقة، حيث سقط أكثر من ألف شهيد من مختلف مكونات الحركة الرياضية، بينهم لاعبون ومدربون وإداريون وحكام.
وتظهر بيانات اللجنة الأولمبية الفلسطينية هذه الخسائر على النحو الآتي:
في مقدمة الجهات الأكثر تضررا جاء «الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم» بعدد 565 شهيدا، تليه جمعية الكشافة والمرشدات بعدد 125 شهيدا.
أما في الاتحادات الأخرى، فقد بلغ عدد الشهداء في الكاراتيه 32، وفي كرة الطائرة 37، وفي الفروسية 20، وفي قدامى الرياضيين 36، وفي كرة السلة 20، وفي الووشو كونغ فو 13، وفي المواي تاي 1، وفي التايكواندو 11، وفي كمال الأجسام 12، وفي الإعلام الرياضي 12، وفي الجمباز 8، وفي كرة اليد 13، وفي الجودو 9، وفي ألعاب القوى 9، وفي الشطرنج 5، وفي الملاكمة 7، وفي القوة البدنية 7، وفي كرة الطاولة 8، وفي الحمام الزاجل 9، وفي البيسبول 7، وفي رفع الأثقال 4، وفي الكرة المصغرة 5، وفي الجوجيتسو 2، وفي الننشاكو 2، وفي الكيك بوكسينغ 1، وفي الترايثلون والدراجات 2، وفي الرياضة للجميع 1، وفي المصارعة 2، وفي الثقافة الرياضية 1، وفي الطب الرياضي 1، وفي البلياردو والسنوكر 1.
هذا الاستنزاف الحاد في الموارد البشرية لم يضرب فقط بنية القطاع، بل مس عمقه الاجتماعي والإنساني، باعتبار أن الرياضة كانت تمثل أحد أهم مسارات بناء الأجيال وتعزيز الانتماء الوطني.
الضفة الغربية
وفي الضفة الغربية، ورغم اختلاف السياق الميداني، لم يكن الواقع أقل صعوبة، إذ أدت القيود المفروضة على الحركة والتنقل إلى شلل شبه كامل في النشاط الرياضي، مع تعذر إقامة البطولات المحلية أو انتظام التدريبات، ما عمق من حالة العزلة التي يعيشها القطاع.
سارة محمد الشخشير، لاعبة منتخب فلسطين لكرة القدم من نابلس، تبلغ من العمر 22 عاما، بدأت مسيرتها الرياضية منذ سن الخامسة، باللعب في الشوارع مع شقيقها وأصدقائه، قبل أن تنضم إلى نادي الاتحاد عام 2012، لتصل إلى المنتخب الفلسطيني عام 2015. وتصف سارة في حديث لـ»القدس العربي» الرياضة أنها أكثر من مجرد تدريب أو مباريات، فهي جزء من هويتها ومن صمودها، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها الرياضيون الفلسطينيون يوميا، مثل الحواجز، ونقص الإمكانيات، وصعوبة السفر، وضغوط الخوف المستمر. وخلال الحرب الأخيرة على غزة، شهدت استهداف زملائها الرياضيين واستشهاد لاعبين ومدربين، إضافة إلى تدمير الملاعب التي كانت تمثل حلما لهم، لتصبح اليوم ركامًا مستهدفا من الاحتلال، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه الرياضة الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة.
وتقول إن الرياضة بالنسبة إلى الفلسطينيين ليست مجرد نشاط جسدي، بل هي وسيلة وصيغة للصمود، وطريقة لإيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم. وترى أن كل مشاركة في البطولات، وكل صورة تظهر على المستوى الدولي، تعد رسالة واضحة على صمودهم واستمرارهم رغم كل الصعوبات. ووفقا لسارة، فإن وراء كل لاعب فلسطيني قصة وطن وقصة صمود، والرياضة بمثابة وعد أن فلسطين ستظل موجودة، مهما حاول الاحتلال كسرها، لتصبح بذلك أداة للتعبير عن الهوية الفلسطينية ونقل رسالتها إلى العالم كله.
الاستهداف يطال البنية والإنسان
ويقدم الفريق جبريل الرجوب، رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، نظرة أوسع ومفصلة إلى الاستهداف الإسرائيلي.
ويقول، في مقابلة مع «القدس العربي»، إن «القطاع الرياضي كان على دائرة الاستهداف من جانب الإسرائيليين قبل الحرب، وبالتأكيد ارتفعت وتيرة هذا الاستهداف مع الحرب الإسرائيلية»، مضيفا أن «الهدف، وفق مفهومهم الاستراتيجي لإدارة الصراع، هو تصفية القضية الفلسطينية ونفي فلسطين من الخريطة السياسية».
ويضيف أن «الرياضة برزت في السنوات الأخيرة عاملا محوريا في تجسيد الهوية والكيانية السياسية الوطنية الفلسطينية»، موضحا أن ذلك استند إلى ثلاثة أسس. وقال إن «الأساس الأول أنها كانت عنصر وحدة في ظل الانقسام السياسي والجغرافي، وشكلت ركيزة في المشروع الوطني الفلسطيني، كما جرى عزلها كليا عن الانقسام وعن التجاذبات الموجودة في الحالة الفلسطينية».
وتابع أن «الأساس الثاني تمثل في حصول تطور كبير في الأداء وفي المنظومة التي لها علاقة بتقديم اللاعب والمنتخبات المنافسة في كل المشاركات، وأعتقد أن ما حصل في كأس العرب في النسخة الأخيرة هو برهان حي على هذا التطور».
وأردف أن «المسألة الثالثة هي أن المنظومة القانونية وميثاق «فيفا» والميثاق الأولمبي أصبحت المرجع في الإدارة والتطوير، وهذه المنظومة شكلت استفزازا عاليا للاحتلال بصفتنا نقيضا له، وأتاحت إثارة الموضوع في المؤسسات الدولية، وتحديدا في «فيفا»، وفق مرتكزات واضحة، ووفق أيضا وجود كيان رياضي يوحد كل الفلسطينيين، والذي مع الوقت أصبح أحد تجليات الهوية الوطنية الفلسطينية».
وفيما يتعلق بالسياسة الإسرائيلية قبل الحرب، قال الرجوب إن «هذه السياسة كانت تعمل في الاتجاهات التالية: العمل على شل حركتنا داخل الوطن أو من الوطن وإليه، في المشاركات والبطولات الرسمية».
وأضاف أن «الجانب الثاني كان له علاقة بمحاصرة الرياضة ومحاولة إضفاء طابع عليها وكأنها عمل سياسي وعمل تحريضي»، مشيرا إلى أنه «كانت هناك استجابة عالية من جانب المنظومة الدولية والمنظومة القارية، فأصبحت الرياضة مصدر إزعاج قوي، ليس فقط لما حققته، بل أيضا لما أصبحت تعنيه في وعي البشر، وما تمثله في الحالة الوطنية الفلسطينية كأحد تجليات ورموز الهوية الوطنية الفلسطينية».
وقال الرجوب إن «أول ما استهدفوه في غزة كان المنشآت الرياضية. نحن لدينا 265 منشأة رياضية، دمرت 184 منها، والبقية أصيبت، أو حصل فيها ضرر بشكل أو بآخر»، مشددا على أن «من المستحيل أن يكون ذلك من دون استهداف مباشر».
فـ»بعض المنشآت الرياضية والملاعب استخدمت مثل معسكرات الاعتقال النازية، إذ كانوا يأتون بالناس عراة، ويحققون معهم، ويعذبونهم، ويخضعونهم لعمليات إذلال»، معتبرا أن «هذا كله ردة فعل على الدور والمكانة التي أصبحت الرياضة تحتلها في الأجندة الوطنية الفلسطينية».
وفيما يتعلق بالضفة الغربية، قال الرجوب إن «إجراءات الاحتلال التي قيدت حركتنا ترتب عليها شل الحركة الرياضية في كل الأراضي الفلسطينية». واستدرك قائلا إن «الوجه الآخر أننا، منذ اليوم الأول، كان لدينا برنامج إنقاذ للحفاظ على ما هو موجود، وبالحد الأدنى أن نشارك في كل البطولات الرسمية خارج الوطن، رغم أننا غير قادرين على التمسك بملعبنا البيتي واستقبال المنتخبات واستضافتها على أرضنا».
وأضاف أن «من الموضوعات الأخرى التي نعمل عليها تعزيز الثقافة والروح الرياضية والقيم الرياضية، وأهمية الرياضة لمشروعنا الوطني». ورأى أن «الاستهداف طال أيضا الموارد البشرية، إذ لدينا 1007 بين لاعب وإداري ومدرب وحكم استشهدوا، ولدينا آلاف الجرحى، ومفقودون، ومعتقلون». وتابع أن «سلمان العبيد، وهو كابتن المنتخب الوطني، استهدف بشكل مباشر، وتم اغتياله مع سبق الإصرار».
وختم الرجوب بالقول إن «هذه هي الحالة التي عشناها وما زلنا نعيشها»، مضيفا أن «الشيء العظيم هو أنه حتى الآن يوجد إجماع وطني فلسطيني على حيادية الرياضة عن السياسة، وعلى ضرورة العمل للنهوض بهذا القطاع في كل الأراضي الفلسطينية، بمظلة واحدة، وروزنامة واحدة، وبرؤية استراتيجية وطنية منسجمة مع طموحاتنا ومصالحنا، ومع رسالة الرياضة لشعب تتعرض هويته وكيانه إلى التصفية».

