|
أرامل أفغانستان... مأساة اجتماعية تتطلّب اهتماماً عاجلاً!!
بقلم : الديار ... 13.01.2026
أثرت أربعة عقود من الحرب في أفغانستان على كل الشرائح والأطياف، ودمّرت كل جوانب الحياة، وكانت شريحة النساء التي تعيش في العادة تحت ضغوط الأعراف الاجتماعية المتجذّرة، من بين الشرائح الأكثر تأثراً بأضرار الحرب، خصوصاً عدد كبير من الأرامل اللواتي فقدن أزواجهنّ، وواجهن المشكلات فوق الاعتياديّة؛ تلك الخاصة بفقدان الأزواج ومن يعيلهنّ ويعينهنّ في تسيير أمور حياتهنّ غير السهلة.
فقدت ثريا سيفي زوجها في حادث انفجار لغم بحافلة مدنية استقلها زوجها في ولاية بادغيس (جنوب غرب) عام 2019، وكانت حينها في سن الـ29 سنة، ولديها ثلاثة أطفال، وتعيش مع زوجها في العاصمة كابول. وكانت ثريا محظوظة نسبياً لأن الشقة التي عاشت فيها اشتراها زوجها خلال عمله لحساب مؤسّسة دولية نفذت برامج للتعليم، لكن وفاته جعلتها تواجه تحديات كبيرة أكبر من قدراتها، أبرزها الحصول على لقمة عيش أولادها، فهي درست فقط حتّى الصف السابع. وتدخلت المؤسّسة نفسها التي عمل زوجها فيها، وأعطت ثريا عملاً كمساعدة تساهم في أنشطة اجتماعية. تقاضت ثريا راتب 600 دولار كان يكفي لتوفير كل ما تحتاجه أسرتها، لكن في أغسطس/ آب 2021 انهار كل شيء بالنسبة لها، إذ خسرت عملها، وبقيت مع أولادها في حالة حيرة ويأس بعدما سيطرت طالبان على الحكم، وأغلقت المؤسسات الدولية أبوابها. حينها دفعت المؤسسة لثريا راتب ستة أشهر حاولت أن تستخدمه لمغادرة أفغانستان باستخدام أوراق عملها مع المؤسسة الدولية، لكن جهودها لم تثمر ففتحت لابنها البالغ عشرة أعوام حينها بقالة صغيرة، ولأنه صغير في السن طلبت من أخ زوجها (عم الطفل) أن يساعده في تشغيلها.
أنفقت ثريا كل المال الذي حصلت عليه من المؤسسة التي عملت فيها في بناء البقالة بأمل أن تصبح مصدر دخل لها ولأولادها في المستقبل، لكن الأمور لم تسر على النحو المنشود؛ إذ لم يستطع الولد الصغير تسيير أمور البقالة على نحوٍ مناسب، كما لم يساعده عمه بطريقة مناسبة لأنه كان مشغولاً في عمله ولديه أسرة وأولاد، كما تولى مسؤولية أبويه الكبيرين في السن، وبالتالي خسرت ثريا البقالة وما صرفته عليها، وغرقت في ديون لأن أخ زوجها كان يأتي باحتياجات البقالة من السوق المركزيّة بالدين، وكان يفترض أن يدفع شهرياً لكن المشترين لم يسدّدوا الأموال المستحقة للطفل، فبقيت أموال التجار ديناً عليها، وأغلقت البقالة، وأصبحت ثريا في حالة نفسية ومعيشية صعبة للغاية، في حين لا يوجد من يأخذ بيدها ويساعدها.
وفي مديرية شينواري بولاية ننغرهار (شرق)، كانت سلطانة سيد محمد تعيش مع زوجها، وهو ابن عمها الذي تزوجته عام 2016 حين كانت في سن الـ16. عمِل زوجها شرطياً، لكنه قُتِل في عملية انتحارية استهدفت مقرّ المديرية في سبتمبر/ أيلول 2017 من دون أن تنجب أي طفل. جلست سلطانة في بيت عمها سنة كاملة، ثم جاءت إلى بيت أبيها، وبعد ثمانية أشهر ألحّ عمها أن تذهب إلى بيته وأن تتزوج ابنه الثاني، وهو كان أكبر من زوجها ولديه زوجة وثلاثة أطفال، فأصبحت زوجته الثانية ورزقت طفلين، وعاشت في بيت متواضع. وحين استعادت حكومة طالبان الحكم وانهار الجيش خسر زوجها عمله، ومكث فترة في المنزل وحاول الحصول على عمل لكن بلا جدوى فطلب من قريب له يعيش في إيران أن يعمل معه، وسافر في مارس/ آذار 2023 ثم توفي بنوبة قلبية بعد شهر إذ كان مريضاً في القلب، ونقل جثمانه إلى أفغانستان، وبقيت سلطانة مع ضرته الزوجة الأولى أرملتان في منزل واحد.
تقول سلطانة لـ"العربي الجديد": "أبناء ضرّتي كبار، وهم يعملون ونعيش في منزل واحد نأكل ونشرب معاً، وفق الأعراف الأفغانية السائدة، لكن أولادي الصغار يحتاجون إلى رعاية أكبر تستلزم توفير أموال لدعم حياتهم ومستقبلهم، وأنا أريد أن يتعلّموا كي يحصلوا على مستقبل جيّد، لكن لا يمكن فعل ذلك بسبب الظروف الصعبة التي نعيش فيها. ابني الأصغر ضعيف البنية ويمرض كثيراً ويحتاج إلى عناية، وأنا لا أملك شيئاً كي أخذه إلى طبيب، وهذا يؤلمني كثيراً. أعمل مع ضرتي في الحقول من أجل توفير ما تحتاج إليه الأسرة، وأنا مريضة جداً واضطر إلى أخذ دواء أعصاب كي أنام".
ويقول الناشط سمير الله سمير لـ"العربي الجديد": "تحتاج الأرامل تحديداً إلى عناية فائقة جداً، خصوصاً في مجال الصحة والمعيشة، ومعظمهنّ لا يعشن وحدهن بل مع أطفال يحتاجون إلى اهتمام كبير في مجالات عدّة، خصوصاً في التعليم والتربية، كي لا يصبحوا عبئاً على المجتمع في المستقبل.
*المصدر : العربي الجديد
www.deyaralnagab.com
|