أحدث الأخبار
الأحد 22 أيلول/سبتمبر 2019
"بيت الطاعة" سيف مسلط على رقبة المرأة بادعاء لمّ الشمل!!
بقلم : شيرين الديداموني ... 22.06.2019

القاهرة – يظل قانون “بيت الطاعة” مثل سحابة سوداء تمنع رؤية الكثير من الحقوق التي حصلت عليها مصريات في العقود الأخيرة وأبرزها حق الخلع، وتفاءلت مؤخرا المنظمات الحقوقية المدافعة عن المرأة عندما بدأ مجلس النواب المصري مناقشة مشروع قانون جديد اقترحه المجلس القومي للمرأة، وأعدت اللجنة التشريعية بالمجلس بنوده التي تلخص أبرزها في إلغاء مسألة إنذار الطاعة كآلية إجرائية لإثبات نشوز الزوجة، وصولا إلى وقف نفقة الزوجية.
كان التفاؤل حذرا بعدما ظهرت أصوات تعترض على إلغاء إنذار الطاعة، تحت ادعاءات أنه مجحف للأزواج وينحاز إلى المرأة التي ترفض العودة إلى بيت الزوجية، وأن القانون يهدف إلى حل الخلافات وإصلاح العلاقة الزوجية ولَمّ الشمل.
وتستند دعوات إلغاء إنذار الطاعة إلى تجارب دول عربية شرعت في إلغاء هذا القانون، وقام اليمن بإلغاء مادتين مثيرتين للجدل في مشروع قانون المرافعات من شأنهما جلب الزوجات إلى “بيت الطاعة” بالقوة، حال مغادرة منزل الزوجية بسبب استحالة العشرة بين الزوجين وإلا تعرضن للحبس أو إسقاط النفقة، بعد أن أثارت المادتان جدلا في أوساط مدافعات عن حقوق المرأة.
وقبل ذلك ألغت السعودية ما يعرف بـ”بيت الطاعة” حفاظا على كرامة المرأة، وأوقفت العام الماضي العمل بأحكام تجبر الزوجة على العودة إلى منزل زوجها.
وما زال “بيت الطاعة” جاثما على صدور النساء في عدد من البلدان العربية، تحت مسميات مختلفة، ففي العراق يُطلق عليه “دعوى المطاوعة”، وفي لبنان يعرف باسم “قانون الإطاعة”، حيث تطبق المحاكم الشرعية السُنّية أحكام قانون حقوق العائلة العثماني الصادر عام 1917، فتحضر الزوجة أمام القاضي وفي حال عدم وجود أسباب تمنعها من العودة، أو تغييبها عن الحضور، تعتبر ناشزا وتُحرم من حقوقها.
وفي الأردن يعرف باسم “بيت الطاعة”، كما هو الحال في مصر، ولا تزال الآلاف من السيدات يتعرضن للاعتداء والإهانة تحت هذا الغطاء القانوني الذي يستخدمه بعض الأزواج ضد المرأة، ورغم معاناة النساء إلا أن المدافعين يبررون موقفهم بأن المرأة لديها قانون “الخلع”.
وتشير حقوقيات في مجال المرأة إلى أن قانون الخلع جرى إقراره في مصر عام 2001، وبالفعل أعطى للمرأة حق تقرير المصير واللجوء إلى المحكمة لتطليقها طواعية من زوج ترفض معاشرته.
ونجح الحشد النسائي في أن يُبقي القانون على وضعيّته، من منطلق أنه إحدى أدوات تحرير المرأة من “عبودية الزوج”، إذا فقدت الأمل في استكمال الحياة معه.
انتصار السعيد: بيت الطاعة قانون روماني نقل بفعل فرنسي إلى مصر تدخل بموجبه زوجات مصريات سجنا مفاتيحه ذكوريةانتصار السعيد: بيت الطاعة قانون روماني نقل بفعل فرنسي إلى مصر تدخل بموجبه زوجات مصريات سجنا مفاتيحه ذكورية
لكن يؤخذ على القانون، كما تقول جمعيات مدافعة عن حقوق المرأة، أنه من الصعب على النساء اللائي لا يملكن دخلا خاصا بهن الاستفادة منه، لأن القانون أقر بتنازل الزوجة عن كامل حقوقها للحصول على الخلع، ما يجعلها أمام خيارين كلاهما مر، إما الخلع والجوع بسبب العوز المادي، أو السجن داخل “بيت الطاعة”.
من أبرز ما كتب عن “بيت الطاعة” ما ذكره القاضي والكاتب المصري أحمد أمين، عام 1950 في كتابه “حياتي”، حيث قال “ظللت في القضاء أربع سنين، أحكم بالطاعة وأنا لا أستسيغها ولا أتصورها، كيف تؤخذ المرأة من بيتها بالبوليس وتوضع في بيت الزوج بالبوليس كذلك؟
وكيف تكون هذه حياة زوجية؟ إني أفهم قوة البوليس في تنفيذ الأمور المادية، كرد قطعة أرض إلى صاحبها، ووضع محكوم عليه في السجن، وتنفيذ حكم بالإعدام ونحو ذلك من الأمور المالية والجنائية. أما تنفيذ المعيشة الزوجية بالبوليس فلم أفهمه مطلقا إلا إذا فهمت حبا بإكراه، أو مودة بالسيف”.
تحولت دعاوى إنذار الطاعة إلى ورقة إرهاب يستخدمها الزوج ضد المرأة لإثنائها عن دعاوى الطلاق والخلع والنفقة التي تقيمها ضده، وكي يتمكن من إطالة المدة الزمنية للدعاوى في محاكم الأسرة.
وكشفت حملة “أريد حلا” في مصر، امتلاكها أمثلةً صارخة لسوء استخدام الزوج حق الطاعة للانتقام من الزوجة وتعذيبها وابتزازها، منها حالة لزوج أجبر زوجته على تنفيذ حكم الطاعة في مخزن ورشته، وزوجة ثانية فوجئت بأن “بيت الطاعة” عبارة عن غرفة بأحد المدافن، وأخرى في صراع أمام محكمة الأسرة ضد تعسف زوجها، الذي أقام دعوى إنذار بالطاعة ضدها ست مرات، وأخريات وصلن إلى مرحلة النشوز لإخفاء الزوج مقر مراسلة الزوجة حتى يحرمها من حقوقها المادية.
رصدت “العرب” جانبا من الحالات أمام محاكم الأسرة، حيث وصل عدد تلك الدعاوى إلى 62 ألف دعوى بحسب آخر إحصاء عام 2014، وترتب عليها حرمان 22 ألف سيدة من حقهن في النفقة الشهرية، بسبب نشوزهن.
مرّت سيدات بتجارب قاسية مع “بيت الطاعة” عندما أجبرن على العيش تحت سقف واحد مع أزواجهن رغم استحالة العشرة بينهم، وبعضهن ساقتهن تلك الإقامة الجبرية وعنف الأزواج، ليقبعن خلف القضبان، وأخريات خرجن من ذاك البيت بعاهات مستديمة.
أمام محكمة الأسرة بمنطقة الخليفة في القاهرة، وقفت نورا، الشابة العشرينية، مأزومة بعد صدور حكم يلزمها الذهاب برفقة زوجها إلى “بيت الطاعة”، ما سيضطرها إلى العيش برفقته مرة أخرى والخضوع لعنفه، بعدما خسرت الاعتراض والاستئناف، وستنفذ الحكم خوفا من النشوز وضياع حقوقها وطفليها بعد تهديد الزوج بوقف نفقتها.
قالت نورا لـ”العرب” “كنت أعتقد أن إنذار الطاعة يحمل في طياته الرومانسية التي تجلت في فيلم المخرج المصري عاطف الطيب الذي يحمل نفس الاسم، بعد أن استغل إبراهيم (محمود حميدة) علاقته الجنسية بأمينة، وجسدت دورها الفنانة ليلى علوي، لتكون وسيلة لإثبات زواجه بها أمام المحكمة، كي يمنع زواجها من صلاح الذي وافقت عليه، خوفا من أسرتها، وحتى يكون ذلك سبيله لطلبها في ‘بيت الطاعة’، ليحتفظ بها لنفسه وتأتي النهاية لصالح انتصار الحب الذي جمعهما ويتحقق حلم الزواج رغما عن الأم”.
تبكي الشابة بحرقة، مضيفة أنها علمت بعد الزواج أن إنذارها بالطاعة أكبر دليل على أن جسدها ليس ملكا لها ومستقبلها لا حق لها فيه، صارخة بهستيريا “أعلم أن جسدي سيتعرض للضرب وسيظل زوجي يعذبني انتقاما ولن يتركني إلا جثة هامدة”.
تشعر ناهد بأنها صارت ملعونة جراء الحكم بنشوزها بعدما استحالت العشرة مع زوجها وطلبت منه الانفصال بهدوء دون مشاكل، لكنه رفض وفشلت جميع المحاولات الودية في إنهاء الأمر. وأكدت السيدة المكلومة لـ”العرب” أنها لجأت إلى رفع دعوى خلع، لكن الزوج
سبقها بإقامة دعوى طاعة، واكتشفت تزويره لمحل السكن، فلم يصل إليها إخطار بالدعوى، وبالتالي لم تنفذ الحكم، وباتت ناشزا بسبب مرور 30 يوما دون تنفيذها الحكم والعودة إلى زوجها.
وتشير إلى أن كلمة ناشز لا تختلف كثيرا عن إنذار الطاعة، وكلاهما يجعلان المرأة في حالة إحباط متواصل، بسبب وضعها تحت ضغط نفسي وعصبي رهيب.
المرأة تضطر مكرهة لتنفيذ الحكم بعد أن تخسر المعركة القضائية خوفا من النشوز وضياع حقوقها وأطفالها بعد تهديد الزوج بوقف نفقتهاالمرأة تضطر مكرهة لتنفيذ الحكم بعد أن تخسر المعركة القضائية خوفا من النشوز وضياع حقوقها وأطفالها بعد تهديد الزوج بوقف نفقتها
دفعت تلك المآسي بقانون “بيت الطاعة” إلى طاولة النقاشات الاجتماعية في مصر ومهدت الطريق لهبات ومبادرات نسائية حول حق المرأة في الانفصال عن الزوج وكسر الحواجز السياسية والمجتمعية والثقافية التي تقف حائلا دون الاستقلال بجسدها.
ولم تسفر المبادرات سوى عن تعديل القانون رقم 44 لعام 1979، وإيقاف حق القاضي في إعادة الزوجة إلى زوجها بالقوة عبر الاستعانة بالشرطة، وتم إقرار هذا القانون ضمن جملة من القرارات تبنتها جيهان السادات قرينة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، نهاية سبعينات القرن الماضي، لإنصاف المرأة، وقوبلت وقتها باستنكار واسع من الرأي العام.
وتشرح انتصار السعيد، المحامية الحقوقية، أن “بيت الطاعة” منقول نصا عن القانون الروماني، وأقر لتنظيم ما أطلق عليه “الزواج التوافقي”، المعروف بالعرفي الآن؛ فكانت من حقها العودة إلى بيت أبيها وليس لزوجها أي سلطة عليها، لذلك ابتدع الحاكم القضائي دعوى تمكن الزوج من استرداد زوجته من بيت ذويها بالقوة الجبرية، وكانت تسمى دعوى استرداد، وهي الدعوى التي نقلتها مجموعة القائد الفرنسي نابليون بونابرت، وأطلق عليها “إدخال الزوجة منزل زوجها بالقوة الجبرية”، ونقلت من القانون الفرنسي إلى المحاكم الشرعية في مصر.
وأضافت السعيد لـ”العرب” أن أغلب الرجال يلجأون إلى دعوى النشوز للهرب من دفع التكاليف المالية المترتبة على الطلاق مثل النفقة، لأن هذه الدعوى في حالة الحكم فيها تسقط عن الرجل دفع نفقة زوجته.
في بادئ الأمر يتم توجيه إنذار طاعة للزوجة، ومن حقها أن ترفضه خلال 30 يوما، وفي حالة عدم رد الزوجة يكون من حق الزوج رفع دعوى نشوز، وما يحدث غير ذلك، ويتحايل الأزواج ويوجهون إنذار الطاعة على عنوان خاطئ فلا تستلمه المرأة كي لا تعترض عليه.
ورحبت هدى بدران، رئيس الاتحاد النوعي لنساء مصر (جهة غير رسمية)، بإلغاء إنذار الطاعة في قانون الأحوال الشخصية الجديد باعتباره في صالح المرأة، ولا توجد علاقة زوجية تقوم على الطاعة والإجبار، بل تقوم العلاقة الزوجية على المودة والمحبة والرحمة والمعاملة الحسنة بين الزوجين. وأضافت بدران أن فلسفة القانون تبنى على روح القانون وتحقيقه، وقيام العلاقة الزوجية على أن إنفاق الزوج يكون مقابل طاعة الزوجة يتنافى مع كرامة المرأة وينتقص منها ويعيدها إلى عصر “الجواري”، فكيف يتم إجبارها على حياة لا تطيقها فقط من أجل الإنفاق؟
وأوضح علي جمعة، مفتي مصر السابق، أن الإسلام يرفض كل أشكال الإجبار في الحياة الزوجية، ومنها إجبار الزوجة على البقاء مع زوجها عن طريق “بيت الطاعة” الذي لم يرد فيه نص في القرآن أو السنة، خاصة إذا كان بصورته السيئة التي فيها إساءة إلى الزوجة بما يخالف الأمر الإلهي بالمعاشرة بالمعروف أو التفريق بإحسان.
آمنة نصير: "لا إكراه في الدين"، فكيف يمكن أن تقوم العلاقة الزوجية على إكراه المرأة بالاستمرار في علاقة لا ترضاهاآمنة نصير: "لا إكراه في الدين"، فكيف يمكن أن تقوم العلاقة الزوجية على إكراه المرأة بالاستمرار في علاقة لا ترضاها
أشارت آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، إلى أن دعاوى الطاعة لا تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، “لا إكراه في الدين” فكيف يمكن أن تقوم العلاقة الزوجية على إكراه المرأة بالاستمرار في علاقة زوجية لا ترضاها؟
ولفتت نصير في حديثها مع “العرب” إلى أن دعوى الطاعة تحولت إلى وسيلة للإضرار بالزوجة من جانب بعض الأزواج ومساومتها على التنازل عن حقوقها لنيل الطلاق، لذلك تضطر بعض الزوجات كرها إلى الاستمرار في العلاقة كي لا يتم طردهن إلى الشارع وحرمانهن من مصدر دخلهن الوحيد، وأن دعوى الطاعة تعد بمثابة فرض وصاية على المرأة ويتم التعامل معها باعتبارها ليست أهلا لتقرير مصيرها بنفسها.
ولم يكن مفاجئا أن يظهر رفض ذكوري لإلغاء “بيت الطاعة” فدائما تلقى طلبات المرأة حججا واهية، فإذا طلبت الزوجة العصمة بيدها تُعتبر قد خرجت عن الأصول، وإذا طلبت الطلاق بالمعروف تواجه عنادا وظلما وعنفا، وإن تمردت يكنْ العقاب “بيت الطاعة”.
لم تمنع المآسي التي تشهدها محاكم الأسرة بسببه ورأي رجال الدين وترحيب المنظمات الحقوقية، بعض القانونيين من السعي إلى عرقلة تشريع القانون لإلغاء “بيت الطاعة” تحت ادعاء أنه مجحف بالأزواج وينحاز إلى المرأة التي ترفض العودة إلى بيت الزوجية، وزعموا أنه فرصة لحل الخلافات وإصلاح العلاقة الزوجية، وأن المنظمات النسائية تزيف الواقع وتنصف السيدات.
وانتقد فقهاء قول البعض بأن “الطاعة بها نوع من العبودية”، وتساءلوا كيف للزوج أن يثبت نشوز زوجته لمباشرة حقه الشرعي عليها؟ وطالب آخرون بأنه في حالة إلغاء قانون “بيت الطاعة” يجب وضع بديل يحفظ حقوق الأزواج من حصول الزوجات على نفقات غير مستحقة رغم هروبهن من منزل الزوجية.
وتقول ناشطات في حقوق المرأة، ليس كل امرأة ملاكا بأجنحة، لكن أيضا أغلبية الرجال يتمسكون بقانون “بيت الطاعة” دون وجه حق، والرجل يعتبر نفسه وصيا على جسد المرأة وفكرة فقدانه لتلك الميزة تجعله يدخل في معارك للبقاء على مميزاته التي اكتسبها على مدار العقود الماضية، بعدما تجذرت في العقلية الذكورية تصورات بعدم استطاعة أجساد النساء التمرد على الحدود التي تم رسمها سلفا.
واهتزت تلك التصورات بعد خروج النساء بالآلاف حرفيا ومجازيا إلى المحاكم مطالبات بحقوقهن، واستشعر الأزواج الخطر، وأن رجولتهم مهددة لوجود أجساد النساء بعيدا عن سيطرتهم.
وتساءلت كثيرات عن الاستفادة التي يتحصل عليها الرجل عندما يعيش مع زوجة مسلوبة الإرادة ومقهورة، وهل يدرك عند تمسكه بقانون “بيت الطاعة” أنه يجبر المرأة على الانحراف ومن الممكن تحول إحساسها بالظلم إلى كراهية رغبة في الانتقام وربما يدفع ذلك بعضهن إلى الانجرار خلف علاقات عاطفية تعوضهن عن مرارة الحكم بـ”بيت الطاعة”؟

*المصدر : العرب
1