أحدث الأخبار
الخميس 18 تموز/يوليو 2019
خلطة الجنس والعنف الفائرين تُرضي نوازع بدائية… “لُعبة العروش”: أكواد الشعبية الجارفة!!
بقلم : ندى حطيط ... 14.06.2019

لم يكن أحد ليتوقع ذلك النجاح الأسطوري لسلسلة “لعبة العروش”. الشركة المنتجة التي استثمرت في موسمه الأوّل قبل عقد من الزّمن بوصفه يستهدف شريحة مشاهدين محددين لعشّاق الفانتازيا، تفاجأت قبل غيرها بتحوّله إلى ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ التلفزيون انتشاراً ومتابعة بين فئات المتلقين المتعددة، حتى بدا لوهلة أن البشر سينقسمون إلى فئتين لا ثالث لهما: أولئك الذين يتابعون “لعبة العروش” بشغف ويقضون أوقاتاً كثيرة في خوض نقاشات حادة أحياناً مع الزملاء والرفاق حول أحداث حلقة الأمس مقابل مجموعة أخرى – لا تقلّ عنهم عدداً – ألمّت بها الحيرة من اللوثة التي أصابت القسم الأول، وأصبحت تحس بأنها محاصرة بلعنة ملل غير مفهومة ملؤها الوحوش والمعارك ومشاهد الجنس الكثيفة والعري الفاضح والموسيقات الأوبراليّة.
معانٍ سياسيّةٍ عميقة عن الحاضر
في قلب فانتازيا تاريخيّة
كما كل فانتازيا أو خيال علميّ مبهر، يبدع جورج آر. آر مارتن – كاتب سلسلة الرّوايات، التي بني على أساسها المسلسل الشهير – في طرح آراء فلسفيّة حول القضايا السياسيّة والاجتماعية في مجتمعاتنا المعاصرة، التي تعني قطاعات عريضة من البالغين عبر أدوات الخيال، وفي إطار أجواء تاريخيّة، يمكن تلمس أبعادها.
ولذا فهو نجح في تجاوز الطّرح الطفولي الطابع للأحداث بصيغة الأبيض والأسود المباشرة التي تقع فيها معظم الأعمال الأمريكيّة وعادة ما تفقد روحها في إطار سعيها استقطاب دائرة عائليّة أوسع من المشاهدين لتنتهي أقرب لبرامج ومسلسلات المراهقين.
في “لعبة العروش” تكتسب الشخصيّات تعقيداً متزايداً مع مرور الوقت وتنتقل بمهارة بين الشر المطلق والخير المطلق، بحيث يصعب الوقوف على تصنيف محدد لمعظمها، رغم كثرتها الوافرة، وهي تلعب أدواراً مثيرة في بناء إمبراطوريّات وصياغة عوالم تتطلّب من المتلقي متابعة دقيقة وواعية كي لا يفلت منه خيط السرّد، وهي بذلك تخدم أغراض الرّغبة في الحصول على أعمال بصرية أكثر توقدا ترافقاً مع ارتفاع معدلات المعرفة والاطلاع في العقود الأخيرة وفق خبراء الثقافة الشعبيّة. يحقق المسلسل ذلك ليس من خلال الحبكة المُتقنة والأجواء الشديدة الإبهار فحسب بل وأيضاً من خلال استخدام عبقريّ للغة والتفاصيل البصريّة والصوتيّة الباذخة.
وعلى الرغم أنه يقدّم نماذج من شخصيات نمطيّة كالملك الطاغية أو الأميرات الخبيثات والفرسان الشريرين إلا أن المساحة الزمنية المتطاولة عبر عدة مواسم متلاحقة سمحت للسّرد بتقديم العديد منها وكسر نمطيتها، ولاحقاً إعادة بنائها ربما في نسق جديد.
وهو أمر أضاف تلويناً يصعب كثيراً تقديمه وجعل من “لعبة العروش” متحفاً تلفزيوناً لا يدانى لفن خلق الشخصيات الثلاثيّة الأبعاد.
النساء في كل مكان
وفي كل أطياف الضوء
إستطاع العمل وعلى عكس الكثير من فانتازيا الوحوش والتنانين جذب أعداد متزايدة من المتابعات الإناث. ولا شكّ أن الثيم السياسيّة والأخلاقيّة وصراعات القوّة التي يطرحها ترضي غرور نساء عصرنا الطّموحات والساعيات للترقي وانتزاع المساواة من الرجال، سواء في المنازل والعلاقات الشخصيّة أو أماكن العمل وأروقة السياسة.
وللحقيقة فإن نظرة كليّة لمجموع أبطال المسلسل الأساسيين والفرعيين تشير إلى ثراء وفير في النماذج النسوية المقدّمة من القديسات إلى بائعات الهوى وكل ما بينهما، وهنّ بدورهن وإن أُطلقن في فضاء المسلسل بداية عبر أنماط محددة، إلا أن السّرد منحهنّ الفرصة للتطور والانتقال وامتلاك أركان أساسيّة من الحبكة.
كثير من العري وسفك
الدّماء لا يفسد للودّ قضية
توجه كثيرون بانتقادات للمسلسل بوصفه يُسرف في تقديم مشاهد العري والممارسات الجنسيّة الصريحة، كما العنف الدمويّ وأعمال القتل السافر. وهو انتقاد صحيح مستحقّ، لكنّ هذه جميعاً وُظّفت دائماً لدعم الحبكة والنصّ لا لمجرد الاستعراض المبتذل، وغالباً ما تضمنت تلك المشاهد حوارات مفصليّة أو أحداثاً أساسيّة في السرديّة مما يصعّب بالفعل جذّها بمقصّ الرقيب دون المخاطرة بفقدان خيط الحكاية.
لكن تلك الجرأة الفائرة في عرض مشاهد الجنس وإراقة الدّماء، لم ترافقها جرأة مماثلة في نوعيّة الطرح السياسيّ أو الفلسفي على تعدد المواضيع والقضايا التي نثرها (لعبة العروش)كالجندر والعرق والتعددية وصراعات القوّة والقيم، وبقيت الصورة الكليّة أقرب لمواقف وسطيّة تليق بالليبراليات البرجوازيّة المعاصرة التي تتعامل بالصيغة المسطحة للطيف السياسيّ الأقرب لحدوة الفرس، حيث يتشابه الطرفان عند نهايات الحدوة رغم تباعدهما الظاهر.
هذا الموقف الرّماديّ الذي يكيل الفاشية والشيوعيّة بذات المكيال، فيراهما تطرّفات تسبب عدم اتزان المجتمعات، وتمنح الوسط – الليبراليّ الطابع – شرعيّة استئصالهما كليهما بالعنف إن تطلّب الأمر.
ولعل هذا تحديداً سرّ الخيبة الشاسعة التي أصابت قطاعاً عريضاً في الموسم الأخير، إذ أن لعبة العروش الذي استهلك عشر سنوات من عمر المشاهدين. والقرّاء أيضاً، إعتمّر نهاية شديدة المحافظة، حيث ملك معوّق منتخب وتنازلات من مختلف الأطراف مع تحييد المثاليين الثوريين الحالمين ببناء عالم أفضل، وهو ما تناقض مع الطريقة المسرفة التي دُمّرت فيها الممالك، وهبّت الثورات وخيضت الحروب التي لم تغب عنها التنانين والوحوش قبل الفرسان والمقاتلين خلال بناء السّرد.
ربما اعتاد متابعو المسلسل على جرعة العنف المسرف اللحظيّة في الحلقات المفردة، لكن الحبكة الرئيسة كانت تتجه بتؤدة طوال الوقت نحو المركز الرّمادي.
سيكولوجيا المتلقي المعاصر:
فسحة هروب من الواقع؟
حاول كثير من خبراء السيكولوجيا كما محللو الثقافة المعاصرة وتمثلاتها في الأعمال التلفزيونيّة والسينمائيّة الإدلاء بدلوهم تفسيراً للشعبيّة الاستثنائية التي حظي بها “لعبة العروش” من زاوية تتعلق أكثر بطبيعة الحاجات النفسيّة للمتلقي المعاصر التي نجح فريق العمل بالاستجابة لها وتلبيتها.
فذهب البعض إلى أن الأفراد المغيبين في معظمهم عن دهاليز السياسة الدوليّة وجدوا أنفسهم مدعوين إلى مائدة فيها أطباق متعددة من صراعات القوّة المثيرة التي أمكن لهم متابعة تطوراتها عبر الأيّام كما لو كانت عالماً بديلاً موازياً يمكنهم فيه الاقتراب من مراكز صنع الأقدار بدل العجز المتزايد للأفراد في مواجهة الواقع.
بينما قال آخرون بأن خليط العنف والجنس الفائرين يرضى نوازع بدائيّة ما زالت فاعلة في لاوعي معظم الأفراد وتقمعها الحضارة وأكواد السلوك العلني فكأنه محطّة للتنفيس عن العيش تحت ضغوط المجتمعات الأخلاقيّة.
وتحدّث البعض عن حاجة ماسة لدى المتلقين لصرف أفكارهم عن بلادة ورتابة حياتهم اليوميّة عبر حكايا معقّدة متشابكة متمددة تمتلك القدرة على استدعاء الفضول لمعرفة التالي وتوريط المتلقي في جبال من التوترات وخيبات لا تنتهي بشأن الشخصيات التي يتماها معها على أمل أن ينتصر الأخيار في النهاية.
ربما يكون “لعبة العروش” خلطة عجائبية من كل ذلك، وهذه وصفة فرادته – كما سلسلة الروايات المطبوعة الموازية – في تحقيق أرقام قياسيّة من المشاهدة والمتابعة – ومبيعات الكتب – وتحويل القائمين عليه ونجومه إلى أثرياء وأيقونات في الثقافة الشعبيّة المعاصرة.
ومع ذلك فإنه فتح الباب مشرعاً لتساؤلات – محقّة – حول التأثير الجبّار والمعولم والطويل المدى للثقافة الأمريكيّة بطروحاتها وخياراتها الثقافيّة والاجتماعية والسياسيّة على جمهور عابر للقوميات والحدود والأديان والأعمار والثقافات.
وهي تساؤلات لا ينبغي التعامل معها بخفة، لأن تلك الثقافة بما تطرحه هي أساس الهيمنة والقوة الناعمة التي تدير بها دولة العالم الأعظم هذا الكوكب.

1