أحدث الأخبار
الأحد 21 تشرين أول/أكتوبر 2018
التعرّي الأوّل.. البراءة ولعبة التخفّي !!
بقلم : هدى عيد * ... 20.09.2018

إنّه التّعرّي الأول، تَعرٍ سافرٌ تمارسه أمام المجموع، تباشرُه عن سابق تصوّر وتصميم؛ تسأل ذاتكَ أكثر من مرّة، وأنت تفعلُ، هل يجوز أن أقول لهم ما سأقول؟ وتستفسر محتاراً، في أكثر من موضع، عن مقدار ما يجب أن تكشف من سوءاتك الكثيرة التي أجدت تخبئتها، طوال سنوات، بملاءات سميكة عن أعين الآخرين.
تنساق إلى تجربة الكتابة الرّوائية الأولى انسياقَك تماماً إلى ممارسة غواية اللعب بعد عدوِ السّنين، تحتشد في صدرك الكلمات، وتضجّ في رأسك المتخم بالأفكار والقراءات آلاف الصور، ومئات التّعابير، تَحار أيّها تختار، وأيّها سيعجب الآخرين.
ميني جيب، كأنك تلبس تنورة ميني جيب للمرة الأولى، فتسعى لأن تكون جذّاباً متبعاً الموضة، لكنّك تخشى أن تكشف عن محاسنك أكثر ممّا يجب أن تفعل لئلا ينفر منك الآخرون، تخشى ما قد يُقال عنك.
قصة الفَيض، الكتابة الروائية الأولى لي كانت أشبهَ بالفيض، تدفق لم أستطع بعدُ حبسه أو إيقافه، أنا التي غرقت بين أوراق الروايات منذ كنت في الثانية عشرة من عمري، أقرأ بلا هوادةٍ وبلا انتباه، شرهٌ لا يعرف الارتواء، تحبسني الكلمات في دوائرها، لا أتمكن من الفكاك من إسارها بسهولة، أبقى ساهمة في الليل وفي النهار، ألاحق بطلات خرافيات، وأبطالاً لا أحد استطاع من عالمي الأرضي مضاهاتهم، أو انتزاعي من بين أيديهم الرّقيقة الهشة.
كان لا بد لهذا المدّ من شاطئ يتلقاه، لذلك كانت الكتابة، روايتي الأولى “في بلاد الدخان” هي رواية تفتّحُ الوعي على المحيط، الإحساس بالرفض، وبضرورة قول الّلا، لكن كيف يقول الهدوءُ والصمتُ لاءه؟! الأفضل له أن يتخفى في لعبة الكلمات، الغواية التي صارت منفذاً، باباً مشرّعاً ينفتح على مجتمع فيه بشرٌ وفيه أشياء؛ أشياء ترفضها، وبشر أحببتهم وأحبوك، وآخرون هشّموا أحياناً كل صفاء المرايا في الذات.
تكتب باجتهاد وهمّة، وأنت تعتقد بصدقٍ أنك وجدت الخلاص، تحمل الأوراق التي انتشت بثرثراتك الأولى، تعيد قراءتها المرة تلو الأخرى، تثير انتباهك بحق، بل إنها قد تثير في ذاتك شيئاً من إعجاب. تقدّم إلى أقرب الناس إليك تجربتك البكر، عيناكَ خجولتان وأصابع يديكَ تعاني الارتباك، لكن حبيبك يقول لك: جميل، يشبهكِ حبيبتي. ثم يجمّل لك تجربة النشر والإعلان.
أوراقكَ صارت كتاباً اعتقدتَ جازماً أنك تحدّيت به عالماً، وأنك اجترحت فيه قليلاً من إعجاز، لكنك تقف أمام عُريك مجدداً، فأحدهم يقول لك بتحدٍ: أعرف أبطالك واحداً واحداً. وآخرُ يفتح عينيه متسعتين في وجهك متسائلاً متهكماً: ألستَ تقصد الحادثة الفلانية التي وقعت في ذاك المكان؟ سيدة قريبة أساءت إليك يوماً تسألك بتذاكٍ من تقصدين بتلك الشخصية ذات الملامح القبيحة؟ تهرب عيناكَ من السؤال.
هكذا تكتشف فجأة أنك بروايتك الأولى، بمولودك العزيز الغالي أعدت إنتاج حياتك بطريقة فجة، وأنك كنت بريئاً لدرجة أنك لم تتقن لعبة التخفي جيداً، حيث تم القبض عليك متلبساً بكل المشاعر التي أغضبتك يوماً، وبكل أحاسيس الحب التي اختبرتها، وأرّقتك؛ أعدتَ خطّها على بياض بعد أن نقلتها من دفاتر الأيام.
تكتب روايتك الأولى، حتى ولو كنت في الستين من العمر، فتكشف كل عوراتك وكل أورام روحك التي أجدت إخفاءها تحت أقنعة الابتسامات المزيفة، وستحتاج وقتاً حقيقياً حتى تدرك كيف تكون الكاتب حقاً، ذاك الخلاّق المبدع الذي أجاد الكاتب الفرنسي فلوبير توصيفه يوما” وهو يقول: “الروائي الجيد كالله في الكون، لا نراه، لكنه موجود في كل مكان”.
أمتع ما في هذه الرّحلة/ الّلعبة هو حين يصادفك قارئٌ مرّت روايتك تحت شعاع عينيه فإذا به يقول لك ببساطة من يطلق الرصاص، فلا يسمع أزيزه لأنه منشغل بحسن التصويب: أعجبتني روايتك كثيراً، تبدو محترفاً حقاً… أتوقع لك مستقبلاً مشرقاً.
أو يحدث، أقول يحدث أن يلتقيك أحد المثقفين من أبناء قريتك، وأنت تعبر الطريق في يوم مشمس بلا مبالاة، واحد من ذلك الجيل المثقف الذي تربّى على قراءة الصحف وملاحقة آخر مستجدات أحداث مجتمعه، فيخبركَ بصوتٍ متأنٍّ: “قرأتُ عن روايتك مقالة في صحيفة السفير، أعجبني التّحليل كثيراُ، تفاجأت في الواقع، لم أكن أعرف أن في قريتنا امرأة تكتب وتجيد صنع كتاب”. يتركك منتشياً بعد أن يشدّ على يدك بخفّة مؤكّداً إحساسه بالافتخار.
إنها المولود الأول تلك الرواية الأولى، مولود بكل مقاييس الفرح والدهشة وعدم الدّراية، والتذوق الأول والمشاعر لم تجد مواضعها النّهائية بعد، لكنها في الوقت عينه، صاحبة الحبّ الأول، واللمسة السحرية الأرقّ التي مسّدت صفحة وجهك يوماً، وجعلتك تؤمن بشكل يقينيّ أنّ في داخلك طاقةً هائلة تسعى إلى انفجارها، وأنّها تحتاج فقط إلى من يجيد تلقيها حتى لا يتحوّل وعيك ولغتكَ التي تنتقيها بحبّ إلى مجرّد فتات أو نِثار..
ـــــــــــــــــــــــــ
* روائيّة لبنانيّة

المصدر : الرواية نت
1