أحدث الأخبار
الجمعة 19 تموز/يوليو 2024
موقف بايدن ضدّ المستوطنين!!
بقلم : سهيل كيوان ... 20.11.2023

أطلق الرئيس الأميركيّ جو بايدن تصريحًا قال فيه إنّه سيتّخذ إجراءات ضدّ متطرّفين من المستوطنين في الضفّة الغربيّة، وطلب من نتنياهو أن يعمل على وقف اعتداءاتهم على الفلسطينيّين وأملاكهم، ولوّح بعقوبات اقتصاديّة على حسابات بعضهم، وقد تناقلته وسائل الإعلام العربيّة باهتمام كبير.
وفي مقاله الّذي نشر في صحيفة الواشنطن بوست قبل يومين، أوضح مواقفه هذه، وقال إن الفلسطينيّين يستحقّون أن تكون لهم دولة ومستقبل، ولكن بلا حماس، وبأنّه يجب أن لا تستخدم غزّة كمنصّة للإرهاب، وفي المقابل، ولكي يبدو متوازنًا، قال إنّ على إسرائيل أن توقّف عنف المستوطنين،
فهل سنشهد موقفًا أميركيًّا جديدًا من الاحتلال في الضفّة الغربيّة على الأقلّ!
رغم أنّ عقوباته الّتي يلوّح بها ضدّ المستوطنين ليست ذات قيمة عمليّة، فإنّ هذا الموقف يظهر بايدن منصفًا للفلسطينيّين الّذين يعانون اعتداءات المستوطنين اليوميّة، والّتي تصل إلى درجة القتل، ويتمنّى هؤلاء أن يجدوا نصيرًا كبيرًا لهم مثل رئيس أميركا القادر الوحيد على ممارسة الضغط على حكومة إسرائيل.
طبعًا هذا قرار جيّد في ذاته، ولكنّه حقّ يراد به باطل، مثل مواقف أوروبّيّة وعربيّة استيقظت الآن مطالبة بحلّ الدولتين، ومنها ما يطالب بالبحث في الملفّ النوويّ الإسرائيليّ، للقفز عن حرب الإبادة العرقيّة في قطاع غزّة، الّتي ينتقدون بعض حيثيّاتها.
موقف جو بايدن من الاستيطان لم يكن واضحًا قبل حرب الإبادة الّتي تجري على قدم وساق في قطاع غزّة، والّتي ما زال هو نفسه يرفض وقفها من خلال عرقلة أيّ قرار دوليّ يطالب بوقف إطلاق النار، رغم توجّهات كثيرة إليه من قبل رؤساء ومسؤولين من العرب، ودول أخرى تعتبر نفسها ذات حظوة عند أميركا وإدارتها.
لقد أراد بايدن في مقاله هذا التخفيف من حدّة المعارضة المتصاعدة داخل أميركا لنهجه وموقفه المتواطئ والشريك في حرب الإبادة في قطاع غزّة، وقد بات موقعه كرئيس قادم للولايات المتّحدة مهدّدًا؛ بسبب موقفه القبيح والعنصريّ والإجراميّ من هذه الحرب.
كذلك، فهو يريد القول للشعب الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة إنّ مكانته مختلفة لدى أميركا عن الشعب في قطاع غزّة، لأنّ شعب غزّة يحتضن "الإرهابيّين" ولهذا، فهو يتحمّل مسؤوليّة ما جرى ويجري فيها، أمّا في الضفّة الغربيّة فالأمر مختلف، أي أنّ بايدن يسعى إلى دقّ إسفين بين أبناء الشعب الواحد، فها هو يقف مع المعتدلين منهم، ولكنّه يعاقب المتطرّفين فقط.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا الموقف موجّه إلى الأنظمة العربيّة الموالية لأميركا والساعية إلى التطبيع مع إسرائيل، والّتي تقيم معها اتّفاقات سلام، والّتي تطالبه بالضغط لوقف الإبادة العرقيّة الّتي تضع هذه الأنظمة في موقف الذلّ والجبن، فهو يريد القول لهم بأنّه فعل شيئًا ما إيجابيًّا تجاه الفلسطينيّين، وصار بإمكان هذه الأنظمة أن تبدو أمام شعوبها كما لو أنّها حقّقت أمرًا ما مهمًّا من خلاله لصالح الفلسطينيّين، فها هو يرفض تصرّفات المستوطنين العدوانيّة.
كذلك فهذه رسالة إلى حكومة نتنياهو الّتي تمثّل المستوطنين، بأنّ الحرب يجب أن تبقى محصورة في قطاع غزّة لإتمام المهمّة دون توسيعها، فلا حاجة إلى تفجير الوضع في الضفّة الغربيّة، لأنّ هذا قد يعقد الأمر مع الأردنّ، إذ ترتفع أصوات مهمّة شعبيّة ورسميّة، تطالب بتجميد اتّفاقيّة وادي عربة، وإلغاء اتّفاقات اقتصاديّة كان من المزمع توقيعها.
يريد بايدن الإيهام، بأنّ أميركا تسعى بجدّيّة إلى حلّ الصراع، وذلك بعد انتهاء الحرب "بهزيمة حماس واستئصالها"، وحينئذ سيكون للسلطة الفلسطينيّة دورها، ولكنّه ولكي لا يغضب نتنياهو يريدها سلطة "محتلنة"، أي أنّ أميركا تبحث عن بديل لمحمود عبّاس غير المرضيّ عنه لدى نتنياهو، ولا من شرائح واسعة من الشعب الفلسطينيّ، فهو يريد شخصيّة مقبولة على الفلسطينيّين وكذلك على الإسرائيليّين كي يستطيعوا التعامل معها.
ويسعى بايدن إلى تبرير موقفه الّذي يبصم لكلّ ما ينطق به الناطق العسكريّ الإسرائيليّ منذ بداية الحرب، ويتبنّى رواية الإسرائيليّين بدون أيّ تشكيك في صحّة أيّ تفصيل، بل وبشهادة زور بأنّ البنتاغون فحص الأمر كما في صاروخ مجزرة المعمدانيّ، فقد وضع نفسه وإمكانات أميركا الهائلة في خدمة الإعلام الإسرائيليّ المجنّد لحرب إبادة الفلسطينيّين.

1