أحدث الأخبار
السبت 22 حزيران/يونيو 2024
مثل بالِع الموس...!!
بقلم : سهيل كيوان ... 06.06.2024

أراد نتنياهو تحقيق إطلاق سراح الأسرى والرهائن الإسرائيليّين كنتيجة لانتصار عسكريّ واضح المعالم، وليس نتيجة لاتّفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس يشمل تبادل أسرى، وبنود أخرى مثل عودة النازحين إلى الأماكن الّتي كانوا فيها قبل الحرب.
الاتّفاق على الصفقة يعني الالتزام بوقف إطلاق النار، وهذا يعني في الخطّ العريض أنّ حماس نجحت في البقاء في السلطة، وأنّها ستواصل إدارة القطاع، وهذا يعني أنّ هدف محو حماس قد فشل.
هذا يعني أنّه قتل عشرات آلاف المدنيّين الفلسطينيّين، ودمّر الحياة في قطاع غزّة ولكنّه لم يحقّق انتصارًا عسكريًّا واضحًا، ولهذا الدمار ثمن، وهو محكمة الجنايات الدوليّة والتوصية باعتقال مجرمي الحرب، إضافة إلى مزيد من الدول المنضمّة إلى جنوب أفريقيا في دعواها ضدّ حكومة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم إبادة.
ثمن هذه الجرائم بحقّ أطفال غزّة الّتي لا سابق لها في التاريخ هو إحياء القضيّة الفلسطينيّة على مستوى العالم الّذي كان قد أدار ظهره لها، هذه الجرائم أدّت إلى انتباه العالم ليس فقط إلى قطاع غزّة، بل كذلك إلى ما يمارسه المستوطنون في الضفّة الغربيّة والقدس، بعدما كان الأمر قد تحوّل إلى روتين يوميّ عاديّ، وهذا يعني أنّ المعادلة الّتي كان قد بناها نتنياهو لخنق القضيّة الفلسطينيّة ببطء من خلال توسيع الاستيطان ومصادرة الأرض وطرد السكّان واغتصاب سلطة رام اللّه بات تحت مجهر قوى كبيرة وعديدة ووازنة على مستوى العالم.
وهذا يعني أيضًا أنّه بعد ثمانية أشهر من القتال، ما زالت المقاومة قادرة على الردّ، ما يعني أنّ معادلات عسكريّة كبيرة راسخة بدأت طريقها إلى التغيير، هذا التغيير الّذي بدأ منذ العام 2006 بعد المواجهة بين حزب اللّه وإسرائيل، الّذي أظهر قدرة حرب العصابات على المناورة والقتال لمدّة طويلة، وحرمان القوّة العسكريّة التقليديّة بكلّ جبروتها من تحقيق أهدافها.
وقف إطلاق النار يعني أنّ المقاومة الفلسطينيّة المدعومة من حزب اللّه واليمن، تمكّنت من أن تكون ندًّا أمام أقوى قوّة عسكريّة في المنطقة، وهذا يعني ولادة معادلات عسكريّة جديدة في المنطقة، وعلى رأسها أنّ الحلّ الّذي تفرضه الرؤية الصهيونيّة على القضيّة الفلسطينيّة غير قابل للتحقيق، نتيجة لموازين ومعادلة المواجهة، فالفلسطينيّون لم يتركوا لوحدهم هذه المرّة، رغم اتّفاقات السلام والتطبيع مع دول عربيّة كبيرة وأساسيّة.
لقد انقلب العالم على نفسه، وصار يطالب بحلّ الدولة الفلسطينيّة إلى جانب إسرائيل، تعلن هذا حكومات كثيرة كانت صامتة حتّى الأمس القريب، تدعمها وتحثّها تحرّكات شعبيّة غير مسبوقة في كلّ أرجاء الكرة الأرضيّة، بينما تراجع حلفاء إسرائيل، ولم يبق منهم سوى أمريكا وبعض الأطراف الاستعماريّة القديمة.
وقف إطلاق النار في صفقة مع المقاومة، يعني أنّ الاتّفاق على وقف لإطلاق النار في قطاع غزّة، يضع حكومة نتنياهو أمام سؤال... ماذا مع المنطقة الشماليّة!
هل وقف إطلاق النار سيشمل وقفه مع حزب اللّه؟ وإذا توقّف حزب اللّه هل تتوقّف إسرائيل عن مهاجمته! أم أنّها ستوسّع المواجهة معه، رغم أنّ الجيش بات منهكًا ويحتاج إلى وقفة إنعاش وترميم طويلة، إضافة إلى أنّ المستوطنات الشماليّة باتت شبه فارغة! ولهذا تداعيات اقتصاديّة ومعنويّة كثيرة ومتشعّبة.
إذا شمل وقف إطلاق النار حزب اللّه، فهذا يعني أنّ المقاومة حقّقت ما طمحت إليه، وهو وحدة الساحات، وبطبيعة الحال مع وقف القتال سوف تتوقّف هجمات الحوثيّين على السفن المتّجهة إلى إسرائيل، وهذا أيضًا سوف يسجّل للحوثيّين على أنّه نصر، ففي الوقت الّذي وقف غيرهم من العرب موقف المتفرّج أو المتواطئ، بل وقمع المتضامنين مع المقاومة، شكّل الحوثيّون ضغطًا كبيرًا على الملاحة المتّجهة إلى إسرائيل، وهذا له أثره الاقتصاديّ والمعنويّ والعسكريّ، وهذا يحدث لأوّل مرّة في تاريخ الصراع العربيّ الصهيونيّ، فمثل هذا السبب كان ذريعة إسرائيليّة لعدوان حزيران عام 1967 بعد قرار مصر إغلاق باب المندب، أعادت إسرائيل بعد نصرها الكبير في ستّة أيّام، فتح باب المندب والملاحة إلى خليج إيلات، بينما يظهر الآن تحوّل كبير بظهور لاعب جديد على الساحة وهم الحوثيّون، رغم تدخّل أميركا وبريطانيا المباشر لصدّ هجماتهم.
وقف إطلاق النار يعني البدء في عودة النازحين الإسرائيليّين إلى مستوطنات غلاف غزّة، وفي المقابل يعني البدء بإعادة بناء قطاع غزّة وفشل الهدف الأكبر لنتنياهو وحكومته في تهجير الفلسطينيّين، كلّ هذه أسباب تجعل نتنياهو يتملّص من الالتزام بصفقة لوقف مستدام لإطلاق النار، طبعًا إضافة إلى قضيّته الشخصيّة ومحاكمته.
من جهة أخرى فإنّ استمرار القتال والرفض للصفقات المقترحة مرّة تلو أخرى، ليس مجّانيًّا، فاستمرار الحرب يرافقه سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الإسرائيليّين والخسائر الاقتصاديّة، كذلك زيادة الضغط الدوليّ والدخول في نفق عزلة إسرائيل أكثر وأكثر، ومواصلة انفضاح المنخرطين في قافلة التطبيع، إضافة إلى استمرار وتعمّق أزمة الثقة بين الإسرائيليّين المهجّرين من المناطق الحدوديّة في الشمال وفي غلاف غزّة وضغط أهالي الأسرى والرهائن ومناصريهم، وما يجري في العالم من تحوّلات، كلّها تضع نتنياهو في موقع ووضعيّة بالع الموس، فلا هو يستطيع ابتلاعه ولا هو قادر على انتزاعه من حلقه.

1