أحدث الأخبار
الثلاثاء 16 نيسان/أبريل 2024
أوهام الاحتلال في دفن المقاومة!!
بقلم : سهيل كيوان ... 22.06.2023

يعيش الاحتلال وهما قديما، بقدرته على دفن الرَّغبة لدى الفلسطينيين في المقاومة، وبأنّه قادر على كبت روح التحرُّر لديهم، وذلك من خلال تصعيد القمع، وعملا بالقاعدة العدوانية «ما لم يفلح بالقوة فإنه يحتاج إلى المزيد من القوة».
هذا الوهم يتجدد منذ النكبة حتى يومنا، يجدّده الاحتلال كل بضع سنوات، فما أن تنمو المقاومة ويشتدَّ عودُها حتى ينفّذ الاحتلال هجمة، في كل مرَّة يطلق عليها اسما مختلفا، فهي عمليات تأديبية تارة، وهي اجتياح، أو عملية واسعة، أو محدودة، أو حربٌ شاملة. ولا تلبث المقاومة أن تتصاعد من جديد، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى عُقم هذه السياسة وإفلاسها، وقصر نظر أولئك الذين يرسمونها.
المقاومة الفلسطينية سواء المنظمة أو العفوية في إمكانياتها المتواضعة جدا تثبت مرة تلو الأخرى أن القوة العسكرية مهما بلغت من الضخامة لن تستطيع دفن إرادة الشعب في التّحرر من الأجنبي الذي يعيث فساداً في أرضه، ويحرمه من الحياة الحرّة والكريمة، لتصبح الحياة نفسها رخيصة، يتنازل عنها شبان في عمر الورود بمحض إرادتهم، فيشنّون هجمات مقاوِمة، وهم يدركون أنهم في طريقهم إلى الاستشهاد، ولكن برضى وقناعة.
منذ بداية هذا العام استشهد أكثر من 172 فلسطينيا من مختلف الأعمار، أصغرهم لم يكن قد بلغ الثالثة بعد.
اللافت في قائمة الشُّهداء منذ بداية العام، أن نصفهم تقريبا ولد بعد انتفاضة عام 2000، أو كان في روضة أطفال في حينه. أما شهداء انتفاضة عام 2000 واجتياح 2002 فنصفهم ولد بعد اجتياح بيروت عام 1982 ـ ومنهم من شارك في انتفاضة الحجارة عام 1987 التي أبهرت العالم. هذا يعني أن جيل الشُّهداء الجديد لم يشهد الانتفاضات السَّابقة، ولكنّه حمل تراث المقاومة التي تنتقل من جيل إلى جيل، واستمد طاقته منها ورغبته القوية في التخلّص من الاحتلال، وهذا يعني أنه لا يمكن للأجيال الفلسطينية اللاحقة أن تسلّم في فكرة فقدان وطنها وحرّيتها مثلما لم تسلم الأجيال السابقة، وهذا يعني أنَّ كل ما ارتكبه الاحتلال في تاريخه منذ سبعة عقود، لم ولن يقتل روح المقاومة، والعكس صحيح، كلّما ازداد الاحتلال في قمعه وجرائمه جاءت الرُّدود عليه أكثر حزما إيلاما.
الآن بعد العمليات الأخيرة في جنين وتدمير عدد من آليات الاحتلال ثم مقتل مستوطنين قال بنيامين نتنياهو إنّ كل الاحتمالات واردة! ماذا يمكن أن يكون الاحتمال الأسوأ؟ اجتياح المدن التي فيها بؤر المقاومة نابلس وجنين وبعض المخيمات والقرى، مجازر جديدة وهدم جديد وآلاف المعتقلين الجدد! وما هي النتيجة المتوخاة! أو عمليات اغتيال لقيادات فلسطينية مقاوِمة. عودة إلى الطريق المسدود نفسه، قتل وسجن وهدم واغتيالات، وفي المقابل مقاومة أشرس، فكلما خسر الفلسطينيون أكثر، كانت النتيجة استنفار واستفزاز الهمم من جديد واستعدادا أكبر للتضحيات. الشهداء في نظر الاحتلال أرقام عابرة، فهو يحسب قتلاه ولا يحسب قتلى الجانب الآخر، فدمهم مباح ورخيص، من الرضيع حتى الشيخ. لكلِّ شهيد أسرة ثاكل أو أطفال تيتموا، ولكل منهم حياة وأحلام وطموحات قطعها الاحتلال بوحشيته وساديته. لقد رفست حكومات الاحتلال المتعاقبة كل المبادرات العربية والفلسطينية للسّلام، التي كان أبرزها مبادرة السلام العربية عام 2002، والتي أعربت فيها دول الجامعة العربية عن استعدادها إلى عقد سلام ثابت مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل الأرض، التي تعني إقامة الفلسطينيين لدولتهم المستقلة على حدود عام 1967 والانسحاب من الجولان السوري المحتل وبقية الأراضي اللبنانية. إلا أنّ عقلية الضم والنهب رفضتها، من منطلق القدرة على امتصاص الثمن الذي قد يدفعه الاحتلال بالدماء والمال، مقابل حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، بل حتى طردهم من وطنهم بشتى الطرق.
الاحتلال يتخبَّط ويعيش في أزمة حقيقية، فقادته العسكريون والسياسيون يعرفون أن الاجتياح والقتل والأسر لن يضع حدا للمقاومة، مثلما لم يضع لها حدّا من قبل، وحتما سيكون مردود توسيع رقعة العدوان وتعميقها سلبيا أكثر بكثير من كونه إنجازا، إضافة إلى أنه سيضعف سُلطة رام الله أكثر وأكثر، علما أنّها ما زالت تسهم في تهدئة الميدان بشكل أو بآخر، وانهيارها الذي يحلم به أقطاب الحكومة الحالية، يعني توسيع مساحات المواجهة والصدامية لتكون شاملة في مواجهة الاحتلال.

1