أحدث الأخبار
السبت 13 تموز/يوليو 2024
عن أي نصر يتحدثون!!
بقلم : سهيل كيوان ... 09.11.2023

ماذا بعد حماس، سؤال يستعجلون في طرحه، يقصدون القول بأنَّ نهاية سلطة حماس في قطاع غزّة باتت حتمية، وهذا يدخل أوّلا في باب الحرب النّفسية ضد المقاومة! وهو نوعٌ من الطمأنة للشعب في إسرائيل وللحلفاء في أمريكا وأوروبا وبعض أنظمة العرب، بأن النّصر بات قاب قوسٍ وأدنى، فتحلّوا بالصّبر، ولا تضغطوا علينا لأجل هدنة إنسانية.
إلا أن عسكريين مختصين يقولون، بأنَّ المقاومة ما زالت منظّمة، رغم كلِّ الضربات العنيفة وسياسة الأرض المحروقة، فهي قادرة على القيام بهجمات مضادة، والتواصل بين القيادة والقواعد، وتتكبَّد قوات الاحتلال خسائر كبيرة. نتنياهو تحدَّث عن أن إسرائيل ستتولى المهمة الأمنية الشاملة في قطاع غزة، «بعد النصر»، لم يذكر دور السُّلطة في رام الله، لأنَّه يتجاهلها أصلاً! وردَّ عليه البيت الأبيض ردّا رمادياً، بأنَّ الرئيس جو بايدن «ما زال يعتقد بأن احتلال غزة ليس بالأمر الجيّد، وهذا ليس في صالح إسرائيل». وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينيكن أخبر رئيس السُّلطة الفلسطينية محمود عباس بأنَّه يرى للسُّلطة دوراً محورياً في إدارة شؤون قطاع غزة، بعد انتهاء حكم حماس! وشكره على دور السُّلطة في تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية، وأبدى محمود عباس استعداده للمساعدة في إدارة القطاع في إطار حل شامل».
الحقيقة أنَّه لا توجد تهدئة في الضفة الغربية، فعددُ الشُّهداء منذ بدء الحرب يقترب من 170 شهيداً و2200 جريح، وعدد المعتقلين حوالي 2150 معتقلاً، وجرى تهجير حوالي 100 عائلة بدويّة، ووصل عدد اعتداءات المستوطنين إلى 400 اعتداء منذ بداية الحرب على الأملاك والحقول وأشجار الزيتون، وهُدمت بيوت وجرى تخريب أملاك وتجريف شوارع، كذلك قُتل وجُرح عددٌ من الإسرائيليين وأحرقت بعض آلياتِهم. بِغضّ النَّظر عن الخلافات بين حركة حماس وسُلطة رام الله، فما يجري في قطاع غزة ليس حرباً ضد حماس وحلفائها فقط، كما تزعم قيادة إسرائيل والإدارة الأمريكية، بل هي حربٌ ودعوة صريحة إلى تهجير الشّعب الفلسطيني بالنار والحديد والفوسفور، إنها نكبة جديدة لا تقل بشيء عن نكبة عام 48، بل إن أعداد الضحايا في هذه المذبحة، أكبر بكثير من عدد ضحايا عام النكبة الأولى، خصوصاً في أعداد الأطفال والنساء! محمود عباس، بالكاد يُسيطر على الضفة الغربية، ولن يكون قادراً على لعب دور في قيادة القطاع، وسوف يراه معظم أهل غزة كصنيعة للاحتلال، وليس قائداً يمثّلهم. وبغض النّظر عمّن سيدير القطاع في حال تفكيك سلطة حماس، فهو سيواجَه بمقاومة شرسة. القضاء على حكومة حماس جائز، ولكن ما لا يمكن القضاء عليه، هو الفكر الذي تحمله حماس، الفكر المقاوم للاحتلال وللظُّلم في إطار ديني عقائدي، فهذا متغلغلٌ لدى جماهير واسعة من الشَّعب، خصوصاً في قطاع غزّة، ومن يتابع ردود أفعال الناس تحت القصف، يلاحظ هيمنة الفكر الديني، وهذا سوف يزداد عمقاً، بالذّات بعد التجويع والمجازر التي تمارس، كذلك بعد التصريح الواضح بنوايا تهجير جديد من مخيمات سبق وجاءوا إليها مهجَّرين من وطنهم الذي لم ينسوه بعد، وما زالوا يرون أنّ حقَهم في بلادهم قائمٌ، ولم تُقنعهم موازين القوى غير المتكافئة بالتنازل عن هذا الحق. قد يرفع الاحتلال راياته فوق أطلال مباني السُّلطة المتبقية لحماس، وفوق مستشفى الشّفاء والمخابز المدمّرة، وأنقاض جامعة الأزهر ومدارس الأونُروا، وغيرها من مؤسّسات، ولكنها لن تكون نهاية الحرب. سيكون من المستحيل على جيش الاحتلال «تطهير» قطاع غزة والأنفاق والمنازل المهدّمة من المقاومين، والشَّعب الذي دفع كل هذه التضحيات، وفقد الكثير في ماله وأبنائه، سيكون جاهزاً أكثر بكثير لفعل المقاومة، وما سمعه العالم من أطفال يبكون فوق جثث إخوانهم وهم يُقسمون «والله لآخذ لك بثارك يا خوي» سوف يترجم إلى واقع، وهذا ليس كلاماً عابراً.
عندما احتل الأمريكيون بغداد، رفعوا الأعلام الأمريكية على تمثال لصدام حسين في بغداد، وتوهّموا بهذا أن الأمر قد انتهى، إلا أنَّ الحرب الحقيقية بدأت بالذات بعد سقوط بغداد، انحلَّ الجيش النظامي، وبدأت حرب عصابات وعمليات قنص وهجمات وتفجيرات ضد القوات الأمريكية، كلّفتها خسائر كبيرة في الأرواح، أكثر مما خسرته في الحرب النظامية. حتى لو نجح جيش إسرائيل في قتل قادة حماس كلِّهم، فهذا ليس جديداً أصلاً، لقد اغتال الاحتلال وقتَل قيادات من العسكريين والسياسيين من الصف الأوّل من مختلف التنظيمات الفلسطينية على مدار عقود من الصراع، وشتَّت المقاومة الفلسطينية وأخرجها من بيروت عام 1982، ولكن المقاومة في لبنان لم تتوقّف وولد حزب الله، كذلك لم تمض سوى خمس سنوات حتى اندلعت انتفاضة 1987 من غزة، وفي خضمّها نشأت حركة حماس، التي لم تكن معروفة من قبل، ثم انتفاضة عام 2000 التي فجّرها أرييل شارون بدخوله الاستفزازي إلى باحات المسجد الأقصى. الحلول العسكرية مهما بدت كانتصارات في بداياتها، فالفشل الحتمي مكتوبٌ لها، ما دامت المشكلة الجذرية بلا حلّ، بل تزداد تعقيداً بعد كل حملة عسكرية لإنهائها بالعنف. لقد توهّم نتنياهو، وما زال يتوّهم أنه بقدرته وفهلويته إقامة سلامٍ مقابل السّلام، أي من دون إقامة دولة فلسطينية، هذا الوهم غذّاه ما يسمى التنسيق الأمني مع السُّلطة في رام الله، وبعض الأنظمة العَربية، التي سارعت إلى التطبيع مع دولة الاحتلال. يريد نتنياهو من خلال التّدمير الشامل لقطاع غزة، أنْ يقولَ للشعب الإسرائيلي أّننا قتَلنا مقابل كل إسرائيلي عشرين فلسطينياً، ومقابل كل بيت تضرَّر عندنا هدمنا مئة منزل، ويتوهّم أنّه كلما ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين، فإن هذا سيخفِّف من هول ما حدث ومن العقاب الذي ينتظره، ويحاول ترجمة هذا إلى عملية ترحيل وتهجير كإنجاز يتوِّج به حربه، ليعود إلى الشعب من هذه الحملة، وقد اقتلع جذر المشكلة بالتّهجير! إلا أن أصدقاءه الأوروبيين والأمريكيين، يعرفون أن هذا ليس حلاً، خصوصاً بعد رفض عبد الفتاح السِّيسي للفكرة، لعدم قدرته على تحمُّل عواقبها. لن تنتهي المقاومة لأن الشَّعب الفلسطيني مصرٌ على الحياة بحرِّية وكرامة، كذلك فإن الشُّعوب العربية، خصوصاً تلك التي عقدت أنظمتها اتفاقات سلام وتطبيع مع إسرائيل، صارت ترى الصُّورة بوضوح أكثر، فقادة إسرائيل يحلمون بسلامٍ على أشلاء الفلسطينيين، وليس معهم ولا إلى جوارهم، ويطمعون بالهيمنة على المنطقة وليس العيش فيها بسلام.
كذلك من آثار هذه الجرائم ضد الإنسانية أن اللاسامية بدأت ترفع رأسها حول العالم، هذا ما عبّر سياسيون إسرائيليون عنه! كتب عوزي برعام القيادي السّابق في حزب العمل في صحيفة «هآرتس» أمس الأربعاء» إن أصدقائي من مختلف دول أوروبا الذين كانوا ينتقدون الاحتلال نقداً سياسياً، تحوّلوا إلى مواقف لاسامية نتيجة ما يرونَه في هذه الحرب». ويقول «في عام 1991 ألغَت الأمم المتحدة قراراً سابقاً كان قد اتخذ عام 1975 بأنَّ الصهيونية حركة عنصرية، الآن تعود هذه الفكرة بقوِّة حول العالم». فعن أي نصر يتحدثون، وعن أي إدارة للقطاع يتوهَّمون!

1