أحدث الأخبار
الثلاثاء 16 نيسان/أبريل 2024
بيت دراس: من ذاكرة القرية الدارسة !!
بقلم : الديار ... 24.02.2024

في سنة 1950، أقامت الدولة العبريّة ثلاث مستعمرات على أراضي بيت دراس، هي: مستعمرة عزريكام، وإمونيم، وكذلك مستعمرة جفعاتي باسم زموروت في موقع خربة عودة الّتي كانت تتبع لبيت دراس...
هذه المادّة هي التاسعة ضمن سلسلة قرى قضاء غزّة المهجّرة الّتي حوّلت لمستوطنات ما يعرف بغلاف غزّة الّتي ننشرها تباعًا…يقال إنّ أهلها كانوا من أصعب الناس مراسًا، لعنادهم وشدّة بأسهم، وقد خلّد غناؤهم الشعبيّ طباعهم تلك منذ أن استشاطوا غضبًا وزعلًا على قمح حقولهم الّذي اقتلعه الإنجليز في ثلاثينيّات القرن العشرين وهو لا يزال أخضر من أرضهم في الجوخدار غربيّ بيت دراس، ليبني فيها الإنجليز كامبهم العسكريّ، فغنّى البدارسة يومها للجوخدار أرضهم على وزن الدلعونة ردّة، يقول مطلعها:
يا عين ابكي ويا عيني لوبي... ع الجوخدار الأرض المنهوبة... (1)
ليس العناد فقط، إنّما عرف عن البدارسة خشونتهم ويباسة رؤوسهم الّتي ظلّت محلّ تندّر بين كلّ قرى لواء غزّة عنهم. فمن من البدارسة لا يتذكّر حكاية يوم أن غنّوا: "سبوع البدارسة يا بياضة... تذبحوا الأسدوديّ في الغياضة" (2). والغياضة، هو اسم الطريق الّتي كانت تربط قرية بيت دراس بأسدود في الشمال الغربيّ منها، وقد قرّر أهالي بيت دراس سدّها بوجه أبناء أسدود، ومنعهم المرور منها، بعد أن أهان أسدودي أحد أبناء بيت دراس في سوق الأربعاء الّذي كان يقام في أسدود، فسدّ البدارسة عليهم الغياضة، وتوعّدوهم قاطعين الطريق على محاصيل أسدود، إلى أن تدخل أهل الحلّ والعقد من كلتا القريتين، وحلّوا ذلك الخلاف، الّذي ظلّ من نوادر نزاعات القرية الخالدة، الّتي خلّدها غناء وأهازيج أهالي بيت دراس.
ومن هنا، قول البدارسة الشهير "إحنا قرية مالهاش عم" (3)، أيّ مستقلّة لا سيّد عليها، ولا زنقيل أو مقطعجي تتبّع له القرية، أو يعمل أهلها عنده. على خلاف بعض القرى الأخرى، الّتي كان يعمل بعض أهاليها فلّاحين وأجيرين في أراضي زناقيل وملّاك مدينة غزّة.
في اسم القرية وموقعها
لم يجمع البدارسة، على أصل تسمية قريتهم، والّتي يردّ بعضهم أصل تسميتها إلى إدريس النبيّ، الّذي اعتقدوا بأنّه مدفون في ذلك القبر الكبير داخل بيّارة نصّار على الطريق المؤدّي إلى أسدود. ومن إدريس النبيّ يقال إنّ التسمية حرّفت إلى بيت دراس (4). بينما شيخ إتحاف الأعزّة يقول: إنّ اسمها بيت دراس، لأنّها كانت بيتًا للتدريس والمدارس العلميّة منذ وثنيّتها قديمًا، وفيها مدارس اليهود (5). إلّا أنّ الأقرب للصحّة برأينا هو أنّ اسمها مشتقّ من درس الحنطة فيها تاريخيًّا (6). وتقول رواية أخرى: إنّ اسمها متّصل ببيت النبيّ إدريس الدارس فيها، أي المهجور (7) خصوصًا وأنّ قرية بيت دراس كفريّة (أثريّة) الموقع، تحوي آثارًا قديمة تدلّ على إرث توطنها منذ القدم.
إلى الشمال الشرقيّ على مسافة 46 كيلو مترًا من غزّة المدينة، كانت تقع قرية بيت دراس المهجرة، والّتي ظلّت أواصر ترابط ترابها مع تراب أسدود الواقعة إلى الشمال الغربيّ منها على مسافة مرمى الحجر. وكذلك قرية حمامة عسقلان الّتي كانت تحدّها من الغرب مباشرة، وتفصلها عن البحر، أمّا من شرقها والشرق الجنوبيّ، فكانت تحيطها قرى السوافير أو السوافريّات بلغة البدارسة، الغربيّة والشرقيّة والشماليّة. بينما قرى البطّانيّات، البطّان الغربيّ والشرقيّ، تحيطان ببيت دراس من شمالها، ومن الجنوب كانت تحدّها قرية جولس.
إنّ الطرق الّتي كانت تربط بيت دراس مع القرى المحيطة فيها، كانت كلّها ترابيّة، وقد شقّتها سيول مسارب ماء الشتاء، وكانت تعرف بأسمائها المائيّة، فالطريق ما بين بيت دراس والسوافير الغربيّة كان اسمها الشلّال، وهو سيل شتائيّ كان عليه جسر يصل بين القريتين. وكذلك الطريق بين بيت دراس وقرية جولس جنوبًا، كانت تعرف بـ "جورة المودّعين" شقّها مجرى ماء الشتاء تاريخيًّا، وسمّيت بجورة المودّعين، لأنّ البدارسة كانوا يودّعون حجّاجهم إلى بيت اللّه الحرام عندها. كما كان مسيل وادي المجاردة غربيّ بيت دراس يعتبر مع الغياضة الرابط المؤدّي إلى أسدود (8).
من عند عين القفّ في جبال الخليل شرقًا، كان يأتي واد العروقيّة كما يسمّيه البدارسة، ليمرّ من شرقيّ قريتهم فاصلًا إيّاها عن السوافير الشرقيّ والغربيّ. وفي الشتاء، كانت حملاته لمياه المطر يمكنها أخذ السفينة كما يقول الحاجّ أحمد المقدمي، لقوّة هدير مائه الّذي كان ينبت الشومر ليصل إلى طول الزلمة على حافّتي الواد (9)، ثمّ يشقّ طريق جريانه نحو منطقة الحلفا، إلى أن يستقرّ في البحر من شماليّ أسدود.
ثكنات ومستعمرات
لم يذكر أن أحيطت قرية في كلّ لواء غزّة بثكنات الجيش البريطانيّ وبمستعمرات الصهاينة، مثلما أحيطت بها قرية بيت دراس، وربّما هذا ما يفسّر وعي البدارسة المبكّر بالمشروع الصهيونيّ ونفورهم من سلطات الاستعمار البريطانيّ، ما جعل لهم دورًا أبرز في الثورة الكبرى (1936 – 1939) وأحداث النكبة بعدها، تمايز عن موقف قرى كثيرة في تلك المنطقة. ففي منطقة الجوخدار غربيّ بيت دراس أقام البريطانيّون موقعًا عسكريًّا، أطلق عليه أهل القرية اسم "كامب أبو جهم". كما أقاموا كامبًا عسكريًّا آخر جنوب القرية عند قرية جولس، سمّاه البدارسة "كامب الخسة" (10). إضافة إلى المطار الإنجليزيّ الحربيّ شرقيّ القرية عند السوافير، وإلى الشرق من السوافير الشماليّة كانت مستعمرة بيار تعبيا الصهيونيّة، - بئير توفيا بالعبريّة – على مسافة 4 كم عن بيت الدراس. فيما مستعمرة "نيتسانيم" الصهيونيّة كان موقعها غربيّ بيت دارس ما بين حمامة وأسدود.
كانت هذه الثكنات والمستعمرات خناقًا في حقيقتها، وقد أثبتته أحداث النكبة لاحقًا عند احتلال القرية. غير أنّ السور الحقيقيّ المحيط ببيت دراس، هو صبّارها الشوكيّ الّذي كما لو أنّ القرية قد التحفته غلافًا متآخية معه، وقد جاوز ارتفاع ألواحه الأربعة والخمسة أمتار أحيانًا (11)، للحدّ الّذي لم يكن يمكن رؤية بعض بيوت القرية منه في بعض نواحيه.
الحجر والأثر
بيت دراس، كانت تعتبر من القرى الكبيرة في لواء غزّة، من ناحية عدد سكّانها الّذي تجاوز الثلاثة آلاف نفر قبيل النكبة، وكانت القرية مقسّمة إلى أربعة أرباع، أي أربع حارات هي: المقادمة نسبة إلى حمولة مقدمي، وحارة الشماملة نسبة لحمولة أبي شمّالة، وحارة البواريد نسبة لآل بارود وحارّة العوابدة نسبة لدار عابد فيها، وكانت تسمّى حارة المصاروة؛ لأنّ مصريّي بيت دراس كانوا يسكنونها. ولكلّ ربع كان مختارًا خاصًّا به (12). وفي بيت دراس جامعان للصلاة، جامع الشماملة في حارة أبي شمالة، وجامع الشيخ ياسين أو أبو ياسين في وسط القرية. جامعان بلا مآذن ولا قباب فوقهما، إلّا مؤذّنين أحدهما كان خليل العزيز بحسّ صوته العزيز، وقد استشهد خليل مؤذّن جامع النبيّ ياسين، يوم نزوح أهالي القرية عام النكبة على طريق قرية حمامة، وتركوا جثمانه في ذمّة ثرى رملها إلى يوم الدين (13).
في أرض البزّة، جنوب بيت دراس على طريق جولس، كان مقامًا للنبيّ صالح، قلما أمه البدارسة، لأنّ المقامات في القرية وذاكرتها تكاد لا تذكر. مع العلم أنّ في بيت دراس عوائل اتّبعت التصوّف الطرقيّ، وأشهرها كانت عائلة أبي الكاس، الّتي كانت تتصدّر موكب القرية إلى موسم المنطار في غزّة، وكذلك زيارة مقام الشيخ المدبوليّ في أسدود برفعها الرايات الخضراء وقرعها الطبول المصحوب برنين كاسات الدروايش. وعبد اللطيف أبو الكاس كان واحدًا من أبناء هذه العائلة، ومريدي طريقتها الصوفيّة. استشهد عبد اللطيف في خان يونس سنة 1956 في حرب العدوان الثلاثيّ على مصر (14).
من أبرز المواقع الأثريّة في بيت دراس، كان موقع "الرجال الأربعين"، ويطلق عليه البدارسة مرجع الرجال الأربعين، دون أن يعرف أهالي القرية من يكونون الأربعين وأيّ الرجال هم. والموقع عبارة عن سرداب باب مدخله في حارة المقادمة، ويقال إنّه كان يمتدّ تحت الأرض حتّى أسدود (15). أمّا "البردغة" فهو الموقع الكفريّ الأقدم ما بين بيت دراس وقرية البطّان الغربيّ، وفيها مقام كان يسمّى "مقام أبو قفة" وله قبّة معروفة بـ "قبّة بردغة" (16)، غير أنّ بردغة في ذاكرة البدارسة ظلّت متّصلة بالعدس وزراعته في أرضها، أكثر ممّا كانت تحيلهم لحكاية أبو قفة ومقامه.
من غربيّ القرية كان البدارسة يحملون ماء شربهم على رؤوسهم بعد نشله من بئر الأدعس، البئر الأشهر في بيت دراس، والّتي تنسب في اسمها إلى شخص أسدوديّ من دار الأدعس كان صاحب مطحنة القمح الّتي كانت تعمل مياه البئر (17). وشرب أهالي بيت دراس أيضًا من آبار البيّارات المحيطة بالقرية. كما أسّس أهالي بيت دراس سنة 1922 مدرسة حديثة خاصّة بتعليم أولادهم، بعد أن اشتروا أرضها على نفقتهم الخاصّة، وكان التعليم فيها حتّى الصفّ الخامس، وقبل ذلك كان يتعلّم أولاد البدارسة إمّا في جامعي القرية أو في أسدود.
الذاكرة النضاليّة
ظلّت سيرة نضال البدارسة مشعّة منذ مراحل مبكّرة من حكم الاستعمار البريطانيّ في البلاد، خصوصًا في ظلّ إحاطة القرية بالثكنات العسكريّة والمستعمرات الصهيونيّة الّتي وردت سابقًا، كما التحق أبناء بيت دراس في صفوف الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936-1939) وكان منها مجاهدون شاركوا في أعمال الثورة، وصاروا مطلوبين لسلطات الجيش البريطانيّ، وقد تعرّضت بيت دراس للطوق الأمنيّ وحظر التجوّل والتفتيش مرّات عديدة.
غير أنّ الدور النضاليّ الأبرز للقرية، كان في أحداث النكبة سنة 1948، حيث دافع البدارسة عن قريتهم ما بين 16 آذار/مارس و 21 أيّار/مايو في أربع معارك شهيرة خاضتها القرية كتفًا إلى كتف مع بعض أبناء القرى المحيطة فيها، ضدّ الصهاينة قبل سقوطها بأيديهم واحتلالها وتهجير أهلها.
كانت المعركة الأولى في 16 آذار/مارس حيث تمكّن فيها البدارسة من صدّ هجوم كبير قام به الصهاينة، الّذين هدموا فيه بيتين من بيوت بيت دراس، وقتلوا ثلاثة رجال بدارسة وامرأة، كما جرح في هذا الهجوم حسين عقيل أحد مخاتير القرية. ثمّ كانت المعركة الثانية الّتي وقعت في 13 نيسان/أبريل، بعد كرّر الصهاينة هجومهم على القرية غير أمّ مقاومة أبنائها أفشلت ذلك الهجوم (18).
في الأوّل من أيّار/مايو قامت القوّات الصهيونيّة بهجوم ثالث على القرية عند ساعات الفجر، وأخذت تدكّ القرية بنيران المدافع من موقع نصّار إلى أن احتلّ الصهاينة يومها مدرسة القرية، إلّا أنّ المقاومة في القرية تمكّنت من استرجاع المدرسة بعد أن هبّت كلّ من أسدود وحمامة وأهالي قرى السوافير والبطّانيّ لنجدة بيت دراس في معركة أعتبرت من أكبر وأشرس معارك ديار غزّة في أحداث النكبة، إذ سقط ثمانية شهداء من أبناء بيت دراس والقرى المجاورة، وعشرات القتلى في صفوف الصهاينة (19).
في يوم 21 أيّار/مايو هاجمت القوّات الصهيونيّة بيت دراس مدجّجة بالمصفّحات، وطوّقت بيت دراس من الجهات الأربع لمنع وصول الإمدادات للقرية. أحرق الصهاينة يومها بيادر القرية، وارتكبوا مذبحة في نساء البدارسة وأطفالهنّ، بينما ظلّ رجال القرية في مواقعهم يدافعون عن حرمة قريتهم دفاعًا باسلًا دفع ثمنه ما لا يقلّ عن 33 شهيدًا من رجال ونساء وأطفال بيت دراس، إلى أن قدمت قوّات من الجهة الغربيّة تحمل راية عربيّة، ظنّها البدارسة نجدة جاءت لنجدتهم، تبيّن بعدها أنّها قوّة صهيونيّة متخفّية شاركت في محاصرتهم واحتلال القرية وتهجير أهالي بيت دراس بعد ملحميّة بطوليّة سطرها البدارسة في الدفاع عن قريتهم وبيوتهم بدماء رجال ونساء وأطفال بيت دراس (20).
في سنة 1950، أقامت الدولة العبريّة ثلاث مستعمرات على أراضي بيت دراس، هي: مستعمرة عزريكام، وإمونيم، وكذلك مستعمرة جفعاتي باسم زموروت في موقع خربة عودة الّتي كانت تتبع لبيت دراس.
الهوامش:
(1) أبو شمّالة، ساكب، بيت دراس، مقابلة شفويّة، موقع فلسطين في الذاكرة: ضمن مشروع تدوين الرواية الشفويّة للنكبة الفلسطينيّة، تاريخ 30 -3 -2009.

(2) المقابلة السابقة.

(3) المقابلة السابقة. راجع أيضًا: عمرو، محمّد ياسر، قرية بيت دراس، موسوعة القرى الفلسطينيّة: قسم دراسات القرى، 2023.

(4) المقدمي، أحمد إبراهيم، بيت دراس، مقابلة شفويّة، موقع فلسطين في الذاكرة: ضمن مشروع تدوين الرواية الشفويّة للنكبة الفلسطينيّة، تاريخ 15-1-2009.

(5) الطباع، الشيخ عثمان مصطفى، إتحاف الأعزّة في تاريخ غزّة، تحقيق: عبد اللطيف زكي هاشم، مكتبة اليازجي، غزّة، 1999، ج2، ص424.

(6) سكيك، إبراهيم خليل، غزّة عبر التاريخ، ج6، ص17.

(7) أبو شمّالة، ساكب، المقابلة السابقة.

(8) المقابلة السابقة.

(9) المقدمي، أحمد إبراهيم، المقابلة السابقة.

(10) المقابلة السابقة.

(11) أبو شمّالة، ساكب، المقابلة السابقة.

(12) عمرو، محمّد ياسر، بيت دراس، ص6.

(13) المقدمي، أحمد إبراهيم، المقابلة السابقة.

(14) عمرو، محمّد ياسر، المرجع السابق، ص20.

(15) المقدمي، أحمد إبراهيم، المقابلة السابقة.

(16) سكيك، إبراهيم خليل، المرجع السابق، ج6، ص18.

(17) أبو شمّالة، ساكب، المقابلة السابقة.

(18) سكيك، إبراهيم خليل، المرجع السابق، ج6، ص19.

(19) المرجع السابق، ج6، ص19.

(20) المرجع السابق، ج6، ص20.

*المصدر : عرب48

1