أحدث الأخبار
الخميس 25 تموز/يوليو 2024
بين أقوال المؤتمرات وأفعال المؤتمرين… نفاق دولي وتخاذل إنساني!!
بقلم :  لطفي العبيدي ... 12.03.2023

ماذا حدث بعد نحو أربعة عقود من زمن الليبرالية التي هيمنت على العالم؟ ببساطة، نعيش اليوم في عالم مليء بالمخاطر المحدقة بنا، والأزمات الاقتصادية والأمراض المعدية والأوبئة الجديدة، وربما حروب نووية سيكون لها مع التغيرات المناخية تأثير خطير على البشرية جمعاء، رغم أنّ الدول الأطراف في معاهدة حظر الأسلحة النووية أصدرت إعلان فيينا، الذي يدين جميع التهديدات باستخدام الأسلحة النووية بوصفها انتهاكات للقانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، ويطالب الإعلان جميع الدول المسلحة نوويّا بعدم استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها تحت أي ظرف من الظروف.
عقدوا المؤتمرات تلو المؤتمرات، وفي الأخير دفعوا العالم إلى حافة الهاوية، ووضعوه على صفيح ساخن، وسعّروا لهيب المواجهات والصدام. من أجل ماذا؟ لا شيء سوى عبادة المصالح، ثم يتحدّثون عن حقوق الإنسان والعدالة، وحماية الأقليات واللاجئين. لا معادلة أخلاقية أو إنسانية في ميزان أفعالهم أو سلوكياتهم. عوض تنمية الدول الفقيرة ومحاربة الجوع والفقر والأوبئة، يدفعون نحو حروب الاستنزاف، على شاكلة ما يحدث على الأراضي الأوكرانية، ويضخّون آلاف المليارات في معارك مدمرة تتفاقم تداعياتها على جميع دول العالم من حيث أزمات الطاقة والغذاء والتدهور الاقتصادي والاجتماعي. وطبقا للتقرير الصادر منذ مدّة عن مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، فإن الارتفاع الحاد في عدد الكوارث على مستوى العالم، يمكن أن يُعزى إلى تصور خاطئ للمخاطر على أساس التفاؤل والتقليل من الأهمية والشعور بالمناعة.
وحذّر التقرير من إمكانية أن يقود ذلك الأمر إلى قرارات تتعلق بالسياسة والتمويل والتنمية، أدت إلى تفاقم مواطن الضعف وتعريض الناس للخطر، والانقلاب المناخي قد يصل ذروته إن لم تُتخذ إجراءات صارمة للحد من آثاره، ينعكس ذلك على ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، وحدوث العديد من الكوارث شديدة الخطورة. وما تزال الالتزامات المناخية التي تعهدت بها الدول غير مترجمة إلى خطط على أرض الواقع.
لا يمكن للرأسمالية العالمية على النحو الذي تنتظم به اليوم أن تكون مهيأة لمواجهة مثل هذه المخاطر، فالأعراض المرضية للنظام الليبرالي الغربي كثيرة. وقد تظل النيوليبرالية تعويذة النخبة المهيمنة بتعبير تشومسكي، لكنها مترنحة بشكل واضح، فقد أحدثت تأثيرا قاسيا في معظم الشعوب في كل مكان تقريبا. مع ذلك، هناك من يرى أنّه من المرجّح أن يبقى المشروع الدولي الليبرالي حيّا في أزمات اليوم أيضا، وأنّه ليس من المحتمل أن تُعوّض الصين أمريكا مستقبلا باعتبارها مهيمنا غير ليبرالي، كما ليس من المرجّح أن يصعد جنوب العالم باعتباره كتلة جيوبوليتيكية تتحدّى بشكل مباشر النظام الذّي تقوده واشنطن. فقط، سوف تستمر الولايات المتحدة إلى جانب حلفائها القدامى لتكون جزءا أصغر من العالم بأكمله، وهذا ما سيكبح قدرتها على دعم النظام الدولي الليبرالي والدفاع عنه. ويبدو أنّ الدول التّي تسعى لتحقيق الهيمنة الإقليمية لها هدف آخر، إنّها تسعى لمنع القوى الكبرى في الأقاليم الجغرافية الأخرى من استنساخ ما أنجزوه في أماكن أخرى. بعبارة أوضح حسب ميرشايمر، فإنّ المهيمن الإقليمي لا يريد منافسين أندادا. على سبيل المثال، لعبت الولايات المتحدة دورا مفتاحيا للحيلولة دون فوز كلّ من اليابان الإمبريالية، ألمانيا الإمبريالية، ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي بمكانة التفوّق الإقليمي. وهي اليوم تمارس الدور نفسه ضد روسيا والصين، وتطرح كل الاحتمالات بما فيها المواجهة العسكرية. وكل ذلك حتى لا تفقد هيمنتها على العالم وتفوقها الاستراتيجي، وفرض قواعدها، كما اعتادت لما يقارب ثلاثة عقود على الأقل. ومن المؤكّد في أغلب الأحيان أن تُسبّب النزعة القومية مقاومة كبيرة داخل الدول المستهدفة بتغيير النظام. سوف تساعد سياسة توازن القوى أيضا في إعاقة المشروع في حالات معيّنة، وسوف تقف الدول التّي تتخوف من تغيير النظام أو غيرها من أشكال التدخّل الأمريكي في صفّ واحد لأجل الدعم المتبادل، والبحث عن طرق لإحباط الأجندة الأمريكية الليبرالية. لهذا السبب، ساعدت سوريا وإيران التمرّد العراقي بعد الغزو الأمريكي سنة 2003، كما ساندت كلٌّ من روسيا وإيران بعضهما بعضا اقتصاديا، عسكريا، وداخل المنتديات الدولية على غرار مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة. والأمر ذاته ينطبق على موسكو وبكين. إنّ التدخّل في سياسات البلدان لأجل تحويلها إلى ديمقراطيات ليبرالية بالقوّة، وعلى الطريقة الغربية، خاصة أسلوب أمريكا وثوراتها الانقلابية الملونة، أو تدخّلها التعسفي المباشر، أمر غاية في الصعوبة اليوم، كما أنّ محاولة القيام بهندسة اجتماعية طموحة كهذه على الصعيد العالمي هو أمر ذو نتائج عكسية بالفعل، ومن شأنه أن يُقوّض شرعية المشروع نفسه. وهذا ما يبدو أنّه يحدث في انقلاب للسحر على الساحر كما يقال.
المسار الذي تقوده روسيا والصين يتقدم شيئا فشيئا نحو كسر مركزية الغرب، ومنهجية الهيمنة وسيطرة القطب الواحد، ويحيل على طموحات تحرّرية واضحة تجعل من قومياتهما مركزا للعالم. إنّه صراعٌ دائم لأجل الاعتراف. في وقت أثبتت فيه السياقات التاريخية أنّ أيّ نظام دولي أيديولوجي ارتكز على أيديولوجيا عالمية شمولية، على غرار الليبرالية أو الشيوعية، مُقدّر أن تكون له فترة حياة قصيرة، وسبب ذلك يرجع أساسا إلى الصعوبات الداخلية والعالمية التّي تتصاعد حينما يسعى القطب الواحد إلى إعادة صنع العالم على صورته هو. وتلك الدول التّي تُعظّم ما تشتهيه أكثر ممّا تمتلك حاليا، سوف توظّف القوة العسكرية لتغيير الوضع القائم، وتوسّع حدود ما تُعظّمه وتشتهيه. لهذا ستسعى الصين، كما فعلت الولايات المتحدة إلى أن تكون لها مصالح عسكرية على مستوى العالم، خصوصا في مناطق النفوذ الأمريكي، ويبدو أنّ هذا ما تفعله روسيا أيضا خاصة في مناطق النفوذ الفرنسي في افريقيا، ناهيك من طموحاتها في استعادة جغرافيا الاتحاد السوفييتي السابقة. ومن الطبيعي أن ترى كل من موسكو وبكين أن النظام القائم على قواعد، الذي وضعه الغرب، ويصر على المحافظة عليه بشكل يضمن استمرار مصالحه وعقيدة الهيمنة لديه، هو غير مضياف لأنظمتهم السياسية في الداخل وطموحاتهم في الخارج. على نحو متزايد، هم مستعدون للتصرف بناء على اعتراضاتهم، والقيام بذلك جنبا إلى جنب، ومن هنا تأتي خشية أمريكا من تزويد الصين لروسيا بالسلاح مثلما يفعل الغرب مع أوكرانيا. فدخول الصين على خط المواجهة العسكري، يثير ريبة الناتو. وبالمثل، الولايات المتحدة وأوروبا تشتكيان من «القوة الناعمة» الآسيوية التي حلت محلهما في القارة السمراء، وفي غيرها من الأماكن الاستراتيجية حول العالم.
بالمحصّلة، ليس هناك خيرية استعمارية يقدّمها ما يسمّى «العالم المتحضر» إلى «الشعوب المتأخرة» في شكل مهمة مقدسة، من قبيل مقولة الحوار بين الشمال والجنوب التي نادوا بها زمن التبشير بالعولمة، على نحو ردم الهوة بين الدول المتقدمة، وتلك التي وعدوها باللحاق بركب العصر. وكلّ ما يحدث يبيّن إخفاق المشروع العلماني المادّي النيوليبرالي، الذي انفصل عن جملة القيم الإنسانية. ويبدو أنّ مشروع الحداثة قد شاخ وهرِم، ولم يعد قادرا على مدّنا بما يمكن أن نحمي به أنفسنا من كلّ أشكال الانغلاقات الأيديولوجية، أو أن ننظر إلى الواقع في كلّيته المادية والروحية والأخلاقية على نحو إنساني مشترك، دون تجزئة أو فصل، ودون ازدواجية معايير أو مفارقة في القول والسلوك.

*كاتب تونسي
1