أحدث الأخبار
الخميس 22 كانون ثاني/يناير 2026
الكتابة عنها من خارجها!
بقلم : سهيل كيوان ... 22.01.2026

هل يحق لمن يعيش خارج المكان والتجربة أن يكتب عنها؟
تتكاثر النصوص المكتوبة عن غزّة، مثلما سبق وكُتب عنها هي نفسها وعن مدن وأمكنة أخرى! بعضها يأتي من داخلها، وبعضها يُكتب من مسافة جغرافية قسرية، في المنفى أو في مدن لم تعرف الحصار إلا عبر الشاشات.
يطفو السؤال وأحياناً من خلال همز ولمز: هل يجوز لمن لم يختبر القصف والخوف والنقص في الماء والطحين والدواء وانقطاع الكهرباء، وفيضان المجاري، أن يكتب عن هذه التجربة؟
يرى المعارضون لهذا الحق أنّ غزّة ليست استعارة، ولا رمزاً أدبياً مفتوحاً، بل مكان محدّد بثمن يومي باهظ. الكتابة عنها من الخارج، في نظر هؤلاء، تحمل خطرين كبيرين: أوّلهما الوقوع في التبسيط أو الرومانسية، وثانيهما تحويل الألم إلى مادة لغوية استهلاكية، من دون الوصول إلى جوهر المعاناة.
يخشون من نصوص تكتب عن الحصار دون أن يشعر أصحابها على جلودهم بإيقاعه اليومي، وما الذي يعني لإنسان أن يبقى محاصراً في مدينته مكرهاً منذ ولادته.
كيف يمكن للكاتب أن يترجم هذا في تفاصيل الحياة اليومية؟ كيف يكتب عن القصف من دون أن يسمع ويرى نافذة غرفته تتحطم، ودون أن يرى كيف تتأثر العلاقات داخل الأسرة الواحدة، وكيف يُوزَّع الإنسان بين الخوف والرّغبة في البقاء متماسكاً أمام أبناء أسرته وأطفاله الذين يرون فيه درعهم وبطلهم؟
يذهب بعضهم أبعد من ذلك، فيعتبر أنّ الكتابة عن غزّة أو غير غزة- القدس مثلاً- من خارجها نوع من التطفّل ومصادرة الصوت، حتى لو كانت متعاطفة، لأنها تستعير تجربة لا تُعاش إلا هناك.
في هذا الرأي، لا تكفي المعرفة ولا النيّة الطيّبة. فغزّة كما يقولون، تُعرَف بالنزوح الشخصي وأوامر الإخلاء ورائحة الموت في الطرقات وطوابير الخبز، وانتظار رزمة ما تسقطها طائرة من السماء، وبالخوف الذي يتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة: النوم، الضحك، التخطيط للمستقبل في مكان لا يُعرَف مستقبله بعد ساعات. من لم يعش هذه التفاصيل لا يملك سوى صورة ناقصة، مهما قرأ وشاهد وسمع.
لكن هذا الموقف، على عدالته العاطفية، يطرح إشكالية أخرى لا تقلّ أهمية: هل تتحوّل غزّة إلى مكان مغلق أدبياً، كما هي مغلقة جغرافياً؟ وهل يُطلب من ملايين الفلسطينيين خارج الحصار ومن المتضامنين العرب والأجانب الصمتَ أدبياً أو تأدّباً لأنهم لم يعيشوا هم أنفسهم بشحمهم ولحمهم لحظة وقوع الجريمة؟ في هذا المنع، يرى الراغبون في الكتابة من الخارج نوعاً آخر من الحصار، هذه المرّة على الذاكرة والسرد والحق في التعبير.
الكتابة عن غزّة من الخارج قد تكون ضرورة أخلاقية، ليس لمنافسة صوت الداخل، بل لأنها توسّع دائرة الإصغاء وتمنع عزل المكان في بقعة صامتة من العالم. ومع ذلك، يحتاج الكاتب من خارج المكان إلى شهادات ممّن عاشوا التجربة: مثلاً، ماذا يعني أن يعيش خمسة عشر نفراً في شقّة أُعدّت لخمسة أنفار؟ ماذا يعني أن تحتاج إلى مستشفى بسبب آلام مبرحة في المعدة، بينما المستشفى محاصر والطواقم الطبية تتعامل مع مئات الإصابات الطارئة والنازفة؟
ماذا يعني أن تصلك رسالة نصّية تأمرك بإخلاء الشّقة التي عملتَ عقوداً مع زوجتك لامتلاكها واعتبرتها مشروع حياتك؟
وماذا يعني تشتّت الأسرة الواحدة، والمصير المجهول لواحد أو أكثر من أفرادها!
اختبرتُ شخصياً معنى الاقتراب من غزّة دون أن أكون فيها. كانت آخر مرة زرتها قبل انتفاضة عام 2000، وكانت ما زالت فيها سلطة الراحل ياسر عرفات، كانت رحلة منظّمة وقصيرة جداً. عرفتُها من قبل بزيارات من خلال أقرباء يعيشون هناك.
كذلك تعرّفتُ إليها قبل الحرب في مراسلات طويلة مع أصدقاء افتراضيين لم ألتقهم قط، ومن خلال عمال وأصحاب مهن اشتغلوا في الداخل قبل الحصار وقبل الحرب.
خلال الحرب، حاول بعضهم أن يرسم لي فكرة صادقة عن ما يدور؛ عن الخوف والنزوح والخيام، عن الحرّ والبرد والفيضانات وعن الأمل بهدنة، وعن الفقد وجشع التّجار والصرافين والخوف الحقيقي من الجوع والمرض، وعن القهر وفقدان الحد الأدنى من الأمان. عن الخلافات داخل الأسرة، والنميمة والحسد، والخوف من المجهول، ومحاولات الخلاص الفردية عبر ما يسمى «التنسيق مع المصريين». الانقطاع المفاجئ للتواصل، والعجز عن تقديم شيء يخفّف المعاناة.
تصبح الكتابة عن غزّة من خارجها تطفّلاً حين يتصرّف الكاتب كمالك للحقيقة، أو كناطق باسم الألم، أو حين يستخدم غزّة بوصفها رمزاً جاهزاً للبطولة أو المأساة وللمناكفات الأيديولوجية، يفقد النّص شرعيته، سواء كُتب من الداخل أو الخارج. في المقابل، قد تكون الكتابة من الخارج أكثر تواضعاً حين تعترف بحدودها وتُكتب من موقع الإصغاء لا الاستيلاء.
ربما يكون السؤال الأدقّ ليس من يحقّ له أن يكتب عن غزّة، بل كيف نكتب عنها دون أن نختزلها، ودون أن نحوّلها إلى استعارة مريحة، ودون أن نغلق باب الشهادة باسم الخصوصية؟
لا تُقاوَم المأساة التي يُراد لها العزل إلا بتوسيع دائرة الحكاية. شرطُ ذلك كلّه أن يكون الأدب جسراً أخلاقياً لا منصّة ادّعاء وتنفّج، وأن تبقى غزّة في النص كما في الواقع، أكبر من أي كاتب، وأصدق من أي لغة.
ليس هذا خاصاً بغزّة وحدها؛ فكما كتب الياس خوري «باب الشمس” و»اسمي آدم» اعتمادًا على شهادات لاجئي المخيّمات وحوّلها إلى أعمال روائية كبيرة، ممكن للكاتب أن يبدع من خلال التقاط شهادات ممن عاشوا التجربة.
وكما كتب غسان كنفاني “رجال في الشمس» بعد التقاط قصة حقيقية عن تهريب العمال الفلسطينيين بين العراق والكويت، وهو ما سيحدث مع مهاجرين سوريين تُركوا في شاحنة على جانب الطريق في النمسا عام 2015.
كتب «عائد إلى حيفا» من غير أن يعود إلى حيفا، ولكنه بنى نصّاً أخلاقياً وفلسفياً معتمداً على قصة سمعها عن طفل تُرك في سريره نتيجة الخوف! وعن زيارة بعضهم إلى بيوتهم التي هُجّروها منها عام النكبة ليواجهوا سكانها الجدد. لم تكن قصة الطفل خلدون الذي صار اسمه دوف حقيقية، ولكن خيال الروائي جعله جندياً في جيش الاحتلال لم يشعر بأية صلة تربطه بوالديه البيولوجيين ورفضها، وهو سؤال إنساني وأخلاقي من صاحب الحق في الطفل؟ المهزوم الذي هرب نتيجة الخوف وتركه، أم المنتصر الذي احتل البيت وتبنى الطفل ورباه؟
لم تكن قوّة هذه الأعمال في دقّة الخرائط وأسماء الشوارع في حيفا، أو عدد محطات الوقود في الطريق الحدودي بين الكويت والعراق، فهذا يمكن أن يفعله فضولي عادي، بل في صدق وعمق الأسئلة التي طرحتها، وهو سؤال يتجاوز المكان ليصيب جوهر الإنسان.
الفرق في النهاية، ليس بين من يكتب من الداخل ومن يكتب من الخارج، بل بين من يكتب المكان بوصفه بطلاً، وحينها عليه أن يكون دقيقاً ومسؤولاً، وبين من يكتب الفكرة التي يولّدها الظرف الذي يمر به المكان والزمان، حيث تصبح الأمانة الأخلاقية والصدق الفني، لا الجغرافيا، هو المعيار.

1