أحدث الأخبار
الجمعة 19 نيسان/أبريل 2024
مكر التاريخ: من صدّام إلى زيلينسكي !!
بقلم : حسن نافعة* ... 07.03.2022

هل يوجد وجه شبه بين الأزمة الكويتية العراقية التي اندلعت عام 1990 والأزمة الأوكرانية الروسية الراهنة؟. أوجه الخلاف بين الاثنتين كثيرة ومتنوعة، ومع ذلك، في ظني أن بينهما وجه شبه واحداً على الأقل، وهو خطأ الحسابات الناجم عن عدم قدرة كل من القيادتين، العراقية والأوكرانية، على القراءة الصحيحة للتحوّلات الجارية في النظام الدولي وقت اندلاع الأزمة، ما أدّى إلى إدارتهما لها بطريقةٍ عرّضت بلديهما وشعبيهما لمخاطر كان يمكن تلافيها، إذا ما أديرت بطريقة أكثر حكمة وعقلانية. ففي عام 1990، وجّه الرئيس صدّام حسين اتهاماتٍ إلى دولة الكويت، وادّعى أنها تسرق النفط العراقي من حقل الرميلة المشترك، وتتعمّد تبنّي سياسات نفطية تساهم في تضييق الخناق الاقتصادي على العراق، الخارج لتوّه من حرب طويلة مع إيران، كما طالب الكويت، في الوقت نفسه، بإسقاط جانب كبير من الديون التي تراكمت على العراق، بسبب الحرب التي يقول إنه خاضها دفاعا عن دول الخليج العربي كلها، وبمنح العراق تسهيلاتٍ بحريةٍ تمكّنه من تصدير النفط عبر موانئ تطلّ على الخليج مباشرة. وعندما أنكرت الكويت الاتهامات الموجهة إليها، ورفضت مطالب صدّام، أقدم الأخير على غزوها واحتلالها، بل وضمّها إلى العراق، واعتبرها المحافظة رقم 19. ولا تناقش المقالة هذه مدى مصداقية اتهامات صدّام أو مشروعية مطالبه، وإنما تبحث عن الأسس التي بنى عليها حساباته عند اتّخاذه قرار الغزو الذي تسبّب في كارثة كبرى، ليس فقط لبلاده، وإنما للعالم العربي ككل، فهل اعتقد صدّام أنه ليست لدى الولايات الرغبة في التدخل، أم تصوّر أن بمقدوره الاعتماد على الاتحاد السوفييتي، الذي لم يكن قد انهار رسميا بعد، بتقديم غطاء سياسي يكفي لردع الولايات المتحدة وإجبارها على عدم التدخل؟
الواقع أن كل التحولات الجارية في النظام الدولي وقت اندلاع أزمة 1990 كانت تغري الولايات المتحدة ليس فقط بالتدخل العسكري، وإنما أيضا لتوظيف هذه الأزمة لخدمة أهداف استراتيجية أميركية عليا، تتجاوز الأهداف المعلنة بالضغط على صدّام للانسحاب من الكويت، كما كان من شأن هذه التحولات، في الوقت نفسه، شل قدرة الاتحاد السوفييتي على فعل أي شيء للحيلولة دون وقوع حرب، أو لاحتواء تأثيراتها المحتملة ومحاصرتها، أو لمدّ يد العون إلى صدّام. صحيحٌ أن الاتحاد السوفييتي لم يكن، في ذلك الوقت، قد سقط أو تفككك رسميا بعد، لكن كان من الواضح أنه يمرّ بأكثر أوقاته صعوبة وضعفا. يجدُر بنا هنا أن نتذكّر أن الأزمة بين العراق والكويت اندلعت بعد عام كامل من سقوط جدار برلين، وهو حدثٌ اعتبره كل خبراء العلاقات الدولية وقتها مؤشّرا على انتهاء حالة الحرب الباردة بين المعسكرين، الشرقي والغربي. وبعد أكثر من عام على انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، أو بالأحرى هزيمته هناك، وبعد انعتاق معظم دول أوروبا الشرقية من الهيمنة السوفييتية وبداية تفكك حلف وارسو.. إلخ، وكلها مؤشّرات كانت تدل، بوضوح، على أن مرضا عُضالا أصاب الاتحاد السوفييتي وشلّ قدرته على الفعل، وبالتالي فالرهان عليه خاسر لا محالة. لذا، أتاح الاحتلال العراقي للكويت، في هذه اللحظة تحديدا، فرصة تاريخية فريدة أمام الولايات المتحدة، ليس فقط للتعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي من خلال إظهار عجزه عن إنقاذ النظام العراقي الحليف، ولكن أيضا لانتزاع اعتراف عالمي بأنها (الولايات المتحدة) باتت الدولة الوحيدة القادرة على الهيمنة المنفردة على النظام العالمي، من خلال استعراض عضلاتها العسكرية في "حرب تحرير الكويت". ولا جدال في أن هذا الخطأ في حسابات صدّام كلّف العراق غاليا، وكان بمثابة الخطوة الأولى التي مهّدت لغزوه واحتلاله أميركيا عام 2003.
إذا طوينا صفحة الأزمة العراقية الكويتية، وفتحنا صفحة الأزمة الأوكرانية الراهنة، نجد أن السبب المباشر في اندلاعها يتعلق برفض روسيا القاطع طلب أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو واعتباره خطرا مباشرا على أمنها القومي، وهو ما كان معلوما للكافة قبل سنوات طويلة من وصول الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى السلطة عام 2019، فمعروف أن قمة رؤساء دول وحكومات حلف الناتو في بوخارست، في إبريل/ نيسان 2008، أصدرت إعلانا عبّرت فيه عن "ترحيبها بالتطلعات الأوروبية الأطلسية لكل من أوكرانيا وجورجيا اللتين ترغبان في الانضمام إلى الحلف". وأشارت فيه إلى خطوات قالت إنها "ستقودهما مباشرة إلى عضوية الحلف". ويبدو أن هذا الإعلان شجّع حكومة جورجيا على شن هجوم على إقليم أوسيتيا الجنوبية الرافض سياستها في ذلك الوقت، ما استدعى تدخلا عسكريا روسيا فوريا، انتهى بخسارة جورجيا كلا من أبخازيا وأوسيتيا، في مؤشّرٍ لا تخطئه العين على أن روسيا الاتحادية بدأت تستعيد قوتها المفقودة، وأنها لن تقبل من الولايات المتحدة والدول الغربية، من الآن فصاعدا، ما كانت مضطرّة لقبوله من قبل، خصوصا ما يتعلق بتوسع "الناتو" شرقا، وعلى وجه أخص ما يتعلق بانضمام جورجيا وأوكرانيا تحديدا لهذا الحلف. وحين بدت الولايات المتحدة والدول الغربية وكأنها كسبت جولة في صراعها المتواصل بشأن أوكرانيا، حين تمكّنت من إطاحة النظام الموالي لروسيا هناك من خلال "ثورة ملوّنة"، سارعت روسيا بالرد على التحدّي، واندلعت أزمةٌ سرعان ما تحوّلت إلى صراع مسلح، انتهى بإقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم، وبدفع إقليمين أوكرانيين تقطنهما أغلبية روسية نحو الانفصال، وهما اللذان اعترفت موسكو بهما جمهوريتين مستقلتين. وكان هذا بمثابة مؤشّر آخر على تصميم روسيا على الرد على المحاولات الغربية التي تهدف إلى تحويل كل من جورجيا وأوكرانيا، الجارين والعضوين السابقين في الاتحاد السوفييتي، إلى دولتين معاديتين على حدودها الغربية، وبدا واضحا أنها قرّرت أن ترسم حول حدودها الشرقية خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها.
في سياق ما تقدّم، كان على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، عندما وصل إلى السلطة عام 2019، أن يدرك أن النظام الدولي قد تغير، وأن التاريخ بدأ يسطّر صفحة جديدة من صفحات مكره الذي يستحيل التنبؤ به!. فروسيا الحالية، المستعدّة لتحدي الغرب ولوقف تمدّد "الناتو" شرقا، ليست هي الاتحاد السوفييتي في التسعينيات، والولايات المتحدة، المهزومة في أفغانستان، والمنسحبة منها قبل أشهر قليلة من اندلاع الأزمة الأوكرانية الراهنة، ليست هي الولايات المتحدة التي كانت تتفاخر بقدرتها على خوض حربين متزامنتين على جبهتين مختلفتين في بداية القرن. لو كان زيلنسكي قد أدرك هذه الحقيقة، لتبنّى سياسة أكثر حكمةً تهدف إلى تهدئة هواجس روسيا الأمنية، ترتكز على حياد أوكرانيا وإعلان قبولها الضمانات الأمنية التي تطالب بها روسيا، والاكتفاء بطلب قبولها عضوا في الاتحاد الأوروبي بدلا من حلف الناتو، بل وربما كان من مصلحته ومصلحة بلاده السعي إلى أن تكون أوكرانيا جسرا للتواصل بين روسيا والغرب، عبر صيغة أمن مشترك يقبلها الطرفان، وليس ساحة للصراع بينهما. لكن ما فعله الرجل كان عكس ذلك تماما، فحتى بعد أن كشّرت روسيا عن أنيابها، وبدأت تحشد قواتها العسكرية على حدودها مع أوكرانيا، واصل إصراره على طلب انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وقبل أن يتحوّل إلى دمية في يد الغرب، حتى لو كان الثمن تعريض بلاده للغزو العسكري، وهو ما جرى فعلا، فعلى أي شيء راهن زيلينسكي؟
من الصعب التكهن منذ الآن بما ستؤول إليه الأزمة الأوكرانية التي بات مؤكّدا أنها ليست أزمة بين روسيا وأوكرانيا، وإنما أزمة عالمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، طرفاها روسيا: المدعومة صينيا وإيرانيا، من ناحية، والولايات المتحدة: المدعومة أوروبيا وغربيا، من ناحية أخرى. ولأنه يستحيل، في تقديري المتواضع على الأقل، أن تسفر المواجهة الراهنة عن هزيمة أي من طرفي الأزمة هزيمة كاملة، أعتقد أنه بات في حكم المؤكّد أنه عندما تصمت المدافع، سيكون ميزان القوى الدولي قد تحرّك إلى نقطة توازن تختلف كثيرا عن التي هو عليها الآن. لذا، أرجّح أن تسفر الأزمة عن ولادة نظام متعدّد القطبية، بدلا من النظام الحالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منفردة أو بالتحالف مع القوى الغربية. لكن قبل ذلك ستكون أوكرانيا قد تحوّلت إلى ركام، وتحت قيادة جديدة غير قيادة الكوميديان فولوديمير زيلينسكي.

1