أحدث الأخبار
الجمعة 19 نيسان/أبريل 2024
منكوبو ليبيا: إهمال الحكومتين المتصارعتين فاقم الفاجعة!!
بقلم :  أسامة علي ... 15.09.2023

ساهم غياب الإجراءات الحقيقية قبل وصول العاصفة دانيال إلى شرق ليبيا من قبل السلطات المختصة في ما خص الإنذارات المبكرة، وقبل ذلك الغياب التام لصيانة البنى التحتية للمدن والقرى والسدود والإنشاءات، وكذلك الصراع المستمر حتى في عز المأساة بين الحكومتين المتنافستين، بارتفاع أعداد ضحايا العاصفة وتسبّب بغرق وموت وفقدان الآلاف.
وفي وقت تسابق المسؤولون في الحكومة التابعة لمجلس النواب على التصريح وإصدار البيانات التي أكدت الجاهزية لمواجهة العاصفة، أثبتت الوقائع الدامية والأعداد المهولة من الضحايا عدم الاستعداد نهائياً من قبل السلطات. فقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، أمس الخميس، أنه "كان من الممكن تفادي سقوط معظم الضحايا" جراء الفيضانات المدمرة التي خلفت آلاف القتلى والمفقودين في شرق ليبيا. وقال الأمين العام للمنظمة، بيتيري تالاس، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إنه "كان بالإمكان إصدار إنذارات، حينها كانت هيئات إدارة الحالات الطارئة تمكنت من إجلاء السكان، ولكنا تفادينا معظم الخسائر البشرية. لا يمكننا تجنب الخسائر الاقتصادية بشكل كامل، ولكن كان بإمكاننا أيضاً تقليل تلك الخسائر إلى الحد الأدنى".
وأرجع تالاس حجم الكارثة بشكل كبير إلى الافتقار إلى أدوات التنبؤ بالطقس، واتخاذ إجراءات بشأن الإنذارات المبكرة، كما ألقى باللوم على الصراع الداخلي المستمر منذ سنوات والذي قسّم البلاد، إذ أدى إلى "تدمير كبير لشبكة مراقبة الأرصاد الجوية، وتدمير أنظمة تكنولوجيا المعلومات".
وكشف تقرير ديوان المحاسبة (أعلى جهة رقابية في ليبيا) لعام 2021، عن فساد مالي كبير في ملف صيانة السدود، والتعاقد مع عدة شركات أجنبية لصيانة سد وادي درنة، من بينها عقد مع "شركة أرسيل" في سنة 2007، بقيمة 39 مليون دينار، تقاضت منها نحو 19,8 مليوناً كدفعة مقدمة، في حين لم تتجاوز نسبة الإنجاز 20 في المائة، وعقد آخر مع شركة "كونكورد" في 2009، بقيمة 11 مليون دينار، في حين لم تنجز أية أعمال بموجبه. وأكد التقرير أنه لم تُجر أية عمليات صيانة شاملة بموجب أي من تلك العقود، إذ لم تشرع الحكومات المتعاقبة في تفعيل العقود رغم توفر المخصصات. وكشفت تصريحات العديد من المسؤولين المحليين أن سد وادي درنة المتهالك لم تجر فيه أية عمليات صيانة منذ عام 1986.
وأعلن وكيل وزارة الصحة في حكومة الوحدة الوطنية، سعد الدين عبد الوكيل، أن "عدد قتلى الفيضانات في مدن شرق ليبيا تجاوز 6 آلاف، لكن المفقودين بالآلاف. هذه الحصيلة تخص كل المناطق المتضررة، فيما سجلت درنة العدد الأكبر من الضحايا، ومن المرجح ارتفاع الحصيلة". وأوضح عبد الوكيل، أن "فرق الإنقاذ المحلية والدولية تمكنت من إنقاذ 510 أشخاص من تحت الأنقاض بمدينة درنة. عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث مستمرة، وتحتاج إلى وقت نظراً لوجود آلاف المفقودين في العديد من المناطق المتضررة".
يتباين تقدير أعداد القتلى في ليبيا لكنهم بالآلاف فضلاً عن آلاف المفقودين
وبينما أودت العاصفة دانيال، بحياة 15 شخصاً في اليونان بعد أن تسببت في هطول أمطار غزيرة، تتباين تقديرات أعداد القتلى المؤكدة التي يقدمها المسؤولون الليبيون، لكنها جميعها بالآلاف، مع وجود آلاف آخرين في عداد المفقودين. وقال رئيس بلدية درنة، عبد المنعم الغيثي، لـ"رويترز"، إن الوفيات في المدينة قد تصل إلى 18 ألفاً استناداً إلى حجم الأضرار، وإن المدينة بحاجة إلى فرق متخصصة في انتشال الجثث، معبراً عن مخاوفه من حدوث وباء بسبب كثرة الجثث تحت الأنقاض وفي المياه.
وقبل الكارثة، تكرر ظهور وزير الصحة بالحكومة التابعة لمجلس النواب، عثمان عبد الجليل، ووزير الداخلية، عصام أبوزريبة، والمتحدث باسم قيادة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، أحمد المسماري، في مؤتمرات صحافية، وأصدروا بيانات تؤكد الاستعداد لمواجهة العاصفة، وإعلان حالة الطوارئ والجاهزية القصوى. بينما كشفت الفاجعة عدم وجود أية استعدادات.
وفي طرابلس، اكتفى رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، أمس الخميس، بمطالبة النائب العام، الصديق الصور، بفتح "تحقيق شامل" في كارثة الفيضانات التي ضربت درنة (شرق)، و"محاسبة كل من أخطأ أو أهمل بالامتناع أو القيام بأفعال نجم عنها انهيار سدي مدينة درنة"، كما طالب بأن تشمل التحقيقات "كل مَن قام بتعطيل جهود الاستغاثة الدولية، أو وصولها للمدن المنكوبة".
وأعلن متحدث باسم البرلمان الليبي، أمس الخميس، موافقة البرلمان على ميزانية بقيمة عشرة مليارات دينار من أجل أعمال الإغاثة في المناطق المنكوبة. لكن في مقابل تأخر التدخل الحكومي، شارك غالبية الليبيين في إغاثة المدن المنكوبة منذ اليوم الأول، إذ أطلقت المدن والبلدات، والطوائف والقبائل بالتنسيق مع المؤسسات المدنية والخيرية والنقابات في أنحاء البلاد حملات فرضتها الفاجعة، واصطلح على تسميتها "فزعة خوت" (الأخوة).
يؤكد حسن بركان، عضو جمعية التيسير الأهلية الإغاثية، التخبط الحكومي في التعامل مع الكارثة، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "السبب الأول يكمن في الإجراءات الأمنية الناتجة من وجود حكومتين متنافستين، ما عرقل وصول الإمدادات الحكومية من مناطق الغرب لساعات طويلة، فلا بد لحكومة طرابلس أن تحصل على موافقة حكومة بنغازي قبل تحركها في مناطقها، والسبب الثاني هو حيازة حكومة غرب البلاد لأموال الدولة، ما دعم جهوزيتها في إعداد وترتيب المعونات، وتنظيم اللجان الوزارية والفرق، بينما حكومة الشرق تأخرت بسبب صدمة الحدث التي أربكت حركتها، وعطلت قراراتها بشكل أثر في قدرتها على التعاطي مع وصول المساعدات والفرق الدولية".
على الأرض، لم يهتم الليبيون بالخلاف السياسي بين الحكومتين، كما لم يهتم سكان المناطق المنكوبة بالمكان أو المنطقة التي تأتي منها المعونات. يقول مجدي الثابت، وهو أحد مطلقي حملة "فزعة خوت" في العاصمة طرابلس، لـ"العربي الجديد": "سبق المواطنون الدولة في كل شيء، حتى في تغطية العاصفة إخبارياً، فقد رصدت كاميرات الهواتف كل لحظة، بداية من الاستعداد لتلقي أولى موجات العاصفة في بنغازي، وصولاً إلى انتشال الجثث من تحت الأنقاض. تعامل الناس مع الحدث ابتعد تماماً عن السياسة، وركز كلياً على الجانب الإنساني، وقد نجح هذا التضامن الواعي غير المنسق في إيقاظ مشاعر الجموع، وكان اللبنة التي بُني عليها تنظيم الجهود لاحقاً".
مع مرور الوقت وتكشف بشاعة المشاهد الآتية من درنة، زادت الجموع الشعبية المتطوعة من تنويع النشاط الإغاثي، وساعد في ذلك تشكيل مجموعات ساعدت على تواصلها مواقع التواصل. يتابع الثابت: "مواقع التواصل ساعدت بعدة أوجه، فقد دفعت أولاً إلى تسريع وصول المعلومات عن مدى سوء الحال في المناطق المتضررة، وشكل الاحتياجات العاجلة، والطرق الأفضل لوصول المتطوعين ومواد الإغاثة، كما ساهمت في خلق تنافس بين المدن والمناطق في تقديم المساعدات، ومع تنوع الاحتياجات سرعان ما تطور الأمر إلى تشكيل مجموعات مصغرة متخصصة في مجالات بعينها".
ويقول الصحافي أشرف العزابي: "امتازت مشاركة الصحافيين في البعد عن الاصطفافات السياسية، رغم أن البعض يعملون في وسائل إعلام متناحرة، فقد كان الهدف الأساسي توفير المعلومات المجردة، وإيصال الصورة كما هي، وترك الباقي للآخرين كل حسب اختصاصه. وفرت المعلومات الجهد والوقت الخاص بتوفير الإغاثة وتوزيع المتطوعين، وتطور الأمر إلى توفير خدمات الترجمة التطوعية لفرق الصحافة الدولية".
يصف المتطوع في إحدى قوافل الإغاثة من مدن الغرب، وسام الشيخي، لـ"العربي الجديد" كيف "امتلأت حمولة شاحناتنا، فانطلقنا من مدينة الخمس (100 كلم شرق طرابلس)، وعندما وصلنا إلى سرت (وسط شمال)، دعمنا عشرات من الأهالي على حافتي الطريق بمأكولات جافة جاهزة وتمور وألبان ومياه وعصائر وقهوة وشاي. حتى الوقود لم ندفع ثمنه، فقد قادنا شباب سرت إلى محطة سخرها صاحبها مجاناً لسيارات الإغاثة، وعندما تعثرت إحدى سيارات الحملة بسبب عطل، هرع الشباب لإحضار أحد الفنيين الذي رفض هو وصاحب محل لقطع الغيار تقاضي أي أجر نظير إصلاحها، وعلى هذا الحال استمرت أجواء الطريق حتى وصلنا إلى بنغازي، حيث كان الاستقبال لافتاً، بداية من أحد ضباط بوابة مدخل المدينة الذي رفع لنا التحية العسكرية، إلى استقبال الأهالي الذين وفروا إقامة مجانية للمتطوعين".
ويوضح الشيخي: "تجاهل الجميع الخلافات الأيديولوجية والمناطقية، بل وما خلفته أيام الحروب من خرق اجتماعي كبير، فقد كان الطريق الذي قدمنا منه هو نفسه الذي كانت تمر منه آلة الموت نحو طرابلس قبل أربع سنوات، حتى امتزجت في مقلتي الدموع بين الحزن على مصاب كارثة السيول، والفرح بهذا التعاضد".
ومع تزايد أعداد النازحين من المدن المتضررة، انتشرت على نطاق واسع حملات التسكين المجاني في فنادق ومنازل بمختلف المدن، وتعاطفاً مع صور الأطفال الناجين الذين فقدوا أهاليهم، تزايدت طلبات التبني والكفالة أيضاً، وانحصرت مواد الإغاثات في البداية في الأدوية والأغذية، وبعض سيارات الإسعاف، وشاحنات وصهاريج سحب المياه، لكنها بدأت تتنوع لاحقاً مع وضوح المشهد في المناطق المنكوبة.
وصلت فرق إغاثة دولية متخصصة في الإنقاذ رفقة قوافل طبية إلى ليبيا
يقول الناشط المدني في بنغازي، نبيل الشامخ: "في اليوم الثاني بدأ تدفق الإعانات بشكل أكثر دقة وفقا لما ينشره النشطاء حول حاجة المناطق المنكوبة، وشمل ذلك حليب الأطفال، والمواد الغذائية الأساسية، والملابس، والخيام، والفرش، والأغطية، ولتفادي تأخر وصول الشاحنات نتيجة بعد المسافة بين الشرق والغرب، أطلق رجال أعمال وبعض المتطوعين حملات لجمع المال بهدف تسريع وصول المساعدات، وليس أسرع من تحويل المال الى مكاتب التحويلات، ليتسلمها فرق المتطوعين لشراء اللوازم من الأسواق، وقد ساعدت سرعة استجابة الناس والتجار لحملات التبرع، حتى أن هناك أطفالا قدموا حصالات نقودهم".
ويوضح الشامخ أنه جرى تقسيم الأعمال التطوعية إلى فئات، فهناك المتطوعون من الأطباء والممرضين والمسعفين وفنيي التحاليل، والمتطوعين لتفريغ المعونات من على متن طائرات الإغاثة الدولية داخل مطاري طرابلس وبنغازي، ومتطوعون لتغسيل وتكفين الموتى، وغطاسون يتولون البحث في البحر بعد أن قذفت الأمواج بالعديد من الجثامين على سواحل المناطق المنكوبة، وخصوصاً في درنة.
ومع إعلان المجلس الرئاسي اعتبار المدن المتضررة "مناطق منكوبة" وطلبه التدخل الدولي، وصلت فرق إغاثة دولية متخصصة في أعمال الإنقاذ رفقة قوافل طبية ومساعدات من دول عديدة، من بينها تونس والجزائر ومصر وقطر والإمارات وتركيا وإسبانيا، مع انتظار وصول أخرى من إيطاليا وألمانيا.
ويقول المتحدث باسم جهاز الإسعاف والطوارئ، أسامة علي، لـ"العربي الجديد"، إن كل هذه الأعداد من فرق الإغاثة والإنقاذ أربكت لفترة جهود البحث والإنقاذ بسبب تعدد المناطق المنكوبة، وكون طبيعتها الجغرافية غير معروفة للقادمين من الخارج، لكن جرى لاحقا تنسيق الجهود للاستفادة من تلك الفرق.
ولمواجهة أزمات الجغرافيا الصعبة، أطلق المهندس سليمان عرادة، وهو متخصص في تقنية المعلومات، مشروعاً لدعم جهاز الهلال الأحمر، مهمته تحليل البيانات الجغرافية للمناطق المنكوبة بهدف عرضها من خلال تطبيق يتضمن خرائط إلكترونية تسهل على فرق الإنقاذ التنقل. يقول عرادة لـ"العربي الجديد": "أطالب المختصين في المعارف الالكترونية بالمسارعة إلى التطوع في المشروع لأن الحاجة لفرق الإنقاذ لا تتوقف عند إنقاذ أهالي المدن، فهناك قرى وأرياف من الصعب الوصول إليها".
وتذهب جهود المتطوعين لسد العجز الحكومي إلى الإحصائيات الخاصة بالمفقودين، كما تفعل الناشطة نور الهدى الزايدي، والتي انتبهت إلى تباين التصريحات الحكومية حول الأرقام والبيانات الخاصة بالمفقودين، واضطرابهم في تقدير الأعداد، فبادرت إلى إنشاء منظومة إلكترونية لتوثيق أرقام الضحايا والمفقودين أطلقت عليها اسم "الناجي". ينقل عبد السلام الغافود، زوج نور الهدى، عنها أن ثمانية نشطاء انضموا إلى مبادرتها، وهم يعملون على تسجيل وترتيب وتدقيق بيانات المفقودين المسجلين لدى لجنة الأزمة في مدينة درنة، والتي يعمل هو ضمن فرقها، وإنها تطمح في أن تتوسع المبادرة إلى منصة إلكترونية قد تكون أساساً تبني عليه الجهات الحكومية لاحقاً عملاً أوسع.
ويقول الغافود لـ"العربي الجديد": "سمحت لجنة الأزمة بحصول المبادرة على أرقام المفقودين، ويجري التواصل مع جهات حكومية أخرى، من بينها هيئة أسر الشهداء التي تهتم بالمفقودين، وجهاز الإمداد الطبي للحصول على معلومات من المستشفيات، فربما يكون المبلغ عن فقدانه موجودا في أحد المستشفيات في وضع لا يسمح له بالتواصل مع ذويه، وفي الوقت الحالي تعتمد المبادرة على سجلات دار الموتى، والمحكمة، والهلال الأحمر".
*المصدر : العربي الجديد

1