أحدث الأخبار
الثلاثاء 20 كانون ثاني/يناير 2026
شمشون عند ركبتي دليلة: دراما الغدر في لوحات الرسامين!!
بقلم : مروة صلاح متولي ... 20.01.2026

تتعدد التفسيرات الدينية والتاريخية لقصة شمشون ودليلة، لكنها كذلك تعتبر من القصص الغنية درامياً بشكل كبير، ولعل هذا كان سبباً في اختلاطها بالوجدان الشعبي على مر العصور، وتحول معانيها إلى أمثولات متداولة تذكر عند الحديث عن الغدر، أو الضعف أمام الشهوات أو الانتقام وما إلى هنالك. وردت القصة في التوراة لكنها اتخذت شكل الحكاية الشعبية السائدة في مختلف الثقافات، وهي كما تعرف حكاية شمشون الجبار صاحب القوة البدنية الخارقة، الذي استطاع أن يمسك أسداً في يوم من الأيام وأن يذبحه بيديه، وكان سر قوته في شعره الطويل، الذي يرمز لعهد مع الله، ويقال إن إطلاق الشعر كان عادة دينية عند قوم شمشون، وأن بقاء هذه القوة الممنوحة إليه كان مقترناً ببقاء شعره طويلاً، فإذا قصه أو حلقه غضب الله عليه وحرمه هبة القوة. ولما كان من المستحيل القضاء على شمشون جسدياً بواسطة أعدائه، كان عليهم أن يتبعوا الحيلة وأن يكتشفوا سر قوته أولاً، فكانت المرأة هي السبيل والشهوة، هي الأداة التي يمكن تحقق هزيمة شمشون، فجاءت دليلة ترمي شباكها الأنثوية الناعمة حول البطل الجبار وتقوده إلى مخدعها، وتسأله ثلاث مرات عن سر قوته فيداعبها ويغيظها ولا يخبرها بالحقيقة، إلى أن تتمكن منه في النهاية وتحصل على السر الذي ستبيعه إلى أعدائه مقابل النقود، وستعاونهم على حلق شعر شمشون عندما يكون نائماً على ركبتيها، ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقوموا بذلك عنوة بمواجهة شمشون والسيطرة عليه.
يفيق شمشون على مرارة الغدر والخيانة وعلى فجيعة فقدان قوته التي ذهبت بذهاب شعره، ثم يتجرع بعد ذلك آلام الذل والهوان على أيدي أعدائه، الذين فقأوا عينيه، واتخذوه أسيراً يعمل في طحن الحبوب، فهو يجر حجر الطاحونة ويدور بها بديلاً عن الحيوان. وكان أعداؤه يحضرونه من حين إلى آخر للسخرية منه والتشفي في الجبار الذي صار ذليلاً، وفي يوم اجتمع هؤلاء الأعداء في حفل كبير، وكانت دليلة ضيفة شرف الحفل، وأحضر شمشون ليكون مادة للسخرية والاستهزاء، لكنه طلب من الغلام الذي يقوده أن يذهب به إلى أعمدة القصر أو المعبد، وكان شعر شمشون بدأ ينمو من جديد وأخذت قوته تعود إليه سراً، فحطم شمشون الأعمدة التي تحمل المبنى وسقط الجميع تحت الدمار الهائل ومعهم شمشون نفسه، ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة «عليّ وعلى أعدائي».
شمشون ودليلة كموضوع فني
كما تغلغلت قصة شمشون ودليلة في الثقافة الشعبية، كان من الطبيعي أن تشتبك أيضاً مع شتى الفنون، في المسرح والأدب والتمثيل، وكذلك في لوحات الرسامين من مختلف الأزمنة والمذاهب الفنية، فنجد عدداً كبيراً من اللوحات التي صورت قصة شمشون ودليلة، والملاحظ في أغلب هذه اللوحات إن لم يكن في جميعها، أنها ركزت على اللحظة الحاسمة في القصة، أو نقطة التحول الدرامي التي يتغير عندها كل شيء، لحظة الخيانة والغدر، عندما كان شمشون نائماً على ركبتي دليلة، بينما يقوم الأعداء بقص شعره. نجد في لوحة روبنز الشهيرة التي تعود إلى عام 1610، تصويراً بصرياً لتلك اللحظة الدرامية، ونرى جسد شمشون الضخم الجبار منهاراً على ركبتي دليلة، التي تظهر بدورها كامرأة لعوب تمارس الخيانة ببرود كامل، وتبدو ساكنة، بينما يقوم رجل بقص شعر شمشون ونرى رجلاً آخر يعاونه بشمعة مشتعلة يمسكها، وفي خلفية اللوحة توجد مجموعة من الأعداء الذين يراقبون ما يحدث من خلف باب الحجرة. تشغل الكتلة الجسدية الضخمة لشمشون حيزاً كبيراً من اللوحة، وتتداخل مع التكوين الجسدي لدليلة، التي نراها في اللوحة بوجه بارد كأنه لا حياة فيه، وتمثل هنا المرأة رمز الشر والخطيئة والشهوة. ركز روبنز على الحدث الجسدي ووضع الكثير من التعبيرات في الأجساد ذاتها، وأبرز التناقض بين قوة جسد شمشون وعضلاته المشدودة، واستسلامه الكامل في غفوته، للدلالة على انعدام قيمة القوة الجسدية إن لم تقترن بالوعي. الضوء في اللوحة قوي وصريح مسلط على جسدي شمشون ودليلة في الأساس، بينما تعتم اللوحة كلما اقتربت من وجوه الأعداء. يمتد اللون الأحمر في مساحة كبيرة من اللوحة كجزء من رداء دليلة، هو لون الغواية المقترنة بالعنف والخطر، كذلك نجد اللون البني الذي يخلق جوا خانقاً بعض الشيء.
في لوحة رمبرانت المرسومة عام 1630 نجد تصويراً مختلفاً لتلك اللحظة من قصة شمشون ودليلة، وعلى العكس من جسد شمشون الضخم في لوحة روبنز، نرى جسد شمشون هنا ضئيلاً قصير الساقين منكمشاً في حضن دليلة. لا تضم اللوحة سوى أربع شخصيات فقط، شمشون ودليلة، والرجل الممسك بالمقص الذي هو على وشك الانقضاض على شمشون، والرجل الآخر الذي يتطلع من خلف ستار، تبدو دليلة أكثر شراً في هذه اللوحة، بل تميل ملامحها إلى أن تكون مخيفة، ركز رمبرانت على الدراما النفسية، ونقل الأثر النفسي إلى المتلقي أكثر من الحركة ودراما الجسد، كما أنه جعل المكان غير محدد في غرفة شبه خاوية، لا وجود لديكور ولا أثاث ولا حشود من الأعداء، كذلك الخلفية قاتمة غير محددة المعالم بدرجات اللون البني الخانق، تضفي ثقلاً نفسياً، كما أن الضوء وتكوين اللوحة بشكل عام يبطئ الزمن ويجعل تلك اللحظة ممتدة ومؤلمة. وفي لوحة فان دايك المرسومة عام 1630 أيضاً، تم رسم شمشون مستيقظاً، بعد أن تم قص شعره، يمسك به الأعداء وقد صار ضعيفاً بلا حول ولا قوة، يتوسط اللوحة بجسده الضخم وينظر إلى دليلة وعلى وجهه علامات الأسى والألم ومرارة الشعور بالخيانة، بينما دليلة تتطلع إلى الفراغ ولا تبادله النظرات، ويبدو وجهها أكثر هدوءاً وبروداً وإجراماً، تجسد لوحة فان دايك لحظة التوتر الأقسى والوعي المؤلم بالسقوط والهزيمة.

1